إنّ العملية الاستقرائية لمسار الدّمقرطة في العالم، ضمن التطوّر الحتمي للتاريخ الإنساني تؤكّد أنّ “عملياتِ الانتقال الديمقراطي” هي عبارةٌ عن مسارٍ تراكمي وليست طفرةً آنيَّةً، وهي نزعةٌ عالميةٌ زاحفة، وليست فعلاً معزولاً في الزّمان أو المكان.

ولقد انتشرت الديمقراطية وغزَت العالم بثوراتٍ ناعمةٍ وأخرى عنيفة على شكل موجاتٍ متعدّية. فبعد الموجة الأولى لها على إثر الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية، واصلت عملية الدّمقرطة موجتها الثانية بعد الحرب العالمية الأخيرة، لتنطلق الموجة الثالثة مع بداية السّبعينات وإلى غاية سقوط المعسكر الاشتراكي سنة: 1989م، لتشمل أوروبا الجنوبية (إسبانيا واليونان، والبرتغال)، وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.

أمّا ما تشهده بعضُ الدّول العربية منذ 2011م، بما سُمّيَ بالرّبيع العربي فيمكن إدراجه ضمن الموجة الرابعة لها، رغم العوائق الحقيقية أمامها، والتي يمكن اعتبارها “ممانعةً عربية للانتقال الديمقراطي” واستثناءً له، ومن تلك العوائق: دور المؤسسة العسكرية والأمنية في الحفاظ على السّلطة وليس على الدولة، والعلاقة الوظيفية لهذه الأنظمة وارتباطها بالخارج وعمالتها له، ومع ذلك فإنّ قطارَ هذا التحوّل لن يتخلّف طويلاً عن النهج الطبيعي في التاريخ المعاصر، وهو حتميةٌ واقعيةٌ يأبى الاستسلام للأنظمة التسلطية، أمام اكتساح هذه الموجات التغييرية، وخاصة في ظلّ العلاقة القويّة بين الإعلام الجديد والسياسة، والتي تجاوزت حدود العلاقة الميكانيكية في التوجيه والاستجابة إلى العلاقة التفاعلية المحكومة بقانون التأثير والتأثّر، وكذا الإمْكان في جَسْر الهوّة بين التنظير السياسي الفوقي وبين ترجمة احتياجات ومطالب الشّعوب، ولو بسقفها المرتفع.

ومع تسليمنا بأنّ سقوط بعض الأنظمة الشّمولية لا يعني بالضرورة الوصول الآني إلى الحلّ السّحري للديمقراطية، في ظلّ غياب إرْث التقاليد الدستورية والقانونية، والتعددية الحقيقية، والمجتمع المدني الفعّال، والإعلام الحر، فإنّ “الانتقال الديمقراطي الآمن” يتطلب “التوافق الوطني”، والإرادة المتبادلة بين أطراف معادلات التحوّل الديمقراطي، برؤيةٍ وطنيةٍ تتجاوز الأنانيات الشّخصية والحلول الحزبية والمصالح الفئوية، وأنّ الانتقال الأسلم هو الذي يصرّ على “السّلمية الموحّدة” وليس على “العنف المتشظّي”، وأنّه لا معنى لأيِّ انتقال لا يعتمد على صوت الاعتدال المرتفع، لأنّ الانجذاب المستعجل نحو “الديمقراطية المثالية” والتغيير الجذري دون مراعاة توازنات الواقع الذي يحكمه قد يجعله مجرد طرحٍ رومانسيّ لها، وقد يهدّد بالرّدة عنها أصلاً.

ومن الضروري البناء على أهمّ إنجازات هذه الثورات الشعبية السّلمية، والاستثمار الجماعي فيها، وهي: الوعي السياسي المتنامي، والثقافة الديمقراطية المتجذّرة، وتماهي الشعوب خلف مطالب موحّدة كالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، والحذر الشديد من الاصطفافات الإيديولوجية، والحساسية المفرطة من أيّ تدخّلٍ أجنبيٍّ مهما كان شكله أو مبرّره.

ومع الاعتراف بأنّ تجذّر الثقافة الديمقراطية – من النّاحية النّظرية – في مضمون الخطاب السياسي قد أصبحت مسَلّمةً، فإنه لا تزال هذه الثقافة تناجي صِدْقيَتها في الممارسة العملية، ليس على مستوى الأنظمة فقط، بل على مستوى النّخب والأحزاب السّياسية أيضًا، فلا يُعقل أن تنادي قياداتٌ سياسية وحزبيةٌ بالتداول السّلمي على السّلطة، وهي لا تزال تحتكر الصفوف القيادية الأولى لعقودٍ من الزّمن، رغم خيباتها المتكرّرة.

ومع اليقين بأنّ “الانتقال الديمقراطي” عبر الانتفاضات الشعبية قد لا تؤدّي بالضرورة إلى “الدّيمقراطية” سريعا، كما حدث في ثورة 25 يناير 2011م في مصر، بعد وصولِ أولِ رئيسٍ مدنيٍّ عبر الانتخابات إلى رئاسة الجمهورية، وحصوله على الأغلبية البرلمانية، إلاّ أنّ عوامل موضوعية وذاتية، داخلية وخارجية أجهضت هذا التحوّل، وأوقعت مصر في حالةٍ مأساوية، هي الأسوأ في تاريخها المعاصر، من حيث منسوب الحريات وحقوق الإنسان، ومن حيث الرّدة على الشّرعية والقيم السّياسية والإنسانية، لتؤكّد بأن “الانتخابات” و”الأغلبية الشعبية” لا تعني بالضّرورة تحقيق أهداف الانتقال الديمقراطي كاملة.

وإذا كان أهمّ مظهرٍ من مظاهر الديمقراطية هو الاحتكام إلى آليتها القانونية وهي الانتخابات، وأنّ الوضع الطبيعي للمسار الديمقراطي هو احترام الآجال الدستورية لها، إلاّ أنها ليست مقصودةً لذاتها ما لم تترجم الإرادة الشعبية بصدق، بعيدًا عن “الديمقراطية الشّكلية”، والتي لا تمنح الشرعية السياسية لممارسة السلطة من أجل تحقيق التنمية، إذ أنّ المشاركة السياسية والمنافسة النزيهة والشرعية الحقيقية وتحقيق التنمية هي العناصر المحورية لتعزيز الانتقال وتعميق الديمقراطية، والنجاح المطّرد للدّمقرطة عبر الانتخابات.

وإذا كان البعضُ يستندُ إلى الترجمة الحرفية لكلمة الديمقراطية كمصطلح يوناني مركّب، والتي تعني: حكم الشّعب، أي حكم الأغلبية، ومع أنّ رأي الأغلبية معتبرٌ شرعًا، كقوله صلى الله عليه وسلّم: “الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد”، وقوله لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: “لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما”، واعتماد الفقهاء في تأصيل وترجيح المسائل الفقهية على “العُرْف” (أي ما تعارف عليه أغلب النّاس) وعلى الإجماع ورأي الجمهور.. وغيرها، إلاّ أنّ الديمقراطية الفعلية هي التي تجسّد: سيادة المؤسّسات المنتخبة على غيرها من المؤسسات المعيّنة، بما فيها “الجيش” وليس العكس، على اعتبار أنّها تمثّل سيادة الشعب مصدر كلّ السلطات وصاحب السلطة التأسيسية لها، وأنّ هذه السّيادة ليست مطلقة، بل تخضع هي كذلك إلى “مبدأ سيادة القانون” على الجميع، والذي يضمنه “القضاء المستقل”، الذي يستند إلى المرجعية العليا لأي دولة، وفق خصوصيتها الدّينية والثقافية والتاريخية، وأنّ الجميع يتمتّع بالمواطنة الكاملة في الحقوق والواجبات والحرّيات، دون تمييزٍ على أساسٍ عرقي أو ديني أو لغوي أو جهوي. ويبقى أكبر خطرٍ يهدّد “الانتقال الديمقراطي” في الدول العربية – تحديدًا – هو التدخّل الأجنبي، عبر تدفّق المال السّياسي الفاسد من الخارج لشراء الذّمم، وعبر توظيف المؤسسات العسكرية والأمنية للانقلاب على المسار السّياسي والديمقراطي، وفرض الحلول الأمنية بالقوّة وبمباركةٍ خارجية، وخاصّةً عندما يتورّط الجميع بتسليم المرحلة الانتقالية للجيش، وهي النتيجة الحتمية لاختلال التوازن بين المدني والعسكري، وخضوع الداخل للخارج، لفقدان مناعة الجبهة الداخلية.

ولعلّ من الأهمية القصوى في تناول “إشكاليات الانتقال الديمقراطي” هي معالجة العلاقات المدنية والعسكرية، وخاصّة في ظلّ ضعف النّخب السّياسية، وتسييس المؤسسات العسكرية منذ الاستقلال، وعلاقات هذه المؤسسات بالخارج من حيث التمويل أو التسليح أو التدريب، لأنّ الطبقة السياسية قد تعجز عن الوصول إلى الإجراءات العملية في إخراج هذه الجيوش من العملية السياسية بطرقٍ سلسة وآمنة، وخاصةً عندما تكون متورّطةً في قضايا فساد، أو مرتبطةً وظيفيًّا بقوى أجنبية، أو مرتكبةً لجرائم حرب، أو متلبّسةً بانتهاكاتِ حقوق الإنسان.

إنّ من ضمانات نجاح الانتقال الديمقراطي: ظهورُ تحالفاتٍ لقوى سياسية ومدنية، تتوافق على رؤيةٍ جماعيةٍ للانتقال الديمقراطي، وتتفاوض بإجماعٍ على الانتقال السّلس للسّلطة، ولها القدرة على تولّي الحكم دون الصّدام مع الجيش أو الخارج، وتتجنّب حالات الانقسام والاستقطاب والاصطفاف.

تعليق