ينصّ الدستور الجزائري في المادة: 28 على ما يلي: “تنتظِم الطّاقة الدفاعية للأمة ودعمها وتطويرها حول الجيش الوطني الشعبي.
تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي في المحافظة على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السّيادة الوطنية، كما يضطلع بالدفاع عن وحدة البلاد، وسلامتها الترابية، وحماية مجالها البرّي والجوّي، ومختلف مناطق أملاكها البحرية.”.

وبالرّغم من هذه المهام الدستورية الحصرية المحدّدة والواضحة، إلاّ أنّ أغلب المراقبين يتفقون على السلوك التقليدي التاريخي للجيش، بأنّ له دورًا محوريًّا في صناعة القرار السياسي، إضافة للقرار العسكري والأمني، باعتباره مؤسّسةً سياديةً قويّة، تلعب دائمًا دورًا مركزيًّا في صناعة المشهد السياسي منذ الاستقلال، وهو ما يصادم طبيعة الدولة الجزائرية التي ينصّ عليها بيان أوّل نوفمبر، ويخلّ بالمبدأ الدستوري في الفصل بين السّلطات، وأنّ الجزائر دولة جمهورية شعبية، وليست دولةً عسكرية.
فجيش الحدود بقيادة العقيد “هواري بومدين” هو الذي انقلب على الحكومة الجزائرية المؤقتة، وحسم الصّراع على السّلطة في صائفة 1962م، وهو الذي قام بالانقلاب العسكري على الرئيس “أحمد بن بلة” سنة 1965م، وهو الذي حسَم خلافة الرئيس بومدين سنة 1979م من طرف قائد المخابرات العسكرية “قاصدي مرباح” لصالح العقيد “الشاذلي بن جديد”، وأنّ الجيش هو مَن أوقف المسار الانتخابي وأجبر الرئيس “الشاذلي” على الاستقالة سنة: 1992م، وهو مَن جاء بالرئيس “محمد بوضياف” ثم “علي كافي” كرئيسٍ للمجلس الأعلى للدولة، وهو الذي جاء بالجنرال اليمين زروال، وأوصله إلى منصب رئيس الجمهورية بالتزوير عن طريق “الكلاش” سنة: 1995م، وهو الذي جاء بالرئيس “عبد العزيز بوتفليقة” سنة: 1999م، ولا يزال يدعّمه ويحافظ على عهداته الرئاسية إلى غاية التدخّل باقتراح تفعيل المادة: 102 من الدستور، بتاريخ: 26 مارس 2019م، على خلفية المسيرات المليونية المطالبة برحيل النظام، والتي انطلقت – وطنيًّا يوم: 22 فيفري 2019م، وهو ما يعني إسقاط العهدة الخامسة، وإنهاء الجدل حول تمديد العهدة الرّابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

وبالرّغم من تفهّم هذا الاقتراح الذي عرضه قائد الأركان، الفريق: أحمد قايد صالح كحلٍّ دستوريٍّ للخروج من الأزمة، إلاّ أنه أثار جدلاً واسعًا حول الصّفة القانونية والصلاحية الدستورية للتدخّل في هذا الشّأن السّياسي المدني، وبهذا الشّكل.
وبالرّغم من حجم التهديدات الأمنية الخطيرة: الإقليمية والدولية، سواءٌ على خلفية الأزمة الليبية، أو المخاوف الأمنية على الحدود التونسية أو المغربية، أو المخاطر المتنامية في منطقة السّاحل، والذي يجعل الجيش ينشغل بالقضايا الدفاعية الخارجية أكثر منها بالقضايا السّياسية الداخلية، إلا أنّ مرض الرئيس بوتفليقة منذ أفريل 2013م، كوزيرٍ للدفاع وكقائدٍ أعلى للقوات المسلّحة أعطى الفرصة أكثر للجيش (بقيادة نائب وزير الدّفاع وقائد الأركان) ليتحمّل مسؤولياتٍ متداخلة، تتشابك مع الشأن السّياسي الداخلي، للشعور بالمسؤولية الزائدة اتجاه الدولة ومؤسساتها، واستباقًا لأيّ أزمةٍ مستقبليةٍ خطيرة، يعتقد بأنّه سيتحمّل مسؤولياتها وتبعاتها وَحده.

 ولا يُطلق على أيِّ مؤسّسةٍ من مؤسّسات الدولة صفة المؤسّسية والدستورية، إلاّ إذا انضبطت بمبادئ الشفافية والرّقابة والمساءلة والعدالة ودولة القانون، والخضوع إلى السّلطة الشّرعية، المستمدة شرعيتها من الإرادة الحقيقية للشعب عبر الانتخابات الحرّة والنزيهة، وفق المادة: 07 من الدستور، والتي تنصّ: “الشّعب مصدر كلِّ سلطة. السّيادة الوطنية مِلْكٌ للشعب وحده.”، وفي المادة: 08 : “السّلطة التأسيسية مِلْكٌ للشّعب. يمارس الشّعب سيادته بواسطة المؤسّسات التي يختارها..”.

 وأنّ أيَّ مؤسّسةٍ لا تستمدّ شرعيتها الحقيقية من الشّعب، ولا تخضع إلى الرّقابة والمحاسبة، ولا إلى سيادة القانون، ولا تنضبط في ميزانيتها بالشفافية ومعايير الحكم الراشد، فإنّها مؤسّسةٌ فوق القانون وفوق الدستور، وهو ما يزيد من فرص تكريس التوجّه العسكري للدولة، لضعف هذه المؤسسات المدنية أمام الجيش، وانفراده كمؤسّسةٍ هي الأكبر تنظيمًا والأكثر انضباطًا.

ولا نريد أنْ تصدُق مقولة البعض بأنّ سلوك الجيش قد فرَض قاعدةً تاريخيةً غير صحيحة، وهي أنّه صاحب الشّرعية السّياسية في صناعة الرّؤساء والحسم في المراحل الحسّاسة للبلاد، وهو ما يؤكّد عندهم نوعًا من الوصاية الأبوية للمؤسّسة العسكرية على أيّ سلطةٍ مدنية (معيّنة أو منتخبة)، وهو ما يجعلها تتجاوز مهامها الدستورية إلى التدخّل في الشؤون السّياسية، وخاصّة في المراحل الانتقالية والأزمات العاصفة، وهو ما يعطّل – استرتيجيًّا – الإصلاح السّياسي والبناء المؤسساتي والطابع المدني للدولة.

  إنّ ضعف المنظومة السياسية المدنية (إدارةً وأحزابًا)، واهتزاز شرعيتها ومشروعيتها، وتواضع فاعليتها، هو الذي يفسح المجال أكثر إلى هذا الجدل في الدّور السّياسي للجيش، ويضع المؤسّسة في موضع التّهمة بالتدخل خارج الصّلاحيات الدستورية.

كما أنّ الإدمان على خطاب “الأمْنَنة” (الأمن والاستقرار)، والاضطرار إلى التأكيد على واجب الدفاع عن السّيادة الوطنية للشّعب، ومكسب الوَحدة الترابية للبلاد يعزّز من الثقة والعلاقة العاطفية بين الشّعب والجيش، وهو ما جسّدته شعارات “الحراك الشّعبي”: (الجيش.. الشّعب.. خاوة، خاوة)، أمام ضعف وتأخّر استجابة المؤسّسة السياسية الحاكمة للمطالب الشّعبية المشروعة، وهذا ما يزيد من الأعباء السياسية للجيش، ويضعه في موضع الحرج أمام الشّعب وأمام الخارج، وهو الذي لا يملك الأدوات والآليات الدستورية في تجسيد مسؤولية المرحلة، ويبعث بعض المخاوف من عسكرة الدولة خارج الصلاحيات الممنوحة له.

  فالذي يتطلّع إليه الشّعب في ثورته السّلمية، والتي هي طفرةٌ تاريخية، وإجماعٌ شعبي واسع، لم يحصل في تاريخ الجزائر بعد الاستقلال، بكلّ هذا الزّخم والسّلمية والحضارية والوضوح هو ألاّ تتورّط المؤسسة العسكرية في تحمّل أعباء المسؤولية السياسية المباشِرة لهذه المرحلة الانتقالية، وأن تكتفي بمجرد مرافقة وضمان هذا الانتقال الديمقراطي، والمساهمة في تكريس الديمقراطية الحقيقية، وإعادة السّلطة التأسيسية والسّيادة الكاملة للشّعب عبر الانتخابات النزيهة، وأنْ يتمّ تعزيز المفهوم القانوني في الالتزام بالمهام الدستورية لكلّ مؤسّسة من مؤسسات الدولة، وأن تكون هذه المؤسساتُ خادمةً للشعب لا مستغلّةً له أو متحكّمةً فيه، وأن يتمّ الفصل بين السّياسي والعسكري لتحقيق المؤسّسية والاحترافية للجيش، بالتزامه الحصْري بالمهام الدفاعية، واقتصار الإنجازات التنموية على السّلطة السياسية المدنية، لأنّ الاحترافية تقتضي – بالضرورة – تقليص النفوذ السّياسي للجيش، واستقلاليته عن النظام السياسي المدني، وأن يكون ولاؤُه الحقيقي للدولة وليس إلى النّخبة الحاكمة.

تعليق