من المشاريع الفكرية الحسّاسّة في القرآن الكريم: مسألة “التغيير”، وهو من المصطلحات اللاّمعة والمثيرة فيه، إذ يُعتبر من المفاهيم المركزية والمحورية له، كأحدِ أهمّ المصادر المؤسِّسة للمعرفة والسّلوك، من أجل تغيير الواقع الإنساني، والذي يُعتبر حاجةٌ فطرية مرتبطةٌ بطموح الإنسان وأشواقه وأحلامه في الحياة.

وبالرّغم من التداول العُرفي لهذا المصطلح في “الوضع اللّغوي” إلا أنّ السّياق القرآني جعلَ له “وَضْعًا شرعيًّا”، و”واقعًا دلاليًّا” مشحونًا بالإرادة والفعل.

ولم يتوقف على “الحقيقة اللّغوية” عند المتكلّمين، بل تعدّاها إلى “الحقيقة الشرعية” عند المُكلَّفين، والتي ستكون تكليفًا إلهيًّا، وليس مجرد تنظيرٍ فكريٍّ أو استعراضٍ بلاغيٍّ مجرّد، إذ لا معنى للبناء اللغوي في عالَم الأشياء، إنْ لم يتحوّل إلى بناءٍ شرعيٍّ وتغييرٍ واقعيٍّ في عالم الأفكار والقيم والسّلوك، بتغيير ما بالأنفس والآفاق، مصداقًا لقوله تعالى: إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسِهم(الرّعد:11).

وقد ورد مصطلح “التغيير” في الظواهر الحسّية للخلْق، في عالم الأشياء المادية بالمعنى اللغوي الظاهري، في مثل قوله تعالى: ولآمرنّهم فليغيّرنّ خلق الله..(النساء:119)، وهي تتحدّث عن فعل الإنسان في الدّنيا، وفي قوله تعالى: فيها أنهارٌ من ماءٍ غير آسِن، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيّر طعمه(محمد:15) وهي تتحدث عن فعل الله تعالى في عالم الغيب الأخروي في الجنّة.

كما ورد مصطلح “التغيير” في عالم القيم والأفكار، في مثل قوله تعالى: ذلك بأنّ الله لم يكُ مغيّرًا نعمةً أنعهما على قومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم(الأنفال:53)، وهي تتحدّث عن فعل الله تعالى المرتبط بفعل الإنسان في ساحة التكليف والابتلاء في عالم الشهادة.

وهذه الآياتُ القرآنية الناطقة بمسألة “التغيير” ليست للتبرك بها – كفكرةٍ مجرّدة، أو من أجل التفاؤل بها، أو لأنّها تحمل مضمونًا غيبيًّا، بل لأنّ لها مفعولاً اجتماعيًّا يؤسّس لسُّنّةٍ إلهية، ويؤكِّد على حقيقةٍ ثابتة، وهي: أنّ “التغيير” هو فعلُ الإنسان وإرادتُه، وهو سُنّة من السُّنن الإلهية، التي أراد أن يكون “التسليم بها” من الفواعل المؤثّرة في فاعلية الإنسان في الكون والحياة، وأنّ الانتباه والإقرار بهذه السُّنّة وفق هذه الإرادة التراتبية، بارتباطُ إرادةِ الله في التغيير بإرادةِ الإنسان نفسِه هو المنهج القرآني لتحقّقه، وأنّها تجعل من “التغيير”  وظيفة الإنسان، وأنه بإرادة الإنسان، وأنّ محورَه وساحته هو الإنسان، وما إرادة الله تعالى في ذلك إلا سُنّةً متناغمة مع إرادته في ذاته، وأنَّ السُّننَ ناتجةٌ عن الفعل البشري، في ممارسة أقصى طاقته الذّهنية والعملية، وهو من التعبّد لله تعالى بمراعاة قانون السّببية (الأخذ بالأسباب واليقين في ارتباطها بمسبّباتها)، على رأي مَن يقول “بتطويع التاريخ لمبدأ التغيير” و”ارتباط مفهوم التغيير بقيوده السّببية”، إذ أنه لا يكفي “الفعل والعطاء والتضحية” من أجل “التغيير” دون أن تكون هناك جدوى حقيقية، مرتبطةٌ “بالسُّنن” و”بالشروط الفنّية” لنجاحه، لأنّ “اليقين” بارتباط أيّ إشكالية بسُنَنِها وقوانينها هو الذي يساعد على تطويعها وحَلِّها وتسخيرها، وأنّ الجهل بالأسباب والسُّنن لا يلغي وجودها، بل يعطّل فاعلية الإنسان في التعاطي مع الظاهرة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الحضارية..

فسُنّة التغيير ليست مجرد قانونٍ نسلّم به، بل هي تكليفٌ شرعيٌّ لابدّ من القيام به، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف، الذي رواه أبو داود في سُننه، وهو يستنهض هِمَمَ التغيير والقيام بالواجب اتجاهه: “ما مِن قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي، يقْدِرون أن يغيِّروا فلا يغيِّرون، إلاَّ أصابَهم الله بعقاب.”، لأنّ القدرةَ على التغيير تجعله واجبًا، وأنّ التكاسلَ عنه يحوّله إثمًا يستوجب العقوبة.

وعند التأمّل في الآية المقرِّرة لسُنّة “التغيير” في قوله تعالى: ..إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسِهم.(الرّعد:11)، فإننا نغوص في معانٍ جليلةٍ لهذا الفقه الحضاري، ومنها:

1- أنّ هذه الآية المقرّرة لهذا القانون البشري، الذي يحكم سلوك الإنسان ونتائج فعله، هي عامّة لكلِّ البشر، مهما كان جنسُهم أو دينُهم أو عِرقُهم أو ثقافتُهم أو مكانُهم أو زمانُهم، وليست خاصّةً بالمسلمين فقط، وبالتالي فهي تعبّر عن قانونٍ إنسانيٍّ مجرّد، لا يُستثنى منه المؤمن لإيمانه، ولا يعطيه حقّ الحصانة والإعفاء من الخضوع له، ولا يجب أن يسقط في وَهْم الغرور أو السّذاجة، فهو يخضع لنفس المنطق الذي يحكم قوانين الطبيعة والمادّة، والتي هي حاكمةٌ على المؤمن والكافر، وبالتالي فهو ناموسٌ محايد وغيرُ تمييزي.

ولذلك يشير التدقيق القرآني إلى لفظة “القوم” بعمومها وإطلاقها، كما أنّها جاءت نكرةٌ لتستوعب الجميع دون استثناء، وهو ما يعني أنّ “أزمة البشرية” التي تحتاج إلى “تغيير” مرتبطةٌ بالإنسان ككائنٍ مجرّد، وليست بالدّين أو باللغة أو بأيّ مكوّنٍ آخر نعلّق عليه أسباب تخلّفنا.

2- أنّ هذه السُّنّةَ هي سُنّةٌ اجتماعيةٌ وجماعية وليست سُنّةً فرديةً وخاصّة، ولذلك جاء التعبير عنها بلفظة “القوم” ككيانٍ عامٍ وموحّد، وهي تشمل المجتمع أو الشّعب أو الأمّة بكلّ مكوّناتها: ذكورًا وإناثًا، كبارًا وصغارًا، مهتدين وضالّين، علماء وجهّالاً، وهو ما يرتّب المسؤولية التشاركية، وأنّ التغيير عملٌ جماعيٌّ، وأنّ الإصلاح فعلٌ تراكميٌّ، حتى يقع التناسب بين الكمِّ والنّوْع، ويقع التوازن بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية، وهو ما يعني أنّ “التغيير المنشود” لا يقع بمجرد الصلاح الفردي، بل لابدّ من الوصول إلى الأغلبية كحدٍّ أدنى حتى تأخذ استحقاق التغيير، وتستحق حكم الكلّ به.

3- هذه الآية تفجّر الوعي بواجباتنا اتجاه الدّنيا، بعيدًا عن الهروب إلى الآخرة، وبمسؤولياتنا في التعاطي مع الواقع، بعيدًا عن الاختباء وراء الماضي، وبالتفاعل الإيجابي مع منسوب الصلاح أو الفساد في المجتمع، بعيدًا عن الخلاص الفردي، لأنّ المسؤولية في “التغيير” مسؤولية جماعيةٌ في الدّنيا، أمّا الحساب والجزاء عنه فيكون فرديًّا في الآخرة.

4- الواضح من الآية الكريمة أنّ هناك عمليتان تغييريتان، وهناك توزيعٌ في الإرادات في العملية التغييرية، فهناك تغييرٌ إلهي، وهناك تغييرٌ إنساني، وأنّ التغيير الإنساني كواجبٍ فرديٍّ في عالم الأسباب، ومجاله النّفس، وهو سابقٌ عن التغيير الإلهي كمكافأةٍ جماعية في عالم النتائج، ومجاله المجتمع، وأنّ الإرادة الربّانية اقتضت أن تكون إرادةُ الله تابعةً لإرادة الإنسان في هذا التغيير، مع أنّها هِبةٌ إلهية وهي جزءٌ من القدرة العلوية، حتى يتحمّل الإنسان مسؤولية الفعل والترك، وترتبط المسؤولية بالحرّية، وينسجم الحقّ (التغيير الإلهي) مع الواجب (التغيير الإنساني)، وأنّ الواجبَ مقدّمٌ على الحقّ، وأنّ ذلك لا يتعارض مع العلم المسبق والقدرة المطلقة لله تعالى.

5- أنّ مساحة التغيير ومحرابَه الطبيعي هو “النّفس البشرية”، فهناك علاقةٌ تلازمية بين “ما بأنفسنا” وبين انعكاساته على “واقعنا”، وأنّ الانطلاقة الحقيقية لأيِّ إصلاحٍ أو تغييرٍ أو نهضةٍ حضارية هي “الاستثمار في الإنسان”، بالغوص في عمق العلل والمشاكل التي تواجه الطبيعة الإنسانية والفطرة البشرية، وهي لا تُختصر في حاجاته ومتطلباته المادية والدنيوية فقط، بل هي أعمق وأخطر، فهي تمسّ وجدانه وشعوره وعواطفه، وتلامس روحه وعقله وقلبه، وتداعب قابليته للخير، وتتحسّس من قابليته للشرّ، كما قال تعالى: “ونفسٍ وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح مَن زكّاها، وقد خاب مَن دسّاها.”(الشمس:07 – 10)، وهو ما يعني معالجتها بالأفكار والقيم حتى يستقيم في الإنسان فعله وسّلوكه.

تعليق