مرّت علينا الذكرى 16 لوفاة الشيخ الرئيس محفوظ نحناح – عليه رحمة الله، الشخصية المتفرّدة، ذات الأبعاد الإسلامية والوطنية والعالمية، والتي أصبحت مدرسة تجديدية في التجربة السياسية والدعوية المعاصرة، حتى لُقّب بحكيم الإسلاميين، والرقم الصعب في المعادلة السياسية، والظاهرة الجزائرية التي افتقدتها الأمّة.

وقد أصبح تاريخ 19 جوان من كلِّ سنة محطّةً للتساوق مع المنهج القرآني في التذكير بالصالحين والمصلحين والمجدّدين، لا للوقوف على أطلال الأشخاص والأحداث وعالم الأشياء، ولكنْ للارتقاء إلى عالم الأفكار والقيم، إذ لا معنى للعودة إلى الماضي إلا بمقدار ما ننتفع به في الحاضر ونستشرف به المستقبل، لأنّ السُّنن الإلهية في الاجتماع البشري ثابتةٌ ومطّردة، كما قال تعالى: ).. فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(، إذ أنّ القصص والتاريخ هو منجم التجربة الإنسانية، ومدرسة الأيام والليالي، وهو المختبر الحقيقي لمعرفة الرجال بالحقّ، وليس لمعرفة الحقّ بالرجال.

والتاريخ هو الناطق بالعبرة لأصحاب العقول الكبيرة، عندما يتجرّدون من كلّ الخلفيات والأحكام المسبقة على الأشخاص والأحداث والأفكار، فقال تعالى: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ” (يوسف:111).

ولعلّ هذه الوقفات في محطات تاريخية من سيرة ومسيرة الشيخ الراحل محفوظ نحناح – عليه رحمة الله -، تندرج ضمن هذه التراتبية في القيم الإنسانية في الاحتفاء والاحتفال بهذه الشخصية الوطنية والإنسانية، والتي هي ليست مِلكًا لعائلته أو لحركته أو لوطنه، بل هو وَقفٌ للأمة والإنسانية جمعاء، وهو الذي وُلد فردًا في أمّة، ومات أمّةً في فرد.

دسترة ولادته: وُلد الشيخ يوم: 27 جانفي 1942م، بمدينة الورود “البليدة” (50 كلم غرب العاصمة الجزائرية)، والتي هي قلعة من قلاع الوطنية والإسلام، وقد امتزجت فيها حيوية الحركة الوطنية ونشاطات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فتكوّنت شخصية الشيخ على اللّسان العربي الفصيح، والثقافة الإسلامية السّمحة، وقيم الوطنية الصادقة، فتمدّدت شخصيته اتساعًا لتتجاوز حدود الزمان والمكان.

إلا أن تاريخ ميلاده أصبح شاهدًا على حجم الظلم الذي تعرّض له في مسيرة حياته، إذ وبعد فوزه في الانتخابات الرئاسية 1995م وتزويرها عليه، والتي لم يكن النظام السياسي يتوقّع فوزه بها، وهو الذي ينتمي إلى التيار الإسلامي الذي أُريدَ توريطه في الإرهاب واستئصاله من الوجود، دون التفريق بين المعتدلين والمتطرّفين، فكان لابدّ من نصب حاجزٍ دستوريٍّ إقصائيٍّ يمنع الشيخ من الترشّح لأيِّ انتخاباتٍ رئاسيةٍ قادمة، فاشترطوا في دستور 1996م في المادة: 73، ضمن شروط الترشّح: (أن يثبت مشاركته في ثورة أول نوفمبر 1954 إذا كان مولودًا قبل يوليو 1942م).

وقد كان هذا الشّرط الإقصائي مجرد تخوّفٍ سياسيٍّ، ليتمّ الإصرار والترصّد له في رئاسيات 1999م، ويتبيّن بأنه المعني به – حصريًّا – دون غيره من المترشحين، لأنه المنافس الوحيد والقوي لأيِّ مرشَّحٍ للسلطة، ليُطعن في شرفه السياسي والجهادي، وهو ما مثَّل تعسُّفًا وظلمًا سبّب له جُرحًا غائرًا في نفسه إلى أن توفّاه الله تعالى.

وبالرّغم من الشهادات التاريخية الموثّقة لزعماء الثورة التحريرية، ومنهم: قائد الولاية التاريخية الرابعة المجاهد: يوسف الخطيب على مشاركته فيها، وهو في ريعان شبابه وبالصور الصارخة بذلك، إلاّ أنّ المنع كان سياسيًّا، وما لبثت وزارة المجاهدين أن سلّمت لأهله شهادةً تثبت ذلك، ولكن بعد وفاته عليه رحمة الله، وبذلك يكون تاريخ ميلاده مُدسترًا، ولكن من أجل الظلم والتعسّف لا من أجل العدل والإنصاف.

انطلاقة النشاط السياسي بعد الاستقلال: وفقًا للمادة 33 من دستور 1962م فقد تمّ منع تأسيس أيِّ تشكيلٍ سياسي على مستوى كامل التراب الوطني، وزُجّ بالشعب الجزائري في خياراتٍ تتناقض مع حرّيته ومرجعيته الحضارية، وهو ما دفع بظهور المعارضة في الجزائر بأشكالٍ مختلفة، ومنها: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي مُنعت من استئناف نشاطها، فوُضِع رئيسها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي تحت الإقامة الجبرية، حتى تُوفِيَ سنة 1965م.

وكان أولُ نشاطٍ سياسي للشيخ نحناح – عليه رحمة الله عن طريق توزيعِ بيانِ الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1964م، الذي ندّد فيه بسياسة نظام الحكم البعيدة عن الإسلام بعد الاستقلال.

بدأ الشيخ نشاطه الدعوي سنة 1963م بمسجد ابن سعدون بالبليدة، بحضور الشيخ توفيق المدني أحد أعلام جمعية العلماء، والشيخ المقرئ المصري المشهور: عبد الباسط عبد الصمد.

ومع منع جمعية العلماء قام الشيخ الهاشمي التيجاني بتأسيس جمعية القيم سنة 1963م، وكان من رموزها: الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ عمر العرباوي والشيخ أحمد سحنون – عليهم رحمة الله جميعا، إلا أنّ النظام السياسي قام سنة 1966م بحلّها بعد تنديدها بإعدام الشهيد سيد قطب عليه رحمة الله في مصر.

وفي سنة 1966م التحق الشيخ بالجامعة، وتحصّل على شهادة الليسانس في اللغة العربية سنة 1970م، وقد ساهم مع إخوانه في فتح أول مسجد للطلبة بالجامعة المركزية، وكان أول مَن أمّ صلاة الجمعة، وقد حضرها: 12 مصلّيًّا، منهم الأستاذ الكبير مالك بن نبي ورفيق دربه الشيخ محمد بوسليماني، وفي هذه السنة التقى بمرشد جماعة الإخوان المسلمين الأستاذ: عمر التلمساني – عليه رحمة الله.

وقد شارك في المسيرات المطالبة بالتعريب وباحترام مرجعية الإسلام في منظومة القوانين الخاصة بالأسرة الجزائرية سنة 1971م، ومواجهة الثورة الزراعية سنة 1973م.

وكان أولُ ظهورٍ علني لجماعته (جماعة الموحّدين: تيمّنًا بدولة الموحِّدين) سنة 1975م للتنديد بالاشتراكية والميثاق الوطني، وأصدر البيان الشهير: “إلى أين يا بومدين؟”، والذي اعتُقل الشيخ و18 قياديًّا معه بسببه، وحُكم عليه بـ 15 سنة سجنًا بعد المطالبة بإعدامه، وكانت مرحلة السّجن فرصةً للمراجعات العميقة في الفكر والسياسة والدعوة والحركة.

وقد أُطلق سراحه سنة 1980م بعد تولّي الرئيس الشاذلي بن جديد الحكم، وبعد زلزال الأصنام بالشّلف، وقد كان مسجونًا هناك.

عمل – بعد خروجه من السّجن – أستاذًا ومحاضرًا بجامعة الجزائر في مادتي التفسير والسيرة النبوية، واجتهد في تأطير الصحوة الإسلامية بالجزائر، وإعادة بناء الجماعة ببعدها وانتشارها الوطني، وقد جمع بين العمل الشعبي الجماهيري والتركيز النخبوي، كما حرص على النجاة بالعمل الإسلامي من التورّط في التغيير الراديكالي والعمل المسلح، وقد ظهرت جماعات مسلحة مثل الحركة الإسلامية المسلحة سنة 1982م، وقد اغتيل مؤسّسها الشيخ مصطفى بويعلي يوم: 03 فيفري 1987م.

وقد رخّص وزير الشؤون الدينية والأوقاف آنذاك الشيخ: عبد الرحمان شيبان للشيخ نحناح بالخطابة والتدريس في المساجد في كامل تراب الجمهورية، بل وأهداه سيارته الخاصّة للتنقل بها، للثقة والمكانة التي كان يحظى بها.

الدخول الحذِر إلى التعددية: بعد أحداث 05 أكتوبر 1988م، وإقرار التعددية الحزبية والجمعوية والإعلامية في دستور 23 فيفري 1989م، تمّ تأسيس “جمعية الإصلاح والإرشاد” يوم 12 نوفمبر 1989م كأولِ تمظهرٍ قانوني علني للجماعة برئاسة الشيخ.                                                             وفي 07 ديسمبر 1990 تمّ الإعلانُ عن ظهور حركة المجتمع الإسلامي- حماس، تيمّنًا بحماس الفلسطينية، وفي ماي 1991م عُقد المؤتمر التأسيسي الرّسمي للحركة، وانتُخب الشيخ رئيسًا لها.

وفي جانفي 1992 تمّ حلُّ البرلمان ودُفِع بالرئيس الشاذلي إلى الاستقالة، وتمّ توقيف المسار الانتخابي والدخول في مأساة العنف والإرهاب، وكان موقف الحركة واضحًا منذ البداية، وهو التنديد بالعنف من أجل البقاء في السّلطة، أو من أجل الوصول إليها…

يُتبع.

الحلقة القادمة: الموقف من توقيف الانتخابي، واستراتيجية المشاركة السياسية.

 

تعليق