من أعقد الإشكاليات في تجارب الانتقال الديمقراطي هي حدود العلاقات بين السياسي والعسكري، وشكل حالة التوازن بينهما، وطبيعة دور المؤسسة العسكرية في التحوّلات السياسية والمنعطفات التاريخية للدول، وكذا نمط التغيير في النظام السياسي لها، ومدى تحقيق الأهداف الكاملة لأيِّ انتقالٍ ديمقراطي، على اعتبار أنّ أغلب مَن تقلّد المناصب السياسية العليا في الدولة هم العسكريون: الذين حرّروا البلاد أو الذين ورثوا الحكم بعد الاستقلال، وأنّه ليس من السّهل تحقيق هذا الإنجاز الذي تتطلع إليه الشعوب بقوّة، وهو: الانتقال من وضعٍ غير ديمقراطي إلى وضع ديمقراطي، يجسّد الإرادة الشعبية الحقيقية، بعيدًا عن أوهام الديمقراطية الشّكلية.
ومن المفارقات العجيبة أنْ يتم الإدّعاء بأنّ الجيش بعيدٌ عن التدخل في الشؤون السياسية والمناكفات الحزبية وهو في عمق العملية السياسية، وفي صلب الدور الوظيفي لترجيح كفّة العملية الانتخابية في المحطات التنافسية بين الأحزاب، وتورّطه في إدارة دفّة الحكم بشكلٍ مباشر أو بشكلٍ غير مباشر. ولا يختلف الجميع حول الدور الدفاعي للمؤسسة العسكرية أمام المخاطر الخارجية، ولكنّ النظرة العاطفية اتجاه الجيش تدفع دائمًا بالتسليم بأنّه العمود الفقري للدولة والمؤسِّس لها، وصلت إلى العقيدة الصامتة بأنّه المصدر الأساسي في منح الشرعية السياسية، وبالتالي طغيان حضوره في الشأن السياسي الداخلي، أمام المخاوف من أيِّ تحوّلاتٍ تهدّد البناء المؤسساتي والطابع الجمهوري والمرجعية الدستورية للدولة، وخاصة عندما تتم صناعة الرّعب بفزاعة الإسلاميين، والدّفْع باتجاه العنف والإرهاب مع أيِّ فرصةٍ للتحوّل الديمقراطي ليكون مبرّرًا مقنعًا للتدخّل في الحياة السياسية، وهو ما أعطاه زمام المبادرة في إرساء قواعد العلاقة بين السياسي والعسكري، وفرض منطق استبدال الشرعية الشعبية بالشرعية التاريخية ثم بشرعية مكافحة الإرهاب ثم بشرعية الأمر الواقع، والاحتكام إلى منطق القوّة لا إلى منطق الحقّ، وهو ما جعل التطوّر التاريخي لدور”الجيش” يكرّس واقعه في ممارسة السّلطة، وتنصيب نفسه وصيًّا على القيادات المدنية، وحَكَمًا على الحياة السياسية، ومرجعًا في الانتقال الديمقراطي. ومن الأسئلة الجوهرية في الانتقال الديمقراطي ضمن هذه الإشكاليات في حدود العلاقة بين السياسي والعسكري هي: كيف يمكن تحقيق الانتقال الديمقراطي السّلس بمرافقة الجيش، ولكن دون تدخّله المباشر في العملية السياسية؟ وهل يمكن تحقيق ذلك دون المساس بموقعه، وما يهدّد الاستقرار الداخلي، ويفتح الباب أمام المخاطر الخارجية؟
هناك يقينٌ بأنه لن يتمّ التخلّص من رواسب النظام غير الديمقراطي السّابق بسهولة، وهو ما يبقي المخاطر على الديمقراطية قائمة، والحاجة إلى ضمانات الانتقال الديمقراطي ضرورية.
وأمام ضعف النّخب السياسية، وتزايد إمكانية التدخل الأجنبي، ومخاطر الانزلاق إلى العنف فإنّ معالجة العلاقة بين السياسي والعسكري في تحقيق الانتقال الديمقراطي الآمن من أعظم واجبات الوقت. وأمام الحاجة الملحّة إلى مرافقة الجيش لهذا الانتقال، وحتمية إخراجه من العملية السياسية من أجل احترافيته وتمدين النظام السياسي تكمن الإشكاليات المعقّدة في ذلك، وخاصة عندما يقع الاستقطاب السياسي، وتُغلق أبواب الحوار والتفاوض بين المدني والعسكري، وتضيع فرص التوافق الوطني، وتتعقّد إمكانية البديل المقنع للحراك الشعبي.
ومن أخطر ما يهدّد الانتقال الديمقراطي هو تسليم المرحلة الانتقالية للإشراف المباشر للجيش، ليحسم مصير السّلطة في البلاد، وتتنازل الطبقة السياسية عن دورها المحوري والقوي لصالح نفوذه وتأثيره في مسارات الدّمقرطة وأحلام التمدين، ليستيقظ الجميع بعدها على الفجر الكاذب للثورة الشعبية السّلمية، لصعوبة تعايش الجيش مع الديمقراطية في العالم العربي، وحالة الغرور العسكري المفضي إلى الفساد المتخفّي تحت عباءة شرف العسكرية، وهو ما يعني أنّ طريق الديمقراطية يعبُر بالضرورة على سكّة ترميم صورة الجيش بمعايير الحكم الرّاشد، لأنّه هناك مسافةٌ عقلانيةٌ معتبرة بين النظرة المقدّسة إلى الجيش وبين النظرة المريبة إلى دوره السياسي.
وصحيحٌ أنّ الحالات الثورية تتميّز بمنسوبٍ عالٍ من العاطفية والاندفاع، ولكنّها بحاجةٍ إلى جرعاتٍ كبيرةٍ من العقلانية، وهو ما يعني “الحسم الثوري” بقوّة، بالحلول السياسية المدعومة بالإرادة الشعبية، حتى لا تضطرّ المؤسسة العسكرية – وهي المؤسسة الأقوى تنظيمًا والأكثر انضباطًا – إلى السيطرة على القرار السياسي، بحجّة عدم الاطمئنان على مستقبل البلاد بسبب فشل السياسيين، لأنّه هناك اندفاعٌ ثوريٌّ ولكنه هناك اختلافٌ سياسيٌّ وتعثُّرٌ ديمقراطيٌّ.
لقد تكرّست صورةٌ نمطية سلبية في حدود العلاقة بين السياسي والعسكري، أدّت إلى تعثّر هذه العلاقة نتيجة اهتزاز الثقة، وخاصة في المحطات الحرجة، مثل: مراحل الانتقال الديمقراطي.
إذ يرى السياسي في العسكري ذلك الطرف الذي يريد السيطرة على الحكم بسلطة الأمر الواقع عن طريق القوّة، مستغلاًّ تلك الحالة العاطفية والإجماع الشعبي على المؤسسة العسكرية، دون التفريق بين الإجماع عليها في وظيفتها الدستورية، وبين الاختلاف عليها في تدخّلها في الشؤون السياسية. ويرى العسكري في السياسي ضعف الكفاءة في إدارة الشؤون السياسية والإدارية والتنموية للبلاد.
وهو ما يوسّع فجوة الثقة، ويستثير حالة الاستفزاز، ويضيّع فرص الانتقال الديمقراطي الهادئ، عن طريق الحوار الجادّ والتفاوض الشّفاف بينهما، تحت مظلّة الرّقابة الشعبية.
إننا لا نريد أن يكون الجيشُ عبئًا سياسيًّا ثقيلاً على أيّ انتقالٍ ديمقراطي، ولابد من المصالحة التاريخية مع الشعب بالخروج النهائي له من حالة الحكم العسكري، المختبئ – زورًا – وراء العباءة المدنية والواجهة السياسية، إلى فتح المجال لحكمٍ مدنيًّ خالص، تكون فيه الإرادة والسيادة الكاملة للشّعب. لقد اختلفت صور العلاقة بين السياسي والعسكري في تجارب الربيع العربي من دولةٍ إلى أخرى، وهي ليست كلّها دراماتيكية سوداوية، فبينما تتمّ عسكرة الثورات الشّعبية السّلمية في كلٍّ من مصر وليبيا وسوريا واليمن، لتغرق في حمّامات من الدّم، فإنّ المؤسسة العسكرية تعاملت بإيجابية في الانتقال الديمقراطي في كلٍّ من: تركيا وتونس والمغرب، لتنعم بأجواءٍ من الحرية والديمقراطية ولو نسبيًّا. ويرجع هذا التباين إلى: الثقافة والعقيدة التاريخية التي يتمتّع بها الجيش، وإلى طبيعة النشأة والتكوين والتدريب الذي يتشكّل عليه، وإلى حدود العلاقة والولاء بينه وبين القيادة السياسية للدولة، وإلى نوعية القيادة العسكرية وحساباتها السياسية وطموحاتها المستقبلية، وإلى مدى سيادتها وعدم ارتهانها للأجندات الخارجية، وإلى مدى تورّطها في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وخوفها من العدالة الانتقالية.

تعليق