ليس غريبًا أن تتميّز الحركة الإسلامية المغاربية عن نظيراتها المشرقية بتبنّي نظرية المقاصد، والغوص في الإسهامات الأصولية لفقهاء السّياسة الشرعية في حقل الاستدلالات التأصيلية، لبلورة المفاهيم والرؤى التفصيلية في الإصلاح والتغيير، ومنها: في مجال العمل السياسي، وذلك في إطار المواءمة بين التجديد في النّص واستيعاب فقه الواقع.

ومن أدقّ المسائل في ذلك: زاوية النظر إلى الآخر، وتحديدًا إلى الدولة والسّلطة والتعددية والتيارات السياسية والفكرية والإيديولوجية المنافِسة، إذ أنّها تندرج ضمن “السّياسة الشرعية”، والتي تقوم على القاعدة الأصولية العامّة: “جلبُ المصالح وتكثيرها، ودرءُ المفاسد وتقليلها”، وهي مسألةٌ اجتهاديةٌ بشرية تقديرية، تخضع إلى فقه الموازنات وفقه الأولويات وفقه المآلات، والذي يترتّب عنها أنّ الاختلاف في المواقف وفي الاجتهاد السّياسي يدخل ضمن دائرة الخطأ والصّواب، فيتمّ إعمال قاعدة: “نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذُر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”، ولا يندرج ضمن دائرة الحقّ والباطل، والتي تجعل سقف الاختلاف يُؤطَّر بالمفاهيم ذات الحُمُولات العقَدَية، ممّا يؤدّي إلى الحالات الصّراعية والانقسامية والإلغائية، وتصل إلى درجة التخوين والتضليل والتكفير.

وقد كان للتدقيق العلمي في تحديد منطقة التفكير السّياسي الإسلامي، بالتمييز بين أنواع الاستدلال النّصي بين الدوائر الثلاثة، وهي: القطعيات والظّنيات ومنطقة العفو المسكوت عنها دورٌ في حلّ إشكالاتٍ خطيرةٍ كانت تعاني منها الحركة الإسلامية، أخرجتها من المنهج التغييري الصدامي العدمي إلى المنهج التغييري السّلمي التشاركي.

وقد تمّ حصر العمل السياسي في منطقة الظنيات والمسكوت عنه، وهو ما يُنهِي الإطلاقية والمثالية في الفقه السّياسي الإسلامي، ويُخضِعه إلى منطق النّسبية والواقعية، فلا يجب – بالضّرورةِ – تحقيقَ كلّ المصالح بكمالها، ولا يجب – بالضرورة – إلغاءَ كلِّ المفاسد بتمامها، فنلجأ إلى التوجيه النبوي في التسديد والتقريب، في قوله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الدّين يُسر، ولن يُشادّ الدّين أحدٌ إلاّ غلَبَه، فسدّدوا وقارِبوا وأبشِروا..”.

فقد تتعارض المصالح فيما بينهما، وقد تتعارض المفاسد فيما بينها، وهو ما يدفعنا إلى استدعاء بعض القواعد الأصولية إلى ساحة العمل السياسي، مثل: “درءُ المفاسد مقدّمٌ على جلب المصالح”، و”الضّرورات تبيح المحظورات”، و”الضّرورة تُقدّر بقدَرها”، ودفع المفسدة الكبرى بتحمّل المفسدة الصّغرى في قاعدة: “ارتكابُ أخفّ الضّرريْن وأهوَن الشّرّيْن.” .. وغيرها.

وهي من الاجتهادات النّوعية في الفقه السّياسي المعاصر، ضمن التأصيل الفقهي والتأطير المنهجي في عملية التجديد الوظيفي والعمل التخصّصي للحركة الإسلامية، ومنها: في مجال العمل السياسي.

 الفقه المقاصدي وتأصيل الثقافة الدّيمقراطية: فقد تميّز الفقه الإسلامي بقواعد التقريب والتغليب والترجيح في المسائل المنصوص عنها، بما فيها بعضُ مسائل العقيدة، مثل قضية رؤية النبي “صلى الله عليه وسلم” لله تعالى في الدنيا ليلة الإسراء والمعراج، للتعارض الظّاهري بين الأدلة الواردة فيها، مثل قوله تعالى: “ما كذَب الفؤاد ما رأى”، وقوله: “لا تدركه الأبصار..”، والحديث: “.. نورٌ أنّا أراه.”، فما بالُنا في الاجتهاد السياسي، الذي يخضع إلى القواعد العامة والمقاصد الكلية، وليس إلى النصوص التفصيلية، وهو ما يجعل قاعدة الموازنة والترجيح هي قاعدة الحسم في مسألة الخيارات واتخاذ القرارات، فهي لا تتركّز في دائرة الحقّ والباطل، والتي يمكن أن يُحسَم فيها بالرّأي الواحِد الملزِم للزّعيم، بقدر ما تكون ضمن دائرة الاجتهاد، فيُلجأ فيها إلى رأي الأغلبية في المؤسّسات التداولية الشورية، بالاحتكام إلى المنطق العددي، لانعدام الدليل القطعي أو للتعادل في الأدلة أو لغياب المرجِّح.

والعمل برأي الأغلبية أمرٌ معتبرٌ شرعًا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد.”، أي: كلما كان العدد أكثر كلما كان الرأي إلى الصواب أقرب، وقوله لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: “لو اجتمعتما على رأيٍّ ما خالفتكما.”، وهو ما استند إليه العلماء في ترجيح المسائل الفقهية بالعُرف أو رأي الجمهور أو الإجماع .. وغيرها من الأدلة الشرعية المعتبرة، التي يُؤخذ فيها بمنطق الأغلبية العددية.

والتسليم بالاحتكام إلى رأي الأغلبية هو التأصيل الفعلي للاحتكام إلى الديمقراطية (حكم الأغلبية)، كآليةٍ للحكم في الاختيارات والسياسات والقيادات، وهو ما جعل “حركة مجتمع السّلم” – مثلاً – تتميّز بهذه الثورة المفاهيمية في تجذير الثقافة الديمقراطية تنظيميًّا وسياسيًّا منذ عقود، وتتبنّى – بصدقٍ – الاحتكام إلى الإرادة الشعبية والخضوع إلى رأي الأغلبية عبر الآلية الانتخابية، كوسيلةٍ قانونيةٍ سلميةٍ وحضارية في تولّي القيادة التنظيمية أو المسؤولية الانتخابية والسّياسية في مؤسّسات الدولة.

كما أنّ فلسفة التغيير والإصلاح تقوم على تحقيق مقاصد الشريعة بمراعاة مصالح الإنسان: الفردية والجماعية، الخاصّة والعامّة، بدون تمييزٍ أو استثناء، ضمن “نظرية المقاصد”، وهو ما يحتاج إلى التدقيق المقاصديّ في المفاضلة بين المصالح الشرعية المعتبرة، والتفصيل في تقسيمها إلى: ضروريات (وهي التي لا تقوم حياة الناس الدنيوية والأخروية إلا بها أو عليها، مثل: حفظ الدّين والنّفس والعقل والنّسل والمال)، وحاجيات (وهي التي تكون مكمّلة للمصالح الضّرورية، بحيث تيسّر الحياة على الإنسان، وترفع الحرج عنه)، وتحسينيات (وهي التي تؤمِّن الرّفاهية، وتحقّق الكماليات له)، وهو ما يستدعي الفقه السّياسي الدقيق في التعاطي مع الشأن العام، واتخاذ المواقف من الأشخاص والهيئات والمؤسّسات والسّياسات وفق تلك الأولويات.

بل إنّه يجب التدقيق في فقه الأولويات داخل الضّروريات نفسِها، بحيث تكون هناك مفاضلةٌ بين الكلّيات الخمس التي جاءت الشّريعة للحفاظ عليها، فحفظ الدّين مقدّمٌ على حفظ النّفس، وحفظ النّفس مقدّمٌ على حفظ العقل .. وهكذا، وهو ما يعني في الإسقاطات الواقعية للعمل السّياسي والدّعوي: التوازن والتكامل بين الخط السّياسي على مستوى خطّ السّلطة عن طريق الحزب السّياسي وبين الخطّ الاستراتيجي على مستوى خطّ المجتمع عن طريق المؤسّسات المتخصّصة للمجتمع المدني، وأنّ حفظ الدّين والثوابت والهوية والقيم، والدّفاع عنها والتمكين لها في المجتمع والدولة مقدّمٌ على ما سواه من المقاصد والغايات. وقد تبيّن للحركة الإسلامية المعاصرة أنّ حفظ الدّين لا يكون عن طريق التنظيم الشّمولي المتلبّس بالغطاء الحزبي، لأنّه يقحِم الإسلام في الصّراعات الحزبية والاصطفافات الإيديولوجية والمنافسات الانتخابية ويحمّله أخطاء مُدَّعيه، وهو الذي يُفترض أنْ يكون إرثًا مشتركًا ومِلْكًا عامًّا للشّعب المسلم الواحد، بعيدًا عن التقسيمات الخاطئة للعائلات السياسية، بعنوان: الوطنيين والإسلاميين والديمقراطيين.

وهو ما دفع منظّري الحركة الإسلامية ومجدّديها إلى المراجعات النقدية العميقة والجريئة، عن طريق التجديد الإرادي عبر التخصص الوظيفي، وضرورات إعادة التشكّل للحركة الإسلامية، بتجاوز شكل “الأحزاب الإسلامية” الشّمولية التقليدية، والذهاب إلى الأحزاب المدنية البرامجية المعاصرة، وترحيل الوظائف الأساسية الأخرى، مثل: العمل الدعوي والتربوي، والعمل الخيري والاجتماعي والمجتمعي إلى جمعيات المجتمع المدني، بحيث يتفرّغ الحزب السّياسي إلى معركة الحرّيات والديمقراطية والتنمية والنّهضة، وتتفرّغ مؤسّسات المجتمع المدني إلى غرس القيم، والحفاظ على الهوية، والدّفاع عن الثوابت، وصناعة الرّأي العام، وتهيئة الحاضِنة الشّعبية.

تعليق