تظهر لنا قراءة التاريخ السياسي لعدد من دول العالم ، التي انتقلت للحكم الديمقراطي ، وجود ثلاث سُبل لتحقيق هذا الهدف ( 25) :

السبيل الأول/الخروج من الحكم الاستعماري إلى الحكم الديمقراطي مباشرة

وهو السبيل المعتمد على توافق القوى الوطنية قبل الاستقلال وبعده ، في بناء كتلة وطنية على قاعدة تحقيق الاستقلال من جهة أولى ، وعلى الإرث االأستعماري من جهة ثانية.

السبيل الثاني : الانتقال التدريجي من حكم استبدادي إلى حكم ديمقراطي:

هذا الانتقال يتضمن ثلاث طرق مع صعوبة التفريق بينها:

   – الانتقال بقيادة الإصلاحيين من داخل النظام ( أسبانيا – البرازيل)من الأعلى

– الانتقال عن طريق التفاوض والتوافق ( جنوب أفريقيا ، بولندا).

– الانتقال من خلال المظاهرات – ( الفلبين ، كوريا الجنوبية) من الأسفل

السبيل الثالث / الانتقال من خلال المظاهرات ( القوة الناعمة ) – من الأسفل

إن الدافع الأساسي للتغيير الديمقراطي في هذا السبيل هو تصاعد (القوة الناعمة) المتمثلة في ( الإضرابات ، الاحتجاجات ، المظاهرات ، العصيان المدني ) ،وزج العديد من الكتل البشرية في الشارع بشكل ( سلمي ، منظم ، مستمر ، كتلي ) الهز من الأسفل.وهو السبيل الناجح في كل من ( الفلبين ، كوريا الجنوبية ، رومانيا ، أوكرانيا ، نيكاراجوا ، المكسيك ، اندونيسيا ). كما بينت تجارب الانفتاح السياسي العربية والعالمية (للدول التي أكملت انتقالها الديمقراطي ) ، أن مبعثه مصدرين أساسيين هما من (داخل النظام ) و (خارج النظام ) :

– تونس / مصدر الانفتاح من خارج النظام (التظاهرات – الاحتجاجات – الاعتصامات )من الأسفل

– مصر/ مصدر الانفتاح من خارج النظام (التظاهرات – الاحتجاجات – الاعتصامات ) من الأسفل

– كوريا الجنوبية / مصدر الانفتاح من خارج النظام (التظاهرات – الاحتجاجات – الاعتصامات ) من الأسفل

– رومانيا / مصدر الانفتاح من خارج النظام (التظاهرات – الاحتجاجات – الاعتصامات).من الأسفل

– بولندا / مصدر الانفتاح من خارج النظام (التظاهرات – الاحتجاجات – الاعتصامات ).من الأسفل

– الفلبين / مصدر الانفتاح من خارج النظام (التظاهرات – الاحتجاجات – الاعتصامات ).من الأسفل

– أسبانيا / مصدر الانفتاح من داخل النظام (الإصلاحيين داخله) – من الأعلى

– البرازيل / مصدر الانفتاح من داخل النظام (الإصلاحيين داخله)- من الأعلى

– الاتحاد السوفييتي (سابقاً ) / مصدر الانفتاح من داخل النظام (الإصلاحيين داخله)- من الأعلى

( تطويره) فأدى إلى سقوط النظام بغض النظر عن النوايا ، ومن ثم انفراط عقد اتحاده الفدرالي .

وحتى لا تختطف ثمرات حراك الشعب الجزائري السلمي كما حدث في موجته الأولى (الثورة المجيدة 01 نوفمبر 1954 )أو موجته الثانية في 05 اكتوبر 1988 فاننا نعرض دروس التجارب العالمية للعبرة واستخلاص الدروس سواء كان الأمر يتعلق بالانظمة والجيش خاصة أو تعلق الأمر بالشعوب والنخب السياسية على اعتبار أن الهبة الشعبية الجزائرية اليوم هي فرصة الفرص لتحقيق الوثبة الوطنية وتجسيد النهضة الشاملة واهدراها تخت ذريعة ليس في الامكان ابدع مما كان هو جريمة حضارية بامتياز سيتحملها جيل كامل اذا ماحدثت خيبة الامل والانتكاسة لاسمح الله .

ومن خلال مراجعة الأدبيات التي نشأت لدراسة عمليات الانتقال إلى الديمقراطية حول العالم، يمكن استخلاص بعض الأفكار والملاحظات والدروس :

أولاً: إن إلحاق الهزيمة بنظام سلطوي لا يعني الوصول إلى الديمقراطية. فالكثير من دول العالم أطاحت نظماً سلطوية، لكنها انحدرت إلى الحرب الأهلية، أو انضمت إلى خانة الدول المنهارة، أو استُبدِلت بديكتاتورية أخرى. لقد مرّت أميركا اللاتينية، وأوروبا، وإفريقيا، وحتى العالم العربي، في مراحل مبكِّرة من الدمقرطة، لكن الكثير من حكوماتها الديمقراطية ضعفت وانهارت في وجه تحديات أكبر. ثمة خطر من هذا النوع الآن مثلاً في ليبيا واليمن وسورية.

ثانياً: إن طبيعة البنى السياسية والاجتماعية – الاقتصادية السابقة في البلد مهمة جداً،فالأهم هو الوحدة الوطنية على اعتبار أن الديمقراطية هي حكم الشعب، وإذا لم يكن ثمة اتفاق عمّن هو «الشعب»، فسيكون من الصعب للغاية إقامة ديمقراطية مستقرة. إن ضعف الوحدة الوطنية افسد تجربة الديمقراطية في لبنان والعراق ويتهدد المشروع الديمقراطي في مصر وليبيا واليمن وسورية.

علاوة على الوحدة الوطنية، تتطلّب الديمقراطية المستقرة إرثاً من تقاليد دستورية وقانونية، ومؤسسات انتخابية، وتعددية سياسية، وبيروقراطية فاعلة، ومؤسسات أمن قومي، ومجتمعاً مدنياً حيوياً، وسلطة قضائية قائمة، وإعلاماً حراً، ومؤسسات النشاط الاقتصادي الحر المقنّن. وفي البلدان التي كان يوجد فيها الكثير من هذه المؤسسات في الأنظمة السابقة، فإن إقامة الديمقراطية كانت أمراً أكثر يُسراً من بلدان تفتقد هذا الماضي.

ثالثاً: إن طريقة أفول النظام السابق والتحرّك نحو عملية الانتقال مهمة أيضاً. فحيث يظهر التغيير بسبب قرار من داخل النظام نفسه (كما في حالة البرازيل والبرتغال وإسبانيا واليونان) يحتمل أن تكون عملية الانتقال أكثر سلاسة وديمومة. ليس لدينا في ربيعنا العربي مثل هذه الظاهرة، لكن لدينا شيء قريب منها، فحالما نشبت الانتفاضات، على سبيل المثال في مصر وتونس، أدركت القوات المسلحة أنه يتعيَّن تفكيك الديكتاتورية، وأن مصلحتها تكمن إلى حد كبير في أن تكون جزءاً من عملية التحوّل كي لا تكون ضحيّتها. لكن الخطر هنا هو أن على رغم أن ذلك يساعد على ضمان قسط من الأمن والاستقرار خلال عملية الانتقال، إلا أنه قد يعرِّض عملية الدمقرطة نفسها إلى الخطر، لأن المؤسسة العسكرية قد تُصر على الحصول على حصة مستقلة من السلطة السياسية، وقد تقاوم الرقابة الديموقراطية عليها وهو ماحدث فعلا في التجربة المصرية للانتقال الديمقراطي فلم يأخذ حصة بل أخذت كل الحصة.

وتقول التجارب العالمية أيضاً انه في بعض الحالات، حيث يكون الانتقال نتيجة انتفاضة شعبية، تكون المحصلات مختلفة للغاية اعتماداً على ما إذا كانت الانتفاضات سلمية أو مسلّحة، موحّدة أو متشظية. ففي الحالات التي تكون فيها الانتفاضات سلمية، كما في معظم أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية والفيليبين…، كانت عمليات الانتقال أكثر ديمومة، حيث تم الحفاظ على احتكار الدولة للقوة المسلحة وبقيت السياسة غير عنفية. وفي الحالات التي كانت فيها الانتفاضات مسلحة كما في كوستاريكا أو بوليفيا أو حتى في كوبا كاسترو، انتهى الأمر بالنخب الحاكمة الجديدة إلى الاعتماد على القوة المسلحة والإخضاع بالقوة للحفاظ على السلطة( 26).

رابعاً: ما يعتبر ذا أهمية بالغة في التجارب العالمية هو نجاح أو فشل مراحل الانتقال الديمقراطي التي تتضمَّن مفترقات طرق رئيسة كوضع دستور جديد وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة. حيث تُبيِّن تجارب الآخرين أن آلية تعديل أو صياغة الدستور هي تقريباً بأهمية مضمونه. ففي مجال آلية التعديل، إن لم يأتِ هذا كحصيلة لمشاورات واسعة وآلية متوافق عليها وقبول شعبي عام، فقد يُعتبر أفضل الدساتير غير شرعي وقد يفشل في لعب دوره كوثيقة ناظمة للحياة السياسية. وفي ما يتعلَّق بالمضمون، اختارت معظم البلدان في الفترة الأولى التي تلت المرحلة الانتقالية الأنظمة البرلمانية لا الرئاسية. هذه كانت الحال، على سبيل المثال، بالنسبة إلى معظم الدول في أوروبا الوسطى التي انتقلت من السلطوية الشيوعية إلى الديمقراطية. والسبب هو أنه في الأنظمة البرلمانية تشعر معظم الأحزاب بأنها معتبَرة ومشاركة، هذا في حين أنه في الأنظمة الرئاسية ثمة خطر من إعادة تمركز السلطة، وينتهي الأمر بالكثير من الأحزاب بأن تشعر بأنها استُبعِدت وهُمِّشت ثانية. هذا لا يعني أن الأنظمة الرئاسية لا تستطيع النجاح في تعزيز العملية الانتقالية، لكن يتعيّن عليها أن تبذل جهوداً مضاعفة لضم مختلف الأحزاب إلى حكوماتها.

إما في ما يتعلق بالانتخابات، فيتبيّن من تجارب الآخرين أن عملية إدارة الانتخابات هي أيضاً بأهمية الأنظمة الانتخابية. فقد لا تكون الانتخابات جديدة للبلاد – والواقع أن الكثير من الحكومات السلطوية في العالم العربي وأماكن أخرى أجرت انتخابات مراراً – لكن أهمية هذه الانتخابات الجديدة هي أنها يجب أن تجرى في بيئة عادلة وحرّة بإشراف هيئة محايدة وموثوقة، وتستند إلى قوائم ناخبين صحيحة، وتؤدي إلى نتائج يمكن فرزها بطريقة شفافة.

وبخصوص الأنظمة الانتخابية، فإن معظم بلدان ما بعد المرحلة الانتقالية اختار التمثيل النسبي لا النظام الأكثري. ففي هذه البلدان، لم تكن للمجتمع في السابق فرصة لتنظيم نفسه سياسياً، فيما نخب النظام السابق توافرت لها عقود مديدة لتعزيز قوتها وقواعد دعمها بطريقة زبائنية. لذا، فإن التمثيل النسبي يسمح بتفتُّح الحياة السياسية وازدهارها، كما يسفر عن دمج أوسع بكثير للمجتمع في مؤسسات الدولة الديمقراطية الجديدة.

بالخلاصة السريعة، إن تجارب دول العالم لا تقدِّم صيغة جاهزة أو وصفة سحرية للانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، لكنها تؤكد أهمية الوحدة الوطنية وتطوّر المؤسسات السياسية والمدنية والإعلامية والاقتصادية، وحسن التعاطي مع تحدي التغيير الدستوري والانتخابات وخطر العمل السياسي المسلح. وتاريخ النمو الديمقراطي في العالم يعطينا الثقة بأن رياح التاريخ تجري كما تشتهي سفن شعوبنا، وأن تجارب الآخرين متاحة لنا للمقارنة والاستفادة حيث كان ذلك مناسباً. ومن دواعي اعتزازنا أن تكون شعوبنا العربية اليوم هي الرائدة في استكمال كتابة مسيرة الديمقراطية وحقوق الإنسان، لا أن تكون متفرِّجة عليها عن بعد، كما كانت في معظم العقود السالفة .

تعليق