سيبقى الإسلام بمعيارية نصوصه من القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة الصحيحة: الإطار المرجعي والمصدر المعرفي الناظم والمساير لمسيرة الإنسانية، بعيدًا عن أيِّ انغلاقٍ في أيِّ بُعدٍ زمانيٍّ أو مكانيٍّ ضيّق، ومهما تطوّر الإنتاج الفكري للعقل البشري فإنّه – كما قال الإمام الشهيد حسن البنّا عليه رحمة الله: “لن تصطدم قاعدةٌ شرعيةٌ صحيحة بحقيقةٍ علميةٍ ثابتة.”، ومنها: المواءمة بين الفقه السياسي الإسلامي وبين الاجتهاد السياسي البشري.

وستبقى “الشورى” و”الديمقراطية” من المفاهيم السياسية الأساسية المثيرة للجدل في الحاجة إليهما، وفي في العلاقة بينهما في الفكر الإسلامي المعاصر.

وبالرغم من تجاوز الحساسية من “الديمقراطية” كمصطلحٍ غربي بأسُسٍ وخلفياتٍ فلسفية، نتيجة الحالة الصّدامية السائدة – سابقًا – بين “الإسلام” و”الغرب”، والمحاولات الفاشلة في نمذجة وعولمة الحياة الغربية ومحاولات فرضها بالقوة، إلا أنّ حالات الخلط بين مفهومي “الشورى” و”الديمقراطية” أو محاولات اصطناع العداوة بينهما، والتركيز على الفروق الجوهرية لكليهما يجعل من “الشورى” مبداً هلاميًّا عامًّا يفتقر إلى الإجراءات العملية المجسّدة له حسب تطوّر المجتمعات والبيئات المختلفة، ويجعل من “الديمقراطية” آليةً جافّةً ومجرّدةً من أبعادها الأخلاقية والقيمية المنسجمة مع خصوصية أيّ اجتماعٍ بشريّ.

وفي اعتقادنا فإنّ الديمقراطية هي أفضلُ صيغةٍ إجرائيةٍ لتطبيق القيم السياسية الإسلامية ذات الصّلة ببناء الدولة والتداول على السّلطة، لأنّها تطبيقٌ للشقِّ الدستوري من الشريعة الإسلامية في العصر الحديث، وهي معجزةٌ من المعجزات الأخلاقية للإسلام، عندما تتلاقى قيمُه السياسية العليا مع القيم الإنسانية السّامية والمجرّدة.

ولطالما بقي سؤال شرعية السّلطة من أصعب وأهمّ الأسئلة السياسية في حياة أيّ اجتماعٍ بشري، ويمكن اختزال أنماط الوصول إلى الحكم غالبًا في: 03 أنواعٍ من الأنظمة، وهي:

– الحُكم القهري العسكري، الذي يَعتبِر القوّة طريقًا للحقّ في الحكم، ولو على حساب المبدأ الأخلاقي.

– والحُكم الوراثي الملكي والاستسلامي للعُرف المسيطر في المجتمع.

– والحُكم بالتراضي والتعاقد، الذي يتأسّس على الاختيار الحرّ والتداول السّلمي على السّلطة.

وهذا النّمط الأخير هو الذي تأسّس عليه الفقه السّياسي الإسلامي ابتداءً، قبل أن تعبث به أهواءُ الملوك والأمراء، وتنحرف به تطويعات وتأويلات فقهاء السّلطان، فقد أثبت الله تعالى صفةً سياسيةً لازمةً للمؤمنين، وهي: الشّورى، وذكرها بين ركنيْن تعبّدييْن، وهما “الصلاة والزكاة”، في قوله تعالى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (الشورى:38)، للعلاقة التكاملية بين أحكام العبادة ومبادئ السّياسة، والتي تعني في ترجمتها السّياسية المعاصرة: اختيار الشّعب، إذ: لا شرعية لأيِّ سلطةٍ دون الإرادة الحقيقيةٍ للأمّة، عن طريق الرّضا في التعاقد بين الحاكم والمحكوم، والحرّية في اختيار وليّ الأمر، والقدرة على محاسبته، والإمْكان على عزله، لأنّ “الشورى” هي مصدر الشّرعية السياسية، أي مصدر شرعية الحاكم في ممارسة السلطة، وقاعدته في مشروعية أدائه في الحكم.

فالحاكم المسلم يستمد شرعيته السّياسية من “إرادة الأمّة”، حتى ولو كان “محمّدًا صلى الله عليه وسلّم” في شخصيته السياسية كحاكم، وليس في شخصيته الدعوية كرسولٍ مبلّغ، وهو ما أكّده الفقه السياسي القرآني بوجوب حرصه على اجتماع القلوب عليه بالرّضا، وفي التأكيد على مشاورتهم – ولو مع أخطائهم – في صناعة واتخاذ القرار، في قوله تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ..”(آل عمران:159)، وأنّ كونه مُسدّدًا بالوحي لا يُعفيه من مسؤولية التدبير السياسي والرّجوع إليهم في كلِّ ما يهمّهم من أمر.

وهو ما ترجمه في تجربته العملية وتطبيقاته السياسية الواقعية، فترك اختيارَ وبيعةَ “خليفتِه” من بعده -مثلاً – لإرادة الأمة لا إلى تعيينه وتنصيصه.

ولقد ذهبت خياراتٌ فقهية بعيدًا في تحديد المعنيين بالشورى، واختزلها البعضُ في الخاصّة (أهل الحلّ والعقد) دون العامّة من النّاس، من غير مسوّغٍ عقليٍّ أو دليلٍ شرعيٍّ، إذ أنّ كلّ مُكلّفٍ بالغٍ عاقلٍ هو أهلٌ للشورى، لأنّ الآية: “وشاورهم في الأمر” عامّةٌ وليست خاصّة، وهي تشمل كلّ مَن يعنيه الأمر في الحُكم وإدارة الشأن العام، وقد كان “صلّى الله عليه وسلّم” يقول: “أشيروا عليَّ أيها النّاس”، كلّ الناس بدون استثناء، ولم يجعل فئةً مخصوصيةً وصيّةً على غيرها في تقرير مصيرها أو اتخاذ القرار في مكانها.

فالحُكم بالإكراهِ جريمةٌ وكبيرة، وقد جاء في الحديث الشّريف: “ثلاثةٌ لا تُرفع صلاتُهم فوق رؤوسهم شِبرًا..”، وفي رواية: “أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة”، وفي روايةٍ: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة.”، ومنهم: “.. وإمامُ قومٍ وهم له كارهون”، وأخطرُها: الإمامة في الحُكم، وليس مجردَ الإمامةِ في الصّلاة، لأنّ “الحكم الجبري” لا يجسّد وحدة الإرادة بين الحاكم والمحكوم، والتي هي أهمّ مصدرٍ من مصادر قوّة الدولة، وخاصةً أمام أيّ تدخلٍ أو ضغطٍ خارجي، أو أمام أيّ توترٍ أو انفلاتٍ داخليمام أيِّ ضغطٍ أو ابتزازٍ خارجي، أو تهديدٍ وتوترٍ داخلي.أا.

فأصبح الاحتكام إلى “الديمقراطية” – كآليةٍ – معاصرةٍ لمعرفة وقياس إرادة الأمّة من المعلوم من الدّنيا بالضّرورة، وأنّ هذه النظرة التوفيقية بين “مبدئية الشورى” و”آلية الديمقراطية” هي من الاجتهاد الفكري والإبداع المعرفي والتجديد السياسي المعاصر الذي يجب أن نستند إليه، وخاصّة بعد هذا الانتقال من منطق “الإطلاقية” اللاغية للآخر إلى منطق “النّسبية” القابلة له، وخاصّة في المجتمع المسلم الواحد، الذي لا يجب أن يدّعي فيه أحدٌ احتكار الحقّ والحقيقة، بل يجب الاحتكام إلى “الأغلبية”، والقبول بنتائج العملية الشّورية (الانتخابية)، إذ لا وصاية على “الشّعب” ولا نيابة عنه.

فلقد اتفق الصّحابة رضوان الله عليهم على “مبدئية الشورى” كصفةٍ أخلاقية متأصّلة، ولكنهم اختلفوا في آلية تجسيدها كسلوكٍ عمليٍّ وإجرائي، وخاصّة في آلية اختيار وليّ الأمر كحاكم، وهو ما جعل آلية اختيار الخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم تختلف من خليفةٍ إلى آخر، لأنها مسألةٌ اجتهدايةٌ تقديرية وليست مسألةً توقيفيةً جادمة.

إنّ الاحتكام إلى رأي الأغلبية هو نوعٌ من الانتقال من “قيادة الفرد” غير المعصوم إلى “قيادة الأمّة” المعصومة، تناسقًا وتساوُقًا مع الحديث النبوي الشّريف الذي رواه الإمام الترمذي في سننه: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ.”.

و”عصمة الأمّة” في الإسلام عند “أهل السُّنّة” أصحّ وأقربُ إلى النّصّ من “عصمة الأئمة” عند الشيعة، وأحقّ وأصدق من “عصمة البابا” في المسيحية.

وهو ما جعل لرأي الأغلبية قدسيةً وحرمة، لا يجوز الخروج عنها ولا يُقبل المساس بها.

وكما لا يجوز الخروج على “الحاكم الشّرعي” بالسّلاح، فإنّه لا يجوز – كذلك – خروج الحاكم عن الأمة بمصادرة إرادتها الشّعبية، وهو ما يستدعي التشديد والوعيد لمن يجرّؤ على ذلك، فجاء في الحديث الشّريف: “مَن أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يريد أن يشقّ عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه.”.

 

تعليق