تعتبر الثورات المضادّة من الظواهر السّياسية المثيرة والمرعبة، والتي تحتاج إلى الرّصد والمتابعة والدراسة، لفهمها والتواضع في كيفية التعامل معها، واستخلاص العِبر التاريخية منها، ولعدم السّماح بامتدادها وتأثيرها، باعتبارها رهانًا خاسرًا وخيارًا كارثيًّا على الدول والأنظمة والشّعوب بثمراتها المريرة، وعلى رأسها الفشل المخزي لها، وعرقلة عجلة التاريخ في تحقيق أشواق الشعوب في الإصلاح السياسي والبناء المؤسساتي الديمقراطي، والتورّط في “استيراد الإرهاب” و”اغتيال الاعتدال”.

وتتميز الثورات المضادّة – في الغالب – بالقدرة على خلْق عدوٍّ داخليٍّ مصطنع، وهم: “الاسلاميين”، و”تدعيش الرّبيع العربي”، بصناعة الإرهاب وتمويل الجماعات المسلّحة العابرة للحدود، واللّعب على وَتَر الأمن والاستقرار، وهو ما يسهّل بيع وَهْمها للخارج، وتبرير انقلاباتها على الديمقراطية، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وتصفية المعارضين، واستبدال الشرعية الشعبية بشرعية مكافحة العنف والإرهاب، والإدمان على التلاعب بالإصلاحات السياسية، والاستهانة بأنْ يكتب الدّم فصولاً تاريخيةً مأساوية، ولو على حساب القيم السياسية والقيم الإنسانية، وهو ما سيغذّي الثورات الشّعبية في حدّ ذاتها، ويعطي نفَسًا جديدًا لها، لأنّها حتميةٌ وخيارٌ لا يمكنه تعطيل عجلة السنن الاجتماعية وتطوّر التاريخ، والسير به نحو الأمام، ذلك أنّ هذه الثورات المباركة ليست فوْرةً عابرة، بل هي تحوّلٌ عميقٌ ومنعطفٌ جذري في الوعي الشّعبي، يصرُّ على الحرّية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، مهما ارتفع ثمن الحرّية وتأجّل النّصر، لأنّها ثورة أمّة، وليست مجرد ثورة دولةٍ أو شعب.

ولقد مثّل الانقلاب العسكري الدّموي في مصر، يوم: 03 جويلية 2013م ذروة نجاح الثورات المضادّة في أبشع صورها، حيث لملمت أوراقها واستعادة جرأتها وكشّرت عن أنيابها وعبّرت عن هيلمانها وارتفع ضجيجُها، بحيث انطلقت ضِباعها من الظهير الإقليمي والدولي، وواجهته المتبرّجة: سعودية “بن سلمان” وإمارات “بن زايد”، ومن خلفهما حمّالة الحطب: الصهيونية العالمية، كأسوأ منصّات العداء للديمقراطية والحرّية والكرامة الإنسانية، وهو ما يؤكّد أنّ “العامل الخارجي” – كغرفةِ عملياتٍ دوليةٍ مشتركةٍ – هو من أخطر ما يهدّد الثورات الشّعبية، إلاّ أنه لا معنى لوجوده إنّ لم يجد مَن يسلّم رقبته له من العملاء على الأرض، الذين يطعنون الشّعوب في الظّهر كأدواتٍ خبيثة للتدخّل الأجنبي، ويبيعون ضمائرهم للشيطان في الدّاخل والخارج، وتكون مهمّة الثورة المضادّة أسهل عندما تجد تربةً خصبةً لها، بالتواطؤ مع المحيط الإقليمي المعادي للديمقراطية، وبانقسام الثورات الشّعبية، وغياب القيادة الموحّدة لها، وعدم امتلاكها لرؤيةٍ سياسيةٍ ومشروعٍ وطنيٍّ توافقيٍّ واضح، لأنّ أيّ ثورةٍ لابدّ لها من شرارةٍ فكريةٍ جاذبة، تغري الجماهير بعمقها الأخلاقي، وتسدّد مسارها الثوري إلى غاية مصيره المحتوم، رغم مسالكه المتشابكة مع العوائق والمزالق.

إلاّ أنّ  الثورة المضادّة ليست قدرًا محتومًا على الثورات الشّعبية والسّلمية، فهي – كذلك – يصيبها ما يصيب أيَّ ثورةٍ، بحيث تأكل أبناءها، وتصطدم بحجم الرّدة عليها، لأنها تحمل بذور فشلها في ذاتها.

وقد كان من أسوأ أقدارها – عالميًّا: لعنةُ اغتيال الصّحفي السّعودي “جمال خاشقجي” في قنصلية بلاده في اسطنبول يوم: 02 أكتوبر 2018م، ممّا أدّى إلى صحوةِ ضميرٍ عالمي ضدّ رموز الثورة المضادّة، وانهيار المراهنة عليها، وكذا خسارة الصورة السياسية لدولها، والتي ارتبطت أسماؤها بالتدخّل الدّموي في اليمن وليبيا وسوريا، وارتباطاتها المفضوحة بالصهاينة، وبصفقة القرن، وبانكشاف مخططاتها الخبيثة، والتي لا تستهدف “الإسلاميين” فقط، بل تستهدف الديمقراطية والإسلام في حدّ ذاته.

وقد وصل صلفُها إلى التدخّل في الانتخابات الأمريكية وفوز “ترامب”، وكذا النّزيف المالي والاقتصادي لها بعد حصار قطر، وتورّطها في تمويل النّزاعات الإقليمية والدولية، وما ينتظرها من سجلّات المحاكمات الدولية، لتورطّها في انتهاكات حقوق الإنسان، وجرائم الحرب ضدّ المدنيين.

والفكرة المكثفة للثورة المضادّة هي التضليل السّاذج بركوب الخطاب الشعبوي، والذي يستند عادةً إلى:

*) التسرّع في اتهام الثورات الشعبية السّلمية بأنها أجنداتٌ أجنبية، تحرّكها أيادٍ خارجية، وتحمل أهدافًا مشبوهة، وهو الوَتر الحسّاس الذي تلعب عليه، بتكثيف الخوف من الخطر الخارجي، ورفع منسوب الوطنية الزّائفة، مع أنّ هذه الأنظمة المتهالكة – والثورة المضادّة جزءٌ منها – لا تلبث أن تنكشف حقيقتها بأنّها الأكثر تورّطًا – وإلى النّخاع – في العمالة للخارج، وفي الارتباط العضوي والوظيفي به.

*) المحاولات المستميتة في المساومة بين “الأمن والاستقرار” وبين “الديمقراطية”، حتى يقع بعضُ السّذّج في القبول بهذه الصفقة الخاسرة، وهي التنازلُ عن أشواق الحرّية لصالح القبول بنوعٍ جديدٍ من العبودية، وخاصّة عندما يتمّ تمرير معانيها الرّقيقة عبر “الجيش”، وما تحمله المؤسسة العسكرية من عاطفيةٍ جياشةٍ بينها وبين الشّعب المخدوع، والوصول إلى الحتمية الثنائية، إمّا بقاء الاستبداد – ولو بوجوهٍ جديدة، أو الذّهاب رأسًا إلى الفوضى وشلّالات الدّم.

إنّ هذه الحركية القويّة للثورة المضادّة تضاعِف من ثمن التغيير ومن كُلفته الزّمنية، وتفرض واقعًا لابدّ من الانتباه إليه والتعاطي معه، فهي تزرع إشكالياتٍ حقيقية، هي بحاجةٍ إلى إبداعاتٍ سياسيةٍ وثوريةٍ لابدّ منها، ومن هذه الإشكالات:

1- إشكالية تمكين الشّعوب وثباتها على المشاركة السّياسية الفعلية: وتحقيق الإصلاحات الدستورية والقانونية الحقيقية، من أجل البناء المؤسّساتي الديمقراطي لمرحلة ما بعد سقوط الأنظمة المتهالكة، وخطورة إصابتها بخيبات أملٍ أخرى في التغيير السّياسي السّلمي عبر الصندوق، وهو ما يتطلب إصرار هذه الشّعوب على كلّ الآليات التي تضمن الاحتكام إلى إرادتها، وعدم الالتفاف عليها والخديعة بغيرها.                                                                                                                                                                                                                                                       2- إشكالية الموازنة بين “الأمن” و”الحرّية”، وبين “السّياسي” و”العسكري”: وهو ما يتطلب الحوار والتوافق الوطني في أيّ انتقالٍ ديمقراطي، من أجل الوصول الى تمدين النظام السياسي واحترافية الجيش، وبناء المؤسّسات السّياسية المدنية، وضمان استقلالية القضاء، والوصول إلى الرّقابة الشّعبية والمحاسبة المؤسّساتية.

3-  إشكالية الانقسام الحزبي والاصطفاف الإيديولوجي والاستقطاب المجتمعي والنّزعة العِرقية: وهي من الأوتار التي تعزف عليها قوى الثورة المضادّة لتفجير الحَراك الشعبي، وهو ما يتطلب الارتقاء إلى البُعد الوطني، والاصطباغ بالمشترك من القيم السّياسية والإنسانية، والجُنوح إلى “التوافق الوطني”، وليس إلى المزايدات الشّعبوية أو التنافس السّياسي قبل أوانه.

4- إشكالية التعاطي مع الجيش: والذي استُعمِل في بعض دول الرّبيع العربي كإحدى أدوات الثورة المضادة، عبر الضّغط الأجنبي والتوظيف الخارجي، وعدم السّماح بصناعة قصةِ نجاحٍ ديمقراطيّ في المنطقة العربية وتصديرها، وعادة ما تقع بعض قوى الثورة السّلمية في التطرّف معه، بين مصادمة المؤسسة العسكرية أو الانبطاح الكلّي لها، وكلاهما لا يحقّق الاستقرار ولا يخدم الديمقراطية.

5- إشكالية الثنائية المرعبة لأيّ ثورةٍ شعبية سلمية، وهي عودة الدولة البوليسية واستدعاء التدخّل الأجنبي: وهي الثنائية التي تستند إليها الدول الغربية ذات النفوذ والمصالح المتجذّرة، للتضحية بالديمقراطية والقيم الإنسانية مقابل الحفاظ على هذه الأنظمة الشّمولية العميلة – ولو بوجوهٍ جديدة، وهو ما يتطلّب المراعاة الواقعية للعامل الخارجي في أيّ مشروعٍ تغييري أو إصلاحيّ جديد.

تعليق