حينما نجح الاستعمار في تجهيل أغلب الجزائريين واستلاب بعضهم حضاريا واستغفال كثير منهم قيّض الله للجزائر عبد الحميد بن باديس فسأل نفسه أولا لمن أعيش؟ ثم أجاب ذاته: للإسلام وللجزائر. فصار هذا الشعار شعار الوعي واليقظة والهوية، ثم حوّل الشعار إلى مشروع وطني متكامل اعتمد العلم والتوعية وبناء الإنسان الجزائري المستقل عن الاستعمار في فكره وشعوره وفي أعماق نفسه ومشاعره لكي يستطيع بعد ذلك إخراج المستعمر من دياره فيكون الاستقلال استقلالا كاملا يصنع نهضة وطن.
لقد درسنا في المدرسة الجزائرية في العشرية الأولى من الاستقلال أن ابن باديس هو رائد النهضة الجزائرية، قبل أن يبدأ أذناب الاستعمار داخل دولة الاستقلال في رسم خط الرجوع نحو مستعمرهم ومالك عقولهم فألغوا ذلك المقال وصورة ابن الباديس وهو يضع أصبعية على صدغه الأيمن مفكرا. لقد استطاع ابن باديس من خلال خطة نشر العلم وحملات الوعي وتأهيل الرجال، بواسطة جمعية العلماء المسلمين، ومن خلال شخصيته العابرة لمنظمات وأحزاب الحركة الوطنية، أن يكون له دور أساسي في صناعة جيل الثورة كما بيّن ذلك أبرز المؤرخين الجزائريين كأبي القاسم سعد الله وعبد الرحمن الجيلالي وتوفيق المدني. لم يكن لأي من منظمات الحركة الوطنية دور مباشر في تفجير الثورة، بل قام بها شباب من المنظمة الخاصة التي أسسها حزب الشعب ثم تخلى عنها، أغلبهم تربوا في مدارس الجمعية و الكشافة الإسلامية الجزائرية، ومر أغلبهم في طفولتهم على كتاتيب القرآن الكريم. لو بقي ابن باديس حيا لكان ركيزة أساسية لتفجير الثورة، حيث كان يوجه لها قبل وفاته، كما تبين كثير من المراجع التاريخية، ولمَا تأخّر رحمه الله عن فهم اللحظة التاريخية كما كان حال من خلفه، رغم جلال قدرهم، مثلهم مثل من تأخر من زعماء الحركة الوطنية الآخرين كمصالي الحاج وفرحات عباس وغيرهما في حزبيهما على علو قدر الجميع في المسيرة النضالية. لم يشفع لجمعية العلماء أن كان من أبنائها بن بولعيد وبن مهيدي وغيرهما، ولا حُسب لها أنها أعلنت الالتحاق بالثورة فور تفجيرها وصار بعض رجالها من قادة الجهاد المسلح، فلم تسلم من محاولات التشويه البائسة إلى اليوم، ومما زاد في تراجع دورها في الاستقلال اندماج أو خضوع أغلب رجالها، بل التبرير، لسلطة الأمر الواقع التي فرضها جماعة وجدة وجيش الحدود، ولو لا ثبات بعض أبطالها كالشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ العرباوي، وبعض الأثر الطيب الذي صنعه بعض من قبل العمل تحت سلطة الأمر الواقع كالشيخ شيبان والشيخ حماني لما بقي اليوم أثر لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. هكذا شوِهت جمعية العلماء المسلمين، ولهذا السبب سُحب البساط من تحتها معنويا، لأنها بكل بساطة لم تقرأ اللحظة التاريخية، واستسلم أغلب رجالها لسلطة الأمر الواقع بعد الاستقلال، وحتى الشباب الذين أعادوا ذكرها حين حاول لوبي الاستعمار محوها من المنظومة التربوية والذاكرة الوطنية، لم يكونوا من أبناء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إذ لم يبق لها أثر فاعل بعد الاستقلال، بل كانوا فتية من الصحوة الإسلامية تأثروا بها وأحبوها من بعيد.

أما عن عن النوفمبرية فإن حالها صار بعد الاستقلال أسوء من حالة الباديسية إذ لم تشوه فحسب بل سرقت وسيطر على القرار السياسي الذي قتل من أجله مليون ونصف شهيد أبناء الاستعمار، مستغلين الخلافات السياسية بين قادة ورجال الثورة الحقيقيين. حينما سيطر بومدين على الحكم بمنطق العسكراتية وجد نفسه معزولا عن الأوزان الكبرى في قيادة الثورة العسكريين والسياسيين، فاضطر إلى الاستعانة بالضباط الصغار الذين التحقوا بالثورة بعد أن كانوا في جيش الاحتلال من خلال خطة استراتيجية وضعها الجنرال ديغول حين أدرك أنه لا بقاء لفرنسا في الجزائر. لم يكن كل من التحق من هؤلاء بالثورة خونة، ولكن لا شك في أن منهم من كانوا مكلفين وبقوا مكلفين إلى أن صاروا هم أصحاب القرار الغالبين. كان بومدين يظن أنه متحكم في الوضع وأن دور هؤلاء الضباط الهامشيين لا يتجاوز مهتهم في السكرتارية وتدريب الجنود بحكم المؤهلات التي كسبوها مع الفرنسيين، ولكن لم يكن رحمه الله يحسب لعمق وسعة المخطط، كما أنه لم يكن يحسب للموت الذي فاجأه، وحين جاء الشادلي وجدهم ممكنين فاستمر في الاستعانة بهم لفرض خطط الانفتاح الاقتصادي في مواجهة التيارات اليسارية وتحفظات القوى الثورية الوطنية المتمسكة بالاشتراكية البومديينية. كان لبعض هؤلاء دور كبير في تحريك الشارع في 5 أكتوبر بالاعتماد على أحد السياسيين المشهورين الحاليين خارج السلطة، بحكم قربه السابق ببومدين ومكانته عند الشادلي آنذاك. وحينما عزم الشادلي على التمكين للديمقراطية لحل المشكل جذريا كانوا هم من انقلب عليه، وهم الذين انقلبوا على نتيجة الصندوق في التسعينيات وهم من أدخل جزء كبيرا من الشعب الجزائري المعتقلات، وأدخلوا البلد كله في فتنة دموية أفقدت الجزائر أهليتها للنهوض، وشكلت في ظل محاربة الإرهاب عصابات مالية واقتصادية مبنية على الفساد والأيديولوجية وإبعاد والنوفمبريين والصالحين عن دائرة الإدارة والاقتصاد، بالتزوير الانتخابي الطويل المستدام والسيطرة والهيمنة على مفاصل الدولة.
لقد كان الالتفاف الأول على بيان أول نوفمبر إلغاء فرصة الديمقراطية من خلال الانقلاب العسكري الذي قام به جيش الحدود على الحكومة المؤقتة الشرعية المدعومة من المجاهدين الذين حققوا الاستقلال وهم إلى آخر لحظة في الجبال الشامخات الشاهقات، ثم من خلال فرض نظام الحزب الواحد بالقوة وسياسة الأمر الواقع، ثم كان السطو على البعد الشعبي الذي نص عليه بيان أول نوفمبر بإبعاد الشعب عن القرار لصالح نخبة سياسية فاسدة و/أو انهازية، ثم تم إسقاط البعد الإجتماعي المستدام، الموجود في البيان، بالفشل في تحقيق التنمية وانتشار الفساد وتبديد وتضييع الثروة الوطنية الطبيعية التي منحها الله للجزائريين بدون مزية من أحد بعد الاستقلال، حتى صار النظام السياسي، يوما بعد يوم إلى اليوم، في حاجة إلى الدعم الخارجي للبقاء في السلطة ولو على حساب بعض ركائز السيادة والشرف الوطني.
لقد ضاعت فرصة الاستقلال لبناء دولة ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطار بعدها الطبيعي العربي الإسلامي على هذا النحو الذي ذكرناه، ثم ضاعت الفرصة الثانية التي جاءت بها رياح 5 أكتوبر، التي تجاوز زخمها حسابات صراعات الأجنحة داخل النظام السياسي بغباء لا مثيل له في التعامل معها من قبل النوفمبريين الباديسيين حيث غرتهم أغلبيتهم الشعبية فلم يحسبوا لمكر وقوة الأقليات الأيديولوجية، ثم ها نحن نعيش الفرصة الثالثة التي أتت بها الرياح العاتية للحراك الشعبي، وها نحن نعيش نفس الغفلة والسذاجة التي يَبين عنها بعض من يرفع شعار الباديسية النوفمبرية.

حين أطلقنا هذا الشعار بمناسبة الانتخابات التشريعية سنة 2017 كنا نود وضع التيار النوفمبري الباديسي في المكان المناسب حين تأتي رياح التغيير التي كنا نتوقعها قبل أن تقع، كنا نود أن ننشر الوعي ونجعل كفاحنا ونضالنا أوسع من حزبنا وحركتنا ومؤسساتنا ليشمل التيار الوطني الإسلامي الموجود في كل مؤسسات الدولة وكل الأحزاب والمنظمات، ولكن للأسف ظهرت فئة حملت شعار الباديسية النوفمبرية، كثير منها صادق وبعضها ماكر يريد إفراغه من محتواه، يرتكبون نفس الأخطاء التي وقعت بعد الاستقلال. إنهم يستسلمون للحاكم المتغلب ويناصرون من لا يعرفونه اتباعا للشعارات وأحيانا للهوى، ويريدون منا أن نسلم له نحن كذلك أمرنا وأمر فكرتنا ومشروعنا دون نقاش ولا حوار ولا تفاهم وبدون أن نعرف من هو هذا المتغلب ومن هم رجاله وما هو تاريخهم وما هي خلفيتهم وما هي رؤيتهم. يريد بعض هؤلاء النوفمبريين الباديسيين، خصوصا الذين عرفناهم في الساحة السياسية بعد 22 فبراير فقط، أن نستسلم للمتغلب، لأنه يحارب عصابة كان هو جزء منها وحاميها، ولأنه يحارب تيارا علمانيا كان متعايشا معه، تؤكد الأخبار المتتالية أنه يتفاوض مع بعض رجاله في الحجر المظلمة، وقد نفاجأ يوما ما بأنها لعبة إدارة الصراع على السلطة لا غير، وسيكون ضحيتها النوفمبرية والباديسية والثروة وحتى السيادة الوطنية لا قدر الله. لقد ألف جزء كبير ممن يعلنون الانتماء للباديسية النوفمبرية العجز والكسل فهم يريدون التشبث بمخلص وهمي يعفيهم عناء الكفاح والنضال وركوب الخطر من أجل أفكارهم ومصلحة بلدهم، وربما بعضهم ألف الاسترزاق على موائد الحكام بالانتهازية والزبونية والتقلب من ولاء إلى نقيضه دون حشمة ولا حياء. فهل ستُسرق النوفمبرية من جديد فلا نرى دولة ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية كما أرادها الشهداء، وهل ستُشوه الباديسية فيقال مرة أخرى بأن هؤلاء تأخروا عن الكفاح من أجل الحريات والديموقراطية، بل من أجل الإسلام والجزائر، وتماهوا مع الحاكم المتغلب فلم يكن منهم إلا آحاد ثبتوا وصبروا …
إن الذي نعد الله عليه أننا وقطاع معتبر من الشعب يؤمن بنا ويناصرنا بأننا سنبقى على العهد النوفمبري الباديسي وأننا لن نستسلم للأمر الواقع وأن المسيرة المباركة مدركة أهدافها هذه المرة بحول الله… يقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.

تعليق