عن الإسلام السّياسي.

منذ سقوط الحضارة الإسلامية، وبعدها الدولة العثمانية – رسميًّا سنة 1924م، وظهور “جماعة الإخوان المسلمين” في مصر على يد مؤسّسها الإمام الشّهيد “حسن البنّا” سنة 1928م، وجهادها في فلسطين سنة 1948م، وانتشارها في أكثر من: 80 دولة، وتجربة “أربكان” في تركيا منذ سنة 1970م، والثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م، والتجربة السّودانية سنة 1989م، وفوز “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” في الجزائر سنة 1991م، وبعدها فوز الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في الانتخابات الرئاسية سنة 1995م، والتجربة الإسلامية السياسية في أندونيسيا وماليزيا، والتجربة “الأردوغانية” منذ وصوله إلى الحكم سنة 2002م، وفوز حركة المقاومة الإسلامية – حماس في فلسطين سنة 2006م، والصّعود الدّيمقراطي للإسلاميين، بعد ثورات الرّبيع العربي سنة 2011م، وتجربة: الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النّهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، والحضور المتميّز للأحزاب الإسلامية كأرقامٍ صعبةٍ في المعادلة السياسية لدولها، كلُّ ذلك شكّل ظاهرةً سياسيةً مزعِجةً للقِوى الغربية وأدواتها العربية، وهو ما فجّر نقاشًا فكريًّا وسياسيًّا حول ما سُمّي: “بالإسلام السّياسي”، والترويج – فيما بعد – لفشله، والحديث عن مرحلة ما بعده، كنوعٍ من الاستعجال التقييمي والخلل التفسيري القاصر، وعدم التفريق بين الحديث عنه كمرحلة، وبين التركيز عليه كهويّة مجتمعية، بالرّغم من كونِه ضحيّة تزوير الانتخابات، والانقلابات العسكرية، والثورات المضادّة، والتدخّلات الأجنبية.

ومع عدم التسليم بصحّة أو دقّة مصطلح “الإسلام السّياسي”، والتهافت الحاصل عليه ومدى الانحياز فيه، وهو الذي يحمل مضمونًا إيديولوجيًّا خاطئًا، يستهدف علْمَنة “الإسلام” في حدّ ذاته، ومعاداته وتفريغه من بُعده السّياسي والحضاري، دون التحامل على الأحزاب الدّينية المسيحية أو الأحزاب الدّينية اليهودية، فإنه قد أصبح واقعًا بمختلف تجلّياته السّياسية والمجتمعية، بعد أنْ تجاوز بُعده العقائدي والنّظري ورؤيته الإيديولوجية عن “الدولة” و”المجتمع”، وأنّ فشلَ أيِّ تجربةٍ سياسيةٍ للإسلاميين لا تعني بالضّرورة فشل “الإسلام” في حدّ ذاته، للفرْق بين “التديّن البشري”، و”الدّين الإلهي”.

هذا “الإسلام السّياسي” الذي يجمع بين “الشّعائر” و”الشّرائع”، وبالرّغم من “شيطنته” ومحاولات عزله إلاّ أنّه أصبح يشكّل تهديدًا وُجوديًّا واستراتيجيًّا للعديد من الفلسفات والإيديولوجيات المعاصرة، التي أثبتت فشلها بعد عقودٍ من التجربة والتلميع العَلماني لها، مثل: الشيوعية والاشتراكية واليسارية والقومية والليبرالية والرأسمالية.

ومع الانتقال السُّنَنِي للحركة الإسلامية من مئوية “الصّحوة” إلى مئوية “النّهضة”، عبر مشاركاتها السّياسية العامّة ومشارفاتها على الحُكم، وهي تنسجم مع الحتمية النّصّية للحديث النبوي الشّريف: “إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة مَن يجدّد لها أمرَ دينها.”، فإنّك تدرك فضاعة الاستعجال والتعميم في الحُكم على الفشل الذّاتي “للإسلام السّياسي” كفِكْر، والتحامل الكبير على “التجربة البشرية للإسلاميين” كممارسة، مع وجود تجارب إسلامية ناجحة يتمّ تجاهلها، كالتجربة الإسلامية السياسية في إيران وأندونيسيا وماليزيا وتركيا والمغرب، وأنه لم تُعط الفرصة الكاملة للآخرين في التجارب التي تفاجأوا بها فاستبقوا إجهاضها، إمّا بالحصار الدّولي كما حدَث لحماس في فلسطين، أو بالانقلاب العسكري كما حدث للإخوان في مصر، أو بالانقلاب الأبيض كما حدث للنّهضة في تونس.

ومن أدوات تجفيف منابع “الإسلام السّياسي” الأداة القانونية والدستورية، بمنع تأسيس الأحزاب على أساسٍ ديني، تحت ذريعة عدم استغلال الدّين لأغراضٍ حزبيةٍ، كما نصّ على ذلك دستور الجزائر سنة 1996م، كمحاولاتٍ يائسةٍ لتفريغ الأحزاب من بُعدها الهويّاتي الجذّاب.

وتؤكّد الحقيقة التاريخية أنّ الشّعوب العربية والإسلامية كانت تحكمُها “الشّريعة” في ظلّ الخلافة الإسلامية، ولم تُطرَح إشكاليةُ علاقةِ “الدّين” بالسياسة والدولة، وقد صنعت حضارةً إسلاميةً وإنسانية امتدت لقرون، كأطوَل حضارةٍ في تاريخ الإنسانية، (وتحديدًا من القرن: 08 إلى القرن: 15 ميلادية)، لا تزال آثارُها ومعالمُها شاهدةٌ عليها إلى الآن، لولا القِطْعة الزّمنية السّوداء للحركة الاستعمارية والاستدمارية المعاصرة، التي استهدفت مسخ عناصر الهويّة وطمس الانتماء الحضاري لتلك الشّعوب.

وبالرّغم من حتمية الاستقلال وميلاد الدولة الوطنية الحديثة، وبالرّغم من خروج “الاستعمار العسكري” إلا أنّه خلّف من ورائِه استعمارًا سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا، فرَض علمانية الدولة وإقصاء الدّين من الحياة العامّة، وهو ما جعل الدولة تفرّط في “الدّين”، بل وتعاديه في بعض الأحيان، للخلط السّاذج بين “الإسلام” و”الإسلاميين”، ممّا فرَض المطالبة بالعودة إلى “الإسلام”: عقيدةً وعبادةً وشريعةً، وهو ما استدعى تأسيس الحركة الإسلامية، وظهور ما سُمّي بالإسلام السّياسي، وبالتالي فإنّ الدّولة هي مَن تتحمّل مسؤولية “تهريب الإسلام” من بُعده الوطني والرّسمي إلى بُعده الحزبي والإيديولوجي.

وكما أُعطِيت الفرصة للتيارات السّياسية والإيديولوجية الأخرى – ومنذ الإستقلال – في الحُكم رغم فشلها، فإنّه من حقّ “الإسلام السّياسي” أن تُعطى له الفرصة كاملةً كذلك، وإلاّ فإنّه ليس من الموضوعيةِ تصديرُ الاتهامات الجاهزة بالتوظيف الحزبي للدّين قبل إخضاعه للتجربة الحقيقية، بل ومن التطرّف الإلغائي والإقصائي للآخر أن يتم الحُكم على الأحزاب على الأساس الإيديولوجي المسبق، دون التوقّف عند صوابية فكرتِها النّظرية، أو الوقوف على تجربتها الواقعية.

فمن حقِّ الأحزاب أنْ تتأسّس على مرجعياتٍ تنسجم مع الخصوصية الدّينية والثقافية لشّعوبها، ومنها المرجعية الإسلامية، إلاّ أنّه لابدّ من التحذير من خطورة الخلط بين “نسبية المعرفة في فهم الإسلام ومحدودية التجربة البشرية في تمثّله” وبين “قَطعية وإطلاقية وكمال المُراد الإلهي من الدّين”، وخاصّة في التجربة السّياسية، التي لا تخضع للنّصوص القطعية والأحكام الثابتة، بل تستند إلى القواعد الكلّية والمبادئ العامة والمقاصد الكبرى، إذ السّياسة اجتهادٌ بشريٌّ في مساحة النّصوص الظنّية، ومندوحة المتغيّرات الطّارئة، وفُسحة المسائل المسكوت عنها، وهو ما يُكسِب المجتهد الأجر على كلِّ حال، كما ورد في الحديث الصحيح عن الاجتهاد السّياسي: “إنّ الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحد.”. 

 ومهما كان الحزبُ على درجةٍ من الهويّة الإسلامية فإنّه يظلُّ جُهدًا بشريًّا ناقصًا، ولا يجوز أن يُضفَى عليه – ولا على أتباعه – قداسة الدّين وكماله، وبالتالي فإنّ الحديث يتّجه إلى ضرورة “فصل الدّين عن الصّراعات الحزبية”، والتحذير من توظيفه فيها، وليس إلى “فصل الدّين عن السّياسة” وإقصائه من الدولة ومن الحياة، مع ضرورة التمييز بين نقد “الممارسات البشرية للإسلاميين” وبين نقد “المرجعية الإسلامية” التي يستندون إليها.

لقد تجاوز التديّنُ الشّعبي القدراتِ التنظيمية للحركة الإسلامية، وانتقلت الصّحوة الإسلامية من “الظاهرة التنظيمية” إلى “الظاهرة المجتمعية”، وهو ما يجعل أطروحة “ما بعد الإسلام السّياسي” تتهاوى أمام امتدادات “الفكرة الإسلامية” شعبيًّا ورسميًّا، عموديًّا وأفقيًّا، وأنّ استحقاقات “المراجعات النّقدية”، وضرورات “التجديد الحرَكي”، وحتمية “التخصّص الوظيفي”، وموضوعية “التمييز بين السّياسي والدعوي”، تفرض الاعتراف بأنّ الإسلام هو حضارة الغد، وأنّ له قوّةً ذاتية، وهو مادّةٌ ثوريةٌ ضدّ الاستبداد والفساد والظّلم، وهو ما يؤهّله للبقاء في مواجهة ذلك، مهما تعثّرت محاولاتُ تمثّلِه البشري سياسيًّا.

تعليق