هناك خديعةٌ كبرى يتمّ الترويج لها، وهي التسويق للرّضا الشّعبي العام على ما تحقّق من إنجازاتٍ ظاهريةٍ للحرَاك الشّعبي، ممّا أدّى إلى تراجع حجم زخمه الثوري، مع أنّه لا أحد قادرًا على التحكّم في قرار استمراره أو إيقافه. وهو ما جعل الحرَاك يتعرّض إلى هذا العبور الحرج، عبر أشواكِ ثورةٍ مضادّةٍ غيرِ معلنة، تحُول دون تغيير النّظام واستكمال أهداف الثورة الشعبية الناجزة والكاملة، بجميع مطالبها السّياسية والأساسية.

ويخطئ مَن يعتقد أنّ الحرَاك الشّعبي ينجز أهدافه وهو يفتقد للقيادة وللمشروع وللأهداف الموحَّدة، وتعتبر وثيقة “عين البيان” التوافقية، بعد اجتماع منتدى الحوار الوطني يوم 06 جويلية 2019م فرصة لعملٍ تشاركيٍّ وطنيٍّ موحّد، يمكن توسيعه إلى قوى ومكوّنات أخرى، تكون بمثابة القيادة والمشروع الثوري للحرَاك، تنبثق عنه آلياتٌ مثل:

هيئةٌ تداوليةٌ وقيادةٌ جماعيةٌ للمتابعة. كما يخطئ من يعتقد أنّ تحقيق بعض الإنجازات والأهداف هو مبرّرٌ كافٍ للقبول بشيطنة الحرَاك والاقتناع بقرصنته والتلويح بتخوينه، واللّومُ سيكون على مَن ينخدع بالقيام بنصف ثورة، والتي هي مقبرةٌ حقيقيةٌ لأصحابها، إذ أنّ خصوم الحرَاك لهم القدرة على العودة والسّيطرة، بما لهم من إمكاناتٍ مؤسّسيةٍ وماليةٍ وإعلاميةٍ كبيرة. ومن المؤسف أنّ الحرَاك الشعبي لا يزال يأكل أبناءه، عندما يتمّ الإصرار على الاستقطاب الإيديولوجي والصّراع الحزبي بخلفياتٍ تاريخية، لا تزال جامدةً عند لحظاتٍ زمنيةٍ غابرة، حتى أصبح بأسُ مكوّنات هذا الحرَاك بينه شديد، عبر تحطيم كلّ الرّموز واستهداف كلّ المرجعيات وشيطنة كلّ القيادات، والدخول في منطق المنافسة قبل الوصول إلى الملعب الديمقراطي الحقيقي، فتعود الأحزابُ والتياراتُ إلى نفس المربّع الذي تتقنه الأنظمة الشّمولية عبر سياسة “فرّق تسد” دون الاعتبار بالماضي، وهي تستمتع بذلك التطاحن الإيديولوجي بين القوى الثورية في الشّارع، لتقوم بالاستفراد بمَن تشاء على الطريقة الفرعونية: “إنّ فرعون عَلَا في الأرض، وجعل أهلها شيَعًا، يستضْعِف طائفةً منهم..”(القصص:04)، وهو ما يتطلّب التوافقات والتنازلات والتحالفات بين مختلف القوى الثورية ضدّ النّظام السّياسي وتمظهراته المختلفة.

لقد استطاعت بعض رموز النظام البوتفليقي – والتي كانت حاميةً له ومدافِعةً عنه – أن تحدِث شرخًا في المعارضة وفي الحرَاك الشعبي، واللّوم لا يقع عليها، فتلك هي مصلحتُها وبالتالي ذلك هو حقّها، وهي التي تخوض معركةً وُجودية، بقدر ما يقع اللّومُ على مَن أعطى لها الفرصة في ذلك، عندما يرفض التنسيق والعمل التشاركي بين مكوّنات الحرَاك والقوى السّياسية، والإصرار على التمايز والعمل وفق أجندات خاصّة، والتصعيد بسقفٍ سياسيٍّ لا يقبله التوافق السّياسي ولا الواقعية السّياسية في مثل هذه الظروف. وسيكون جميلاً عندما تتكامل وتتبادل الأدوار بين مكوّنات الحرَاك الشّعبي عندما يكون ضمن استراتيجيةٍ واضحةٍ وخطّةٍ متفقٍ عليها، تجمع بين العاطفة القويّة للشّعب في الشّارع وبين عقلانية النّخب السّياسية في الحوار والحلِّ الإجرائي مع السّلطة، إذ أنه لا يُعقل – كذلك – القيام بثورةٍ حقيقيةٍ دون أن تلامس مطالبُها الواقعية أحلامَ الأهدافِ المثاليةِ لها، وهو ما يتطلّب المرونة في استيعاب كلّ الآراء والمواقف والخيارات، ويتكفّل التوافقُ عبر الحوارِ على التقريب بينها. فما الذي تحقّق من أهداف الحرَاك الشّعبي حتى يتمّ الحديث عن توقيفه أو شيطنة مَن يستمرّ فيه؟

1/ سقوط العهدة الخامسة، وإيقاف تمديد العهدة الرّابعة: لا شكّ بأنّ محاولة فرض العهدة الخامسة – كما فُرِضت العهدة الرّابعة – كانت بمثابة القنبلة التي فجّرت الشّارع الجزائري، فقد كانت استخفافًا كبيرًا واستفزازًا خطيرًا لكرامته أمام العالم، لتخرِج الجزائرُ أثقالَها في مسيراتٍ مليونيةٍ انطلقت وطنيًّا يوم 22 فيفري 2019م، وهو ما تحقّق عبر استقالة بوتفليقة يوم 02 أفريل 2019م. لكنّ النتيجة الواقعية هو ذهابُ شخصِ بوتفليقة وبقاءُ نظامه، متمثّلاً في التمسّك ببن صالح، الرّجل الثاني في العهد البوتفليقي، وتلغيم مطالب الحرَاك الشّعبي بالتطبيق الحرفي والحصري للمادة 102 من الدستور فقط، وهو ما يعني تمديد العهدة الرّابعة أو الدخول في عهدةٍ خامسة، لا بشخص بوتفليقة ولكن بأحدّ أهمّ رجالاته ورموزه، والأخطر من ذلك كلِّه هو الدخول في مرحلةٍ انتقالية دون توافقٍ وطنيٍّ، ودون آجالٍ محدّدة، ودون انتخاباتٍ حقيقية، مع الإصرار على رفض مطلب الحرَاك الشّعبي المتفق عليه بذهاب الباءات، رغم الإمكانية الدستورية لذلك.

02/ إسقاط حكومة أويحي: فمن أشدّ وأعنف الشّعارات التي رُفعت أثناء الحرَاك الشعبي منذ بداياته كانت ضدّ أحمد أويحي، كأحدِ أخطرِ الرّموز الاستئصالية للنظام السّياسي، وأكثرُها كُرْهًا لدى الشّعب الجزائري، بسبب مساره السّياسي المثخن بالجراح والعداوات مع الرّأي العام، وهو ما تحقّق باستقالته يوم 11 مارس 2019م.

لكنّ هذا الإنجاز الثوري تمّ تسميمه بتكليف “نور الدّين بدوي” بتشكيل حكومةٍ جديدة، وهي الحكومة التي تشكّلت يوم 31 مارس 2019م من طرف ما سُمّيَ بالعصابة، قبل استقالة بوتفليقة بيومين فقط، وهو الرّجل المرفوض شعبيًّا، والذي بقي مطلبُ ذهابه متفقًا عليه طيلة الحرَاك الشّعبي، والذي تلبَّس بآخر منصِبٍ له وهو: وزير الداخلية، وارتبط اسمه بتزوير الانتخابات، وبالفساد المحلّي للولاة، وبفضيحة تزوير حوالي 06 ملايين استمارةٍ لترشّح بوتفليقة غيابيًّا، ومع ذلك يتمّ التمسّك به إلى الآن؟.

03/ محاربة الفساد: من أهمّ شعارات وأهازيج الحرَاك الشّعبي: (كْلِتُو لَبْلاد يا السرّاقين)، وهو ما شكّل مطلبًا شعبيًّا عارمًا لمحاسبة ومعاقبة كلِّ رموز الفساد السّياسي والمالي والعسكري والأمني والقضائي والإداري، ولم يكن أكبرُ المتفائلين يحلُم يومًا بسجن هذه الرؤوس الكبيرة، مثل: السعيد بوتفليقة والجنرالين توفيق وطرطاق، وألويةٍ في وزارة الدّفاع والنواحي العسكرية والمؤسّسة الأمنية، وقادةٍ في أجهزة الشّرطة والدّرك الوطني، ورموزٍ سياسيةٍ مثل قادةِ التحالف الرئاسي، ووزراء كبار، ورجال أعمال متنفّذين، وعزلِ العديد من القضاة والمسؤولين السّامين في الوزارات والإدارات العمومية والمؤسّسات الكبرى .. وغيرهم.

ولا شكّ بأنّ هذه الحملة تمثّل إنجازًا نوعيًّا ومكسبًا كبيرًا للحرَاك الشّعبي، والذي يعود له الفضل في توفير الغطاء والشّرعية الشّعبية له، والأصل أنه واجب طبيعي، وليس إنجازًا خارقًا يمنُّ به أحدٌ على الشّعب. ومع ذلك بقي الشّك يراود البعض في حقيقة استقلالية القضاء، وفي سيادة القانون على جميع الفاسدين والمفسدين والمتورّطين في الفساد، والجميع يرى بعض الرّموز لا تزال حرّةً طليقة، بل لم تصل حملة مكافحة الفساد إلى المسؤول الأول عنه، هو عائلته، طيلة 20 سنة من حكمه، وأنّ العبرة في ذلك هو استرداد أموال الشّعب المنهوبة والمهرّبة، وليس مجرد سجن أفرادها. ولا تزال قضايا فساد كبرى غير مفتوحة، ومنها: رأس الفساد السياسي في البلاد منذ الاستقلال وهو تزوير الانتخابات.

مع الاعتقاد السّائد بأنّ حملات مكافحة الفساد في عالمنا المتخلّف تخضع إلى موازين القوّة الآنية، وليس إلى مؤسّساتٍ شرعيةٍ سيّدة، تحارب الفساد محاربةً حقيقيةً شاملةً ودائمة.

04/ FLN ديقاج، RND ديقاج: وهي من المطالب الرّمزية، التي تحمّل أحزاب التحالف الرّئاسي الدّاعم للعهدة الرّابعة وللعهدة الخامسة المسؤولية السّياسية عمّا وصلت إليه البلاد، وهي من الأدوات والأجهزة الحزبية التي مارس بها النظام البوتفليقي فساده السّياسي والاقتصادي، وهو ما جعل ذهابها ضمن المنظومة البوتفليقة مطلبًا شعبيًّا مشروعًا.

إلاّ أنّ إعادة رسكلتها، وتغيير القشرة السياسية لها، وبعث الحياة فيها، وإعادة الاعتبار لها، شكّل انقلابًا مفضوحًا على هذا المطلب، وهي الأحزاب التي أصبحت تحظى بالتفضيل في نشاطاتها، وفي التغطية الإعلامية لها بخلاف القوى السّياسية الأخرى، وعلى عكسِ التراجعِ في التغطية الإعلامية للحرَاك الشعبي نفسِه.

05/ الرِّدّة عن الحرّية: من الأشواق الكبيرة التي حملها الحرَاك من أعماق الشّعب هي أنْفَاس الحرّية، والتطلّع إلى نسائم الانعتاق من الأغلال التي جثمت على صدره لعقودٍ من الزّمن، فنادى بما صُمّت به آذان الدّنيا: جزاير حرّة نوفمبرية، جزاير حرّة ديمقراطية.. وغنّى الجميع على سنفونية أنّ الشّعب حرّر الجميع، بما فيه القضاء والمؤسسة العسكرية ووسائل الإعلام. لكنّ المراقب المحايد يسجّل تلك الرِّدّة عن هذا المكسب، وخاصّة بعد اختلاف مطالب الحرَاك عن أهداف السّلطة الفعلية، وتجلّت مظاهر تلك الرِّدّة في: محاصرة العاصمة والتضييق غير المبرّر على مداخلها وشوارعها، والمساس بالحقّ في حرّية التنقّل، وحملة الاعتقالات داخل الحرَاك، والتضييق على الأحزاب والنشطاء ومختلف الفضاءات في نشاطاتها، ومصادرة حرّية الرّأي والتعبير في مختلف وسائل الإعلام العمومية والخاصّة، وكتم أنْفاسها والتحكّم في المتدخلين فيها، وغلق أبواب الإعلام العمومي أمام المعارضة، وفرض الرّقابة على حرّية تغطية الحرَاك، والاعتداء على الحق الدستوري في تأسيس الأحزاب والجمعيات، وشيطنة كلّ المخالفين وتخوين كلّ المنافسين، والحملات المسمومة للذباب الإلكتروني.. وغيرها.

وهو ما جعل البعض يعتقد بأننا في وضعٍ أسوأ مما كنّا عليه في العهد البوتفليقي..
فما الذي تحقّق من مطالب الحرَاك الشعبي حتى تتمّ شيطتنه والدّعوة إلى توقيفه؟.

تعليق