عادةً ما تقف الثورات الشّعبية على حجم ملفات الفساد التي كانت تنام عليها الشّعوب، وهي من أخطر ألغام الماضي، التي فجّرت اللّحظة التاريخية الثورية الرّاهنة، فيضغط الزّمن على أطراف الصّراع كلّها، بالتعجيل بتحريك “سيف العدالة”، على اعتبار أنّها قيمةٌ مطلقةٌ لا تقبل التأجيل، وهي من المداخل الجماعية الآمنة للمستقبل.

إلاّ أنّ تعقيدات “الزّخم الثوري” ينقل الجميع من “العدالة التقليدية” إلى “العدالة الانتقالية” بمقارباتٍ سياسية في مرحلة ما بعد التغيير، للقطيعة مع قاعدة الإفلات من العقاب، وطي مرحلة الماضي بكلّ انتهاكاتها المكتظّة لترسيخ ثقافة المسؤولية الجنائية، بربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة، فيتوزّع الخوفُ على الجميع: على طرفٍ جديدٍ يستعجل “العدالة الانتقالية” ويخشى ضياع الفرصة، وعلى طرفٍ قديمٍ متورّطٍ يخشى من “العدالة الانتقامية”، وعلى طرفٍ وسطٍ يتوجّس من “العدالة الانتقائية”، وعلى طرفٍ يحمل مضمون المحتوى الأخلاقي للثورة الشّعبية، وعينُه على أولويات المرحلة، لأنّ الرّهان على الشّرعية الشعبية وتحرير القضاء وتحقيق العدالة هي أعظمُ إنجازٍ يفتخر به صنّاع التغيير، لأنّ إقامة العدل أصعب من هدم الظّلم.

ولا يلبث الضجيج حول ملفات الفساد أن ينطق بهذا المصطلح الجديد، وهو: “العدالة الانتقالية”، عندما يتحرّك القضاء تحت ضغط “الحراك الشّعبي” وفي ظلّ المرحلة الانتقالية، والتي تخضع إلى ميزان القوّة الجديد، بين قوّة صاعدةٍ ولكنها غير متمكّنة، وبين قوّة راحلةٍ ولكنّها غير مستسلمة.

لقد دخلت فكرة “العدالة الانتقالية” في سياق “الأدب السياسي والحقوقي”، وهي مرتبطة بانتشار الثقافة الديمقراطية والوعي الحقوقي، وهي العدالة التي تحاول الموازنة بين درجةٍ دون “الإنصاف” وبين منزلةٍ فوق “الصّمت”، مع مراعاة حساسية المرحلة، بين حقائق الماضي بآلامه واستحقاقات المستقبل بآماله، فتنعقد – بالضرورة “صفقةٌ” بين العدالة والسياسة، وهو ما يتطلب التوافق والحكمة في معالجة ملفات الفساد، بما لا تضيع معه الحقيقة والحقوق، وبما لا يهدّد مستقبل الانتقال الديمقراطي بالصّراعات العدمية والمعارك الوجودية بين الثورة والثورة المضادّة، في إطار عقلنة خيار التوجّه البراغماتي في معالجة التركة المسمومة، ضمن ملفات التغيير السّلمي والانتقال الديمقراطي السّلس والاستقرار السياسي والمؤسساتي المنشود.

وهي المعادلة الصّعبة بين متناقضتي الفرح الجليل والحزن العميق، بين عرس اللحظة التاريخية بالانتصار على “العصابة”، وبين مأتم الفساد وفضاعة المظالم الموزّعة على الشّعب والوطن بأكمله.

إلاّ أنّ المصيبة أعظم من مجرد ذلك الاختزال والتسطيح، باكتشاف الجميع بأنّ أعطاب الفساد وتمظهرات الظلم لم تستأثر بها منظومة الحكم البائسة فقط، بل تشترك معها شبكةٌ من الانتهازيين والشّياتين من الإداريين والسياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال، بل ومن القضاة والمحامين أيضا، وهو ما يعقّد مهمة “العدالة الانتقالية”، وقد يورّطها في “الانتقائية” أو “الانتقامية”، فيعرقل الهدف الأسمى من “الثورة الشعبية” وهو تحقيق الانتقال الديمقراطي، بالاحتكام الفعلي إلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات النزيهة.

وقد شهد العالم – ومنذ سبعينيات القرن الماضي – حوالي: 40 تجربةً من تجارب الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية، وعلى الرّغم من القواعد العامّة ذات الطابع القيمي، التي تمثّل المشترك الإنساني في هذه التجارب، إلاّ أنه لكلّ بلدٍ خصوصياته، وفق التراكم السياسي والاجتماعي والثقافي والتاريخي لكلّ تجربة، وعدم الإمكان بالاستنساخ الحرفي لها، بما يشوّه النموذج الأوّل ويقيّد النموذج الثاني، ومع ذلك فإنّ الاطلاع عليها ودراستها من زاويةٍ انتقاديةٍ موضوعيةٍ لا يُعدم فائدة “الفقه المقارن” بين هذه التجارب، بما لا يسمح بتكرار نفس الأخطاء، والوقوع في نفس الاختلالات، واستدعاء نفس أسباب الفشل، وخاصة بين التجارب المتماثلة والمتقاربة.

وإذا كانت تجارب “العدالة الانتقالية” في العديد من الدول أكثر تعقيدًا وخطورة، لارتباطها بالدّماء والنزاعات العرقية والمواجهات المسلّحة والانتهاكات الفضيعة لحقوق الإنسان، فإنّ المجاز بالحديث عنها في الجزائر بعد “الحراك الشعبي”، الذي انطلقت شرارته يوم: 22 فيفري 2019م يعتبر أقلّ خطورة، لارتباطها بملفات الفساد المالي والسياسي فقط، وهو ما يجعل إمكانية الذهاب إلى “العدالة التصالحية” باسترداد أموال الدولة وثرواتها، مع التحفّظ على أصحابها، أولى من التشويش على “الانتقال الديمقراطي” عبر “العدالة العقابية”، فلابدّ من احترام السُّلّم التراتبيّ للأولويات، بالتعجيل بالحلّ السياسي والذهاب إلى الشرعية الشعبية أوّلاً، وأنّ المؤسسات الشرعية المنتخبة والاستقلالية الحقيقية للقضاء هي مَن تكون لها السّيادة الكاملة في المكافحة الشاملة والعادلة لملفات الفساد الكبيرة، بعيدًا عن جدلية “العدالة الانتقامية” أو “العدالة الانتقائية”، على حساب المطالب الحقيقية والمشروعة للشعب الجزائري، عبر بياناته الدورية واستفتاءاته الشعبية ومحاكماته التاريخية الأسبوعية لرموز النظام السّياسي.

فمن المخاوف المشروعة والجدّية في الالتفاف على الحراك الشعبي هي عدم الثقة في إشراف نفسِ المنظومة السّابقة: من الرّموز السّياسية والعسكرية والقضائية على الانتقال الديمقراطي وعلى محاربة الفساد، وهي التي كانت شريكةً أو متواطئةً أو ساكتةً عليه في السّابق، وهو ما يفرض علينا – جميعًا وضع استراتيجيةٍ توافقيةٍ وطنية للانتقال الديمقراطي وللعدالة الانتقالية، بعيدًا عن الإجراءات الظرفية أو القرارات الفوقية أو النَّزَعات الآحادية، وبعيدًا عن الرّوح الانتقامية أو الانتقائية، ومحاولة استخدام “الحراك الشّعبي” كوقودٍ أو أداةٍ لتصفية الحسابات بين الأجنحة المتصارعة للنّظام السّابق.

إنّ أهمّ هدفٍ حقيقيٍّ للعدالة الانتقالية هو: “القيام بإصلاحاتٍ سياسيةٍ ومؤسّساتية، لضمان عدم تكرار أشكال الفساد والفشل، وتأسيس الديمقراطية عبر إرادةٍ سياسيةٍ عليا للسّلطة الفعلية، وإرادةٍ شعبيةٍ سيّدة، ومن خلال تحسين الحكامة الأمنية والقضائية والإعلامية في الدولة.”.

لقد أثبتت بعضُ تجارب الرّبيع العربي كيف تحوّلت “المؤسسة العسكرية” و”المؤسسة القضائية” من داعمٍ للثورات الشّعبية في البداية إلى أدواتٍ انقلابيةٍ لإعدامها في النهاية، وهو ما يُعدّ خنجرًا مسمومًا يطعنها في الظهر، ذلك أنّ “الجيش” و”القضاء” هما مَن يأخذان زمام المبادرة في المراحل الانتقالية، وبدلاً من تفكيك النظام السّابق والاستجابة للمطالب الشعبية فإنهما يحافظان على حَرْفية أشكاله الدستورية والمؤسّسية في الحلّ، لأنهما في النّهاية جزءٌ منه، وهو ما يؤكّد أنّ الإصرار على الحلول الدستورية والمؤسساتية لوحدها هو في الحقيقة فخٌّ للحراك الشعبي من أجل الالتفاف عليه والانقلاب على إرادته.

ذلك أنّ مطلب: “تغيير النظام” بكلّ مكوّناته، و “يتنحاو قاع” بكلّ رموزه، هو بطاقةٌ حمراءٌ في وجه هؤلاء جميعًا، الذين كانوا شركاء في المسؤولية التي أوصلت البلاد إلى الحالة التي انتفض عليها الشّعب بهذا الزّخم الثوري الهادر.

لا يُعقل أنّ ثورةً قامت ضدّ نظامٍ تسلطيّ فاسدٍ وفاشلٍ تقبل أن يكون دستورَ ذلك النظام هو أداة الحلّ، وأنّ رموزه هي المشرفة على مسار الانتقال الديمقراطي؟

وفي التجربة الجزائرية الحالية فإنّ التركيز على المسار القضائي في مكافحة الفساد، وإنْ كان جزءً من مطالب الشّعب، وعرقلة المسار السّياسي بالحلّ الدستوري فقط، هو انحرافٌ بالعدالة الانتقالية، وجوهرها: الإصلاح السياسي والمؤسساتي، وتوريطها في العدالة الانتقائية أو الانتقامية، وما يترتّب عنها من ضياع فرصة الديمقراطية والتنمية والرّفاهية والاستقرار، وتلك قنبلةٌ شعبيةٌ موقوتة، لا تلبث أن تنفجر عاجلاً أم آجلاً في موجةٍ ثوريةٍ أخرى، هي الأعنف والأخطر..

 

تعليق