لا يزال الجدل قائمًا حول انبعاث الصّحوة الإسلامية المعاصرة، وخاصة بعد تحدّي الانقلاب على هوية الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال، وبعد انخراط الحركة الإسلامية في مسار التغيير السّياسي السّلمي عبر المشاركة السياسية العامّة والاحتكام إلى الآلية الديمقراطية، وهي: الانتخابات، وقد اصطدمت بالمفارقة المدوّية بين التديّن المجتمعي العام وبين العلمانية السياسية للنّخب الحاكمة، إذ أنّ أغلب الأنظمة الاستبدادية التي جثمت على صدور الشعوب منذ الاستقلال كانت علمانيةً معاديةً للدّين، ولم تكن ديمقراطيةً متسامحةً مع الآخر.
وقد أثبتت محاولات الانتقال الديمقراطي أنّه ما مِن احتكامٍ إلى الصندوق – بعد الثورات الشعبية – إلاّ وأكّد الصّعود الديمقراطي للإسلاميين، وهو ما يعيد العديد من النقاشات والأطروحات والأسطوانات المشروخة للظهور من جديد، ومنها: العلاقة بين الإسلام والدّيمقراطية، ومعاداة الإسلاميين لها، وأنّهم يشكّلون تهديدًا وخطرًا عليها، وأنّ المرجعية الإسلامية لا تصلح لبناء الدولة المدنية الحديثة، وهو ما يغري بتحرّك الثورات المضادّة، التي يتحالف فيها التيار العلماني مع المؤسّسات العسكرية – وبالتواطؤ مع دولٍ أجنبية – على إجهاض إيِّ تجربةٍ ديمقراطية حقيقيةٍ، وعدم السّماح بصناعة أيّةِ قصّةِ نجاح، تنتقل عدواها لتحرّك الشّعوب الأخرى، وتهزّ العروش والأنظمة العميلة لها.
لقد أدمن التيار العلماني المتطرّف على “أدلجة النظام الديمقراطي” وربطه به واحتكاره له، مع أنّ التطبيقات المختلفة للديمقراطية عبر الأنظمة السياسية المتنوّعة، ذات الخلفيات الدّينية المتباينة أثبتت حيادية آلياتها، وعدم ارتباطها بأيّةِ خلفيةٍ إيديولوجية: دينية أو علمانية. وبالرّغم من النظرة العقلانية والحداثية التي يدّعيها هؤلاء العلمانيون إلا أنّهم يفتقدون للمنهجية العلمية وللنظرة الموضوعية في نظرتهم إلى الإسلام، إذ لا يميّزون بينه وبين فهْم الإسلاميين له، ولا يفرّقون بين الدّين الإلهي المطلق، وبين التديّن البشري النّسبي.
وبالرّغم من جهلهم بأبجديات هذا الدّين إلاّ أنّهم ينصّبون أنفسهم أوصياء في الحكم على قواعده ومقاصده وتشريعاته، فهم لا يقرؤونه بل يقرؤون عنه، ولو تعمّقوا في الدراسة المجرّدة له لمَا تجرّؤا على معاداته. وإذا تأمّلنا في مصادر القلق المزعوم على الديمقراطية، والتحذير من ثمارها لصالح الإسلاميين فإنّ المنظّرين الغربيين يؤكّدون على ذلك التلازم بين توسّع مساحة الحريات السياسية وبين هيمنة الإسلام على الشّأن العام وانجذاب الشّعوب له، ولذلك فهم يرفعون أصواتهم عاليةً بأنّ: المزيد من الديمقراطية معناه المزيد من الإسلام، وهذا ما يرعبهم ويقضّ مضاجعهم، لأنّ جشع مصالحُهم لا مكان له مع الإسلام والدّيمقراطية والحرّية، وأنّ هناك حتمية تاريخية، وهي مركزية الإسلام في الخروج من المأزق الذي تعانيه الشعوب، بعد أن أفلست كلّ الإيديولوجيات المستوردة وغير المنسجمة مع “الاستقلال الثقافي لها”، مع مستوى الوعي في التمييز الدّقيق بين “الآليات الديمقراطية” ولو كانت غربية، وبين أيِّ مضمونٍ قيميٍّ لها يصطدم مع ثوابتها وهويتها.
إنّ الفقه الدّقيق بالقيم السياسية الإسلامية المستمدّة من نصوصها الشرعية، وإنّ الإدراك الواعي بحقيقة الديمقراطية يجعلنا لا نتردّد في الإقرار بأنّ: “الديمقراطية هي أفضل صيغةٍ إجرائيةٍ لتطبيق القيم السياسية للإسلام، ذات الصّلة ببناء الدّولة والتداول على السّلطة، وأنّها التطبيق الواقعي للشقّ الدستوري من الشريعة الإسلامية في العصر الحديث.”. لقد امتدت رحلة البحث في التوفيق بين الإسلام والديمقراطية، وانطلقت جدلياتها من السّقوط الرسمي للإطار السياسي للحياة الإسلامية، بعد سقوط الخلافة – رسميًّا سنة 1924م.
إلاّ أنّ المتأمّل في طبيعة الدولة التي نشأت في المدينة المنوّرة بعد الهجرة، يجدها تتمتّع بأسمى معاني القيم الديمقراطية، التي لم تصل إليها الدول الغربية في أزهى مباهاتها بالديمقراطية الحديثة، ويكفي أن تطّلع على وثيقة المدينة (دستور المدينة المنوّرة) لتكتشف النموذج السياسي للدولة، وأنّه لا مستقبل للدّين بدون دولة، وألاّ عداوة بينهما، وأنّ أركان الدّولة بحاجةٍ إلى: إقليمٍ جغرافي موحّد وهو الوطن (المدينة المنوّرة)، وبحاجةٍ إلى مؤسساتٍ للدولة (بناء المسجد بوظيفته الرسالية المتعدّدة)، وبحاجةٍ إلى مرجعيةٍ دستورية (وثيقة المدينة)، وبحاجةٍ إلى وحدةٍ وطنية (المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وضبط حدود العلاقات مع اليهود كأقلياتٍ دينية، وضمان تمتّعهم بالمواطنة الكاملة). وعند التأمّل في القيم السياسية الإسلامية الصافية، مثل: الشورى والبيعة تجدها تؤسّس للشرعية السياسية المستمدّة من الإرادة الشعبية، بربطها بحرية الاختيار وبالأغلبية أو بإجماع الأمّة، مع التأكيد على واجبات ولي الأمر قبل التقديس لحقوقه، كما قال أبو بكر الصّديق رضي الله عنه: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم.”، وهي القيم التأسيسية والأصيلة قبل أن تنحرف في المنعطف التاريخي للحضارة الإسلامية بالانقلاب عليها، والانتقال من “الحكم الشّوري” إلى “المُلك العضوض”، وفق الحقيقة النّصّية، في الحديث الشّريف: “الْخِلاَفَةُ فِي أُمّتِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ.”.
إنّ التطبيقات العملية لمبدأ الشورى وآلية اختيار وليِّ الأمر بالبيعة، وتباينها بين الخلفاء الراشدين تدلّ أنّ طبيعة النظام السياسي في الإسلام، وآليات ممارسة الحكم فيه ليست توقيفية جامدة، بل هي آليات اجتهادية وتقديرية، وهو ما يجعل الفقه السياسي الإسلامي يتميز بالمرونة، ويتكيّف مع ما يصل إليه العقل البشري من الآليات التي تجسّد تلك المبادئ والقيم.
فعندما نتحدّث عن الإسلام والتعدّدية، فقد قامت أوّلُ دولةٍ إسلاميةٍ مدنيّةٍ في المدينة المنوّرة في واقعٍ يطبعه التعدّد القبلي (المهاجرين والأنصار، الأوس والخزرج)، والتعدّد الدّيني (المسلمين واليهود)، ولم تشهد حضارةٌ في تاريخ البشرية مثلما شهدته الحضارة الإسلامية من استيعاب كلِّ أشكال التعدّدية: العرقية والدينية واللغوية والثقافية، وما ضمنته من حقوق المواطنة الكاملة داخلها.
وعندما نتحدّث عن الإسلام والشرعية السياسية، فلقد حرص الإسلام على تنظيم الحياة العامّة للنّاس، فقال صلى الله عليه وسلّم: “إذا كنتم ثلاثةٌ فأمّروا عليكم أحدَكم.”، وحذّر من خطورة غياب واجب الولاء والانتماء والبيعة، فقال: “مَن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتةً جاهلية.”، وأنّ شرعية القيادة لا تقوم إلاّ على الحرية والاختيار والرّضا، فقال: “ثلاثة لا ترتفع صلاتُهم فوق رؤوسهم شبرًا، ومنهم: رجلٌ أمَّ قومًا وهم له كارهون.”، وهي الإمامة الصغرى في الصلاة فكيف بالإمامة الكبرى في الدولة، وأنّ الشرعية السياسية لا تكون إلا عبر إرادة الأمة بالشورى والبيعة، فقال تعالى: “لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة..”(الفتح:18)، وقال:” وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكّل على الله..”(آل عمران:159). وعندما نتحدّث عن الإسلام والحرّية، فلقد تضمنت القيم السياسية الإسلامية – كذلك حرية الفكر، بجعل الإرادة والعقل مناط التكليف، وارتقت بذلك إلى عبادة التفكير، مثل قوله تعالى: “الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جُنُوبهم، ويتفكّرون في خلق السّماوات والأرض..” (آل عمران: 191). وتضمّنت حرية الرّأي، فأعطت حقوقًا فردية وجماعية، بل وألزمت بها كواجباتٍ تعبّدية وسياسية، مثل: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والنّصح لكلّ مسلم، كما أكّدت على “الشّورى” كقيمةٍ سياسيةٍ تعدّدية في معارضة الموقف ومقابلة الرّأي.
وتضمّنت حرية المعتقد، وقد ظلّلتها بالنّصوص الثابتة، مثل قوله تعالى: “لا إكراه في الدّين.” (البقرة:256)، وقوله لنبيّه صلى الله عليه وسلّم: “أفأنت تُكرِه النّاس حتى يكونوا مؤمنين..”(يونس:69).

تعليق