لطالما اجتهد التيار العلماني الإستئصالي والمتطرّف خلال العقود الماضية، واشتغل منذ الاستقلال على التحريش بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين، وهو التيار الذي يعتقد بأنّ آفتا العالم العربي هما: الأصوليون والجيش، وهما بالنسبة إليه: وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن الثقة فيهما في ادّعاء الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومدنية الدولة.

إلاّ أنّ الحقيقة التاريخية ورياح الربيع العربي سارتا في اتجاه تأكيد العكس من ذلك، وهي خطورة المواجهة الثنائية بينهما، إذ كان الإسلاميون دائمًا هم وقود الثورات الشّعبية، لأنهم الأكبر تنظيمًا والأكثر انتشارًا، وهم الأقدر على التضحية والمقاومة بخلفيات عقائدية دينية، الذين تُصفّى الصّراعات الإقليمية والدولية بدمائهم، كما حدث للمجاهدين العرب في أفغانستان أو ما يحدث الآن في سوريا واليمن وليبيا.

ودائما ما تُفرض على الشّعوب العربية تلك الثنائية الظالمة: ديكتاتورية العسكر أو إرهاب الإسلاميين، وهو ما يحتاج إلى تكسير هذه المعادلة بأخفّ الأضرار وأقلّ التكاليف، وذلك هو عدل الواقعية، الذي ينطق بحقيقتين ثابتتين، وهما:

1/ أنه لم تُعط للإسلاميين أيّةُ فرصةٍ حقيقيةٍ للحكم بعد أيِّ فوزٍ ديمقراطي لهم، ودائمًا ما يتم شيطنتهم والتخويف منهم والانقلاب عليهم، كما حدث للإخوان المسلمين في مصر، وحركة النّهضة في تونس، وحركة حماس في فلسطين، أو استدراجهم إلى المربّع الذي تتقنه الأنظمة الشّمولية وهو عسكرة الثورة السّلمية كما حدث للفيس في الجزائر أو ما يحدث الآن في سوريا واليمن..

وبالتالي فإنه ليس من العدل إصدار الأحكام المعلّبة والتّهم المعمّمة عليهم، مثل: اتهامهم بالفشل في الحكم، أو عدم أهليتهم للسياسة، أو عدم إيمانهم الصادق بالديمقراطية.

2/ أنّ قمع الإسلاميين عادة ما يتوسّع إلى قمع كلّ التيارات الأخرى، وأنّ الجميع ضحية تلك الأنظمة السّلطوية، وأنّ عسكرة الدولة وهيمنة الجيش على الحكم واللجوء إلى المقاربة الأمنية في مواجهة الأزمات السياسية والدستورية هو ما يدفع إلى العنف، ويغتال الاعتدال، ويزيد في منسوب التطرّف.

لكنّ الحديث هنا ليس عن المواجهة الظّالمة بين الجيش والإسلاميين وكأنها قدَرٌ نازل أو حتميةٌ دائمة، لطبيعة العقيدة العسكرية المتوجّسة من التنظيمات العقائدية الإيديولوجية والمغلقة.

وإنما الحديث عن هذه الإشكالية المزمنة، وهي التحالف الظاهري بينهما على حساب الثورات الشّعبية والسّلمية، باعتبارهما قوّتان منظّمتان وقويّتان تتقاذفان المشهد الثوري، وقد تتحالفان ضدّ الديمقراطية، والتي لا يمكن وصفها إلا بانتهازية التحالف مع الأقوى، في علاقة العشق الممنوع بينهما، والتي تنتهي دائما بالانقلاب العسكري والخيانة المفضوحة على حساب الشّعب والدّولة والدّيمقراطية.

فهل يحفظ الإسلاميون الأخطاء السّبعة من دروسِ ديمقراطيةِ الدّبابة؟ أم أنّ حالة السّذاجة والتوظيف واستنساخ نفس الأخطاء التاريخية هي التي تعرّيهم سياسيًّا وشعبيًّا دائمًا؟ أمام حالات التوريط لهم خلال المراحل الانتقالية المتوتّرة وقبل أيّ استحقاقٍ انتخابيٍّ حقيقي؟ بتزيين المشهد بهم وتحميلهم مسؤولية المرحلة الحسّاسّة على حسابهم.

يعترف قادة الإخوان المسلمين في مصر أنه من الأخطاء الاستراتيجية القاتلة لهم هي: التردّد والالتحاق المتأخّر بالثورة المصرية {ثورة 25 يناير}، وانخداعهم بالتفاوض المنفرِد مع المجلس العسكري دون قوى الثورة، والتسليم له بتسيير المرحلة الانتقالية، وغرورهم بالذهاب إلى الانتخابات بعيدًا عن التنازلات والتوافقات، وتورّطهم في الاصطفافات الإيديولوجية، والانتقال من الحالة الشعبية في ميدان التحرير إلى الحالة التنظيمية في اعتصامي رابعة والنّهضة، فخسِروا العسكر وخسِروا قوى الثورة معًا.

ومثّلت هذه القصّة التراجيدية للإخوان المسلمين تجربةّ قاسيةّ في العلاقة بين الإسلاميين والعسكر أثناء مرحلة الانتقال الديمقراطي، إذ لو كان الجيش وطنيًّا وعظيمًا كما كانوا يعتقدون ويروّجون لَمَا كان له كلّ ذلك الارتهان الخطير إلى القوى الإقليمية والدولية، ولما تحمّل كلّ تلك المسؤولية السياسية المشؤومة، ولما انقلب على الإرادة الشعبية بتلك الدّموية والوحشية، ولَمَا انكشف بتلك الخديعة الكبرى.

إلاّ أنّ تلك الخيارات الخاطئة للإخوان لا يمكن تبريرها وتعليق مشجبها على الجيش الوفي إلى عقيدته التقليدية اتجاه الحُكم، وهي توظيف وتوريط التيارات التي لها القابلية للركوب على شرعيتها وشعبيتها، ثمّ تحوّله إلى الثورة المضادّة والانقضاض على التجربة الديمقراطية بشعاراته الخادعة.

ويرى البعضُ أنّ القصّة نفسَها وقعت لحركة مجتمع السّلم ـ سنوات التسعينات ـ مع الجيش الجزائري، واتهام الشيخ نحناح عليه رحمة الله بالتحالف مع العسكر على حساب خيار الشّعب، عندما دعَا الدّبابة إلى حماية الديمقراطية، ومع أنّ المسألة ليست بهذا الاختزال والتبسيط، إذ أنّ الفيس باستدراجه إلى العمل المسلّح لم يترك فرصةً للوقوف المطلق معه، وأنّ جنون العنف من أجل البقاء في السّلطة أو من أجل الوصول إليها لم يترك خيارًا إلاّ أولوية إطفاء نار الفتنة وإيقاف حمّام الدّم، ومع ذلك فإنّ الأهداف الاستراتيجية للشيخ نحناح في تبنّي خيار المشاركة السياسية في مواجهة خيار المغالبة والعنف لم تشفع له عند الجيش بالانقلاب عليه سنة 1995م، وعدم الثقة به في كلّ المواعيد الانتخابية.

لا يمكن تبريرُ قتلِ امرئٍ مسلمٍ باسم الجهاد، ولا يمكن تبرير العنف باسم الإسلام، ولا يمكن إدخال الشعب الجزائري في فتنةٍ عمياءٍ باسم الدّفاع عن نتائج الانتخابات، ولا يمكن تشويهُ صورةِ الدّين باسم الإرهاب، ولا يمكن تحمّل ضريبة استئصال كلّ المتديّنين باسم مواجهة الفيس..

ولذلك كان الشيخ نحناح صارمًا بالتميّز في خياراته، ولو اتُّهِم بالتحالف مع الجيش وبالعمالة للنظام.

ومع أنّ أهدافه ومقاصده كانت نبيلة في تلك الخيارات، مثلما ذكرها الدكتور عبد الرزاق مقري في كتابه: الحركة الإسلامية في الجزائر، ومنها: تجسيد الوحدة الوطنية وتجنيب البلاد خطر التقسيم وفق الحلم الاستعماري القديم/ المحافظة على كيان الدولة من التفكّك، ومؤسسات الدولة من الانهيار/ تحقيق السّلم والمصالحة الوطنية وحقن دماء الجزائريين/ دعم الوطنيين ومواجهة التيار العلماني التغريبي داخل مؤسسات الدولة/ تبييض صورة الإسلام والحركة الإسلامية من تهمة العنف والإرهاب/ العودة إلى المسار الانتخابي والاحتكام إلى الإرادة الشعبية/ المحافظة على الوجود القانوني للحركة الإسلامية..

إلاّ أنّ المؤسسة العسكرية ـ آنذاك ـ كانت لها كذلك أهدافها من هذا التحالف مع جزءٍ من الإسلاميين، ومنها: التغطية على آثار الانقلاب وتوقيف المسار الانتخابي/ مواجهة التطرّف الدّيني بخطاب الوسطية والاعتدال/ إذكاء الصراع بين الإسلاميين وتشويههم شعبيًّا بتهمة الإرهاب والتورّط في مسؤولية الحكم/ استئناف المسار الانتخابي بموازين قوى جديدة/ تبرئة نفسه من تهمة معاداة الإسلام والديمقراطية..

وبالرّغم من حجم التنازلات وسياسة الطمأنة ومنهج الوسطية والنّزعة الوطنية وخطاب الواقعية للشيخ نحناح إلاّ أنّ الجيش ـ في ذلك الوقت ـ زوّر عليه الانتخابات الرئاسية سنة 1995م، وأسّس الأرندي بديلاً عنه ومكّن له سنة 1997م، وطعن الشيخ في تاريخه السّياسي وشرفه الجهادي بمنعه من الترشّح في رئاسيات سنة 1999م بحجّة عدم حيازته لشهادةٍ تثبت مشاركته في الثورة التحريرية المباركة..

فإلى متى تبقى هذه المؤسّساتُ العسكرية العربية وفيّةً لعقيدة الانقلاب على الديمقراطية؟ وإلى متى يبقى الإسلاميون سُذّجًا في التعاطي العاطفي مع الجيوش خوفًا أو طمعًا؟.

تعليق