لا زلنا نعيش مفارقةً مدوّيةً بين المبدأ الدستوري والنّص القانوني لإقامة الدّولة، وبين الواقع المأساوي لبناء السّلطة وأداء نظام الحكم، وهو الواقع المتخلّف عن “النّص”، أو الواقع المقاوم له بشراسة، إذ أنّنا لا نعاني فقرًا أو تصحّرًا في “النّصوص” المعيارية الناظمة للعملية السياسية في “الدستور” أو في غيره من القوانين، بصفة “الإلزامية” فيها، بل نعاني غيابًا للإرادة السياسية في الامتثال لها أو الاحتكام إليها أو التعطيل لها، بما لم يسمح للنّص أن يستعيد مكانته في الواقع، إذ أنّ ضعف تقاليد السياسة والدولة والنظام في ثقافة الدولة الجزائرية المستقلة بعد: 1962م أثّر تأثيرًا سلبيًّا في الطريقة التي تمّ بها تنظيم الحياة السّياسية العامّة للشّعب الجزائري، فاتّسم نظام الحكم بهشاشة المؤسسات الدستورية، نتيجة فقدان الشرعية الشعبية، رغم استناده إلى قدسية “الثورة التحريرية”، ومبرّرات الشرعية التاريخية، وسطوة عظمتها الأخلاقية، والتي تحوّلت مع مرور الزّمن إلى شرعية الأمر الواقع، أفرزت “الذّات الفاقدة للثقة”، بعدما اختُزلت الدولة في الشّخص، وتمكّن من السّلطة المطلقة، والتي هي مفسدةٌ مطلقة.

وهو ما يفرض علينا “نضالاً مريرًا وطويلاً” من أجل “الانتقال الديمقراطي” عبر المقاومة السياسية، والإصرار على المسار الانتخابي، رغم ما يعتريه من شوائب الممارسات المتهافتة على الحكم بكلّ الوسائل غير المشروعة، وعلى رأسها “مصادرة الإرادة الشّعبية” عبر التيئيس والتزوير. فهل لنا من لحظةٍ تاريخيةٍ سانحة، يمكن العبور الآمن من خلالها لتجاوز هذه الأزمة التي تُستنسخ في كلِّ مرّة، دون أن تجد “قوّةً سياسية” في اللحظة المناسبة للتغيير، وعدم الاستسلام للحالة الاستبدادية المفروضة علينا. وإذا كان التكيّف مع هذا الواقع بمسوّغ “فقه الضّرورات” كرخصةٍ سياسية مؤقّتة، فإنّه من غير المسوّغ القبول به مبدئيًّا وأخلاقيًّا وكأنّه حالةٌ اختيارية دائمة. إنّنا نعاني من أزمةٍ معقّدةٍ، نتيجة تصارع الإرادات في واقع الدولة، بين أن يتحكّم الشّعب في حكّامه، وهو حقٌّ لابد من مقاومة حالة النسيان فيه، لأنّ “الشعب” هو صاحب السلطة التأسيسية، وبين تحكّم السّلطة فيه وتغوّلها عليه، والتي تصرّ على تكريس الانقلاب على حركة القيم السياسية منذ الاستقلال وإلى الآن، بالإصرار على تعطيل الوصول إلى أهداف بيان أوّل نوفمبر، بإقامة الدّولة الجزائرية الديمقراطية الإجتماعية ذات السّيادة، في إطار المبادئ الإسلامية.

فلا يزال تسيير الدولة بمنطق الأزمة، والضغط على الرأي العام بالفساد، وتهديد الشّعب بفقدان “الأمن والإستقرار”، واستدعاء الروابط السلبية للفتنة، إذ تلجأ “السلطة التعسّفية” دائما إلى تحريك آلة الإرهاب عند كلّ استحقاق، واستدعاء مشاهد المأساة الوطنية عند كلّ محطةٍ انتخابية، والترويع بنماذج الحروب الأهلية، مثل: سوريا وليبيا واليمن، ومساومة “الأمّة” بين الديمقراطية والاستقرار، فلا يجد الشعب المدجّن إلاّ التضحية “بشرعية الحاكم” مقابل المَنِّ عليه بالأمن، وهي في كلّ الحالات صفقةٌ خاسرة.                                                  إنّ قدرَنا هو التحرّرُ من عقدة الخوف وهواجس الفتنة وضغوط الأزمة لتحرير الإرادة والفعل، وتجاوز الفقه السياسي المرهَق من أجل التغيير والإصلاح، وتغليب قوة الواجب على سطوة الواقع، وكسر المعادلات النّفسية والموروثات التبريرية البالية، بشرف الوقوف في وجه الظلم والفساد والفشل، وخوض الحروب السياسية والديمقراطية الوجودية ضدّه بكلّ سلمية. لابدّ من الإقرار بأنّ المحنة التي نعيشها ترجع بالأساس إلى “أزمة الشّرعية”، وإلى عدم خوف الحاكم من العقاب الشّعبي في المحطّات الانتخابية، وإلى عدم كسْب تلك الشرعية بمشروعية الإنجاز وتحقيق التنمية لضمان نصاب البقاء في الحكم، وأنّ الاستمرار في “التضحية” بتلك الشّرعية أكثر كُلفةً وأشدّ فتنةً وأكبر خطرًا على الشّعب والدولة من المساومة عليها “بالاستقرار الموهوم” أو “بالأمن الموهوب”.

فالقيم السياسية الإسلامية و”القيم الديمقراطية المعاصرة” تنتظر وقتها في شكل الإمْكانِ التاريخيّ الكامن، ولا يمكن الوصول إليه إلاّ عبر “حتمية التدافع”، وواجب “المقاومة السياسية”، و”تراكمية التجربة الحزبية”، ومواصلة الكفاح عبر “المسار الانتخابي”، والاحتكام الدائم إلى “الإرادة الشّعبية”، لأنّ الإدمان على قرع الباب يوشِك صاحبُه أن يُفتح له. فالديمقراطية هي أفضلُ صيغةٍ إجرائيةٍ لتطبيق القيم السياسية الإسلامية ذات الصّلة ببناء الدولة والتداول على السّلطة، لأنّها تطبيقٌ للشقِّ الدستوري من الشريعة الإسلامية في العصر الحديث، وهي معجزةٌ من المعجزات الأخلاقية للإسلام، عندما تتلاقى قيمُه السياسية مع القيم الإنسانية السّامية والمجرّدة. ولطالما بقي سؤال شرعية السّلطة من أصعب وأهمّ الأسئلة السياسية في حياة أيّ اجتماعٍ بشري، ويمكن اختزال أنماط الحكم غالبًا في: 03 أنواعٍ من الأنظمة، وهي: الحُكم القهري العسكري، الذي يَعتبِر القوّة طريقًا للحقّ في الحكم ولو على حساب المبدأ الأخلاقي، والحُكم الوراثي الملكي والاستسلامي للعُرف المسيطر في المجتمع، والحُكم بالتراضي والتعاقد الذي يتأسّس على الاختيار الحرّ والتداول السّلمي على السّلطة.

وهذا النّمط الأخير هو الذي تأسّس عليه الفقه السّياسي الإسلامي ابتداءً، قبل أن تعبث به أهواءُ الحكّام، وتطويعات وتأويلات فقهاء السّلطان، فقد أثبت الله تعالى صفةً سياسيةً لازمةً للمؤمنين، وهي: الشّورى، وذكرها بين ركنيْن تعبّدييْن، وهما “الصلاة والزكاة”، في قوله تعالى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”(الشورى:38)، للعلاقة التكاملية بين أحكام العبادة ومبادئ السّياسة، والتي تعني في ترجمتها السّياسية المعاصرة: اختيار الشّعب، إذ: لا شرعية لأيِّ سلطةٍ دون إرادةٍ حقيقيةٍ للأمّة، عن طريق الرّضا في التعاقد بين السّلطة والشّعب، والحرّية في اختيار الحاكم، والقدرة على محاسبته، والإمْكان على عزله.

فالحاكم المسلم يستمد شرعيته السّياسية من “إرادة الأمّة”، ولو كان “محمّد صلى الله عليه وسلّم” في شخصيته السياسية كحاكم، وليس في شخصيته الدعوية كرسولٍ مبلّغ، وهو ما أكّده الفقه السياسي القرآني بوجوب حرصه على اجتماع القلوب عليه بالرّضا، وفي التأكيد على مشاورتهم – ولو مع أخطائهم – وهو المسدَّد بالوحي، في قوله تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ..”(آل عمران:159)، وهو ما ترجمه في تجربته العملية وتطبيقاته السياسية الواقعية، فترك اختيارَ وبيعةَ “خليفته” من بعده لإرادة الأمة لا إلى تعيينه وتنصيصه.                                       لأنّ الحُكم بالإكراهِ جريمةٌ، وقد جاء في الحديث الشّريف: “ثلاثةٌ لا تُرفع صلاتُهم فوق رؤوسهم شِبرًا..”، وفي رواية: “أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة”، وفي روايةٍ: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة.”، ومنهم: “.. وإمامُ قومٍ وهم له كارهون”، وأخطرها: الإمامة في الحُكم، وليس مجردَ الإمامةِ في الصّلاة.

ولأنّ التزويرَ واقتطاعَ أيِّ حقٍّ في الحُكم كبيرةٌ من الكبائر، وقد جاء في الحديث الشّريف أيضًا: “مَن اقتطع حقّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب اللَّه له النّار، وحرّم عليه الجنّة”، فقال له رجلٌ: وإنْ كان شيئًا يسيرًا يا رَسُول اللَّه، قال: “وإنْ قضيبًا من أرَاك.”.

ولأنّ كِتمان الشّهادة في أمرٍ، وأعظمِه “انتخابُ وليِّ الأمر” إذا دُعِيَ إليه إثمٌ، فقال تعالى: “ولا تكتموا الشّهادة، ومَن يكتمها فإنّه آثِمٌ قلبه..”(البقرة:283)، لأنّ الكتمان قد يجعل الحقَّ باطلاً، وقد يُحِيل الباطلَ حقًّا.

ولأنّ تعمّد الخطأ في الشّهادة لاعتباراتِ الهوى أو المصلحة الذّاتية أو الفئوية أو الجهوية أو العصبية هي خيانةٌ لله ورسوله وللمؤمنين، وقد جاء في الحديث: “من استعمل عاملًا من المسلمين، وهو يعلم أنّ فيهم مَن هو أولى بذلك منه، وأعلمُ بكتاب الله وسُنّة نبيّه، فقد خانَ الله ورسوله وجميع المسلمين.”.

إنّ هذا “الفقه السّياسي الإسلامي” هو ما يجسّد وَحدة الإرادة بين الأمّة والحاكم، ويعطي الشّرعية للسّلطة بالرّضا والحبّ لا بالإكراه والبُغض، وهو المعنى الذي أشار إليه الحديث في إرساء قواعد الشّرعية السّياسية للحاكم: “خيارُ أئمّتِكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم، وتصلُّون عليهم ويصلّون عليكم، وشِرارُ أئمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم.”.

تعليق