صدر للدكتور عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السّلم على هامش المعرض الدولي للكتاب لهذه السنة (2019م/1441هـ) 03 كتب عن دار الخلدونية وهي: فكرنا السياسي، قبل الحراك.. عن التيه الحكومي والبدائل المنشودة، ومبادرات حلّ الأزمات (1990 – 2019م) .. السياقات – الفواعل – والنّصوص.                                                                                                                         ولعلّ هذا الكتاب الأخير: مبادراتُ حلّ الأزمات، هو أهمّ هذه الكتب من الناحية التأريخية، التي تعبّر عن الهوية الفكرية والسلوك السّياسي للحركة منذ نشأتها، وترسم الشخصية السياسية عنها كحركةٍ فاعلة ومبادِرة، وكقوّةٍ حقيقية في المعادلة السياسية، وكفاعلٍ رئيسي مدركٍ للواقع، عليم بخلفياته، له تصوراتٌ واضحة للتشخيص وتقديم الحلول، وقد أثْرَت هذه المبادرات رصيدها التاريخي وتجربتها السياسية، ورسمت مسارًا للإصلاح السياسي والاجتماعي، وأجابت عن احتياجات كلّ لحظةٍ تاريخية مرّت بها البلاد، وكرّست ثقافة الصّلح والإصلاح والمصالحة والتوافق، وهي تزاوج بين فقه الدعوة وفقه الدولة، وأبطلت تلك التهمة الجاهزة عن الطبقة السياسية أنها عاجزة عن تقديم الحلول والبدائل والبرامج والمبادرات.                                                                                                                        وهي وإنْ لم تحقّق أهدافها المباشرة إلاّ أنها حقّقت أهدافًا استراتيجية، لا تُقاس بعمر الأفراد كلحظاتٍ جامدةٍ أو مجتزأة، بل تُقاس بعمر الدولة والأمة في تاريخٍ متحرّك ووفق نظرة كلّية، تدخل ضمن البناء التراكمي في حفظ الوطن من الانقسام والدولة من الانهيار والمؤسّسات من الزّوال.

وقد تعدّدت مبادرات حركة مجتمع السّلم منذ بداية الانفتاح السياسي، على إثر دستور 23 فيفري 1989م، مع أوّل تمظهرٍ قانونيٍّ وعلني للحركة باسم: جمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية.

وهي مبادرات فردية وجماعية، ومنها ما هو مشروعٌ موجّهٌ للتشاور وبناء المواقف المشتركة، ومنها ما هو رسائلٌ ومذكراتٌ موجّهة للمسؤولين والمؤسّسات الرّسمية، بعضها نُشر، وبعضها يُنشر لأوّل مرّة. وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه لا يكتفي بالسّرد النّصي للمبادرات فقط، بل يتطرّق إلى سياقاتها السياسية والظروف والخلفيات والملابسات التي وردت فيها، وكذا الأطراف والفواعل المعنية بها، مع التحاليل والاستنتاجات المتعلقة بها، وقد تمّ تقسيم هذا الكتاب إلى 05 فصول، وسيقتصر هذا المقال في جزئه الأول على الفصل الأول، والذي يلخّص لنا مبادرات حركة مجتمع السلم ومساهماتها بين سنوات 1990 – 2012م، وتتمثل هذه المبادرات خلال هذه القطعة الزمنية التاريخية في 09 مبادرات، وهي:                                                                                                                                                    1/ مبادرة التحالف الوطني الإسلامي سنة 1990م: وهي باكورة المبادرات السياسية بعد بروز إرهاصات الأزمة، والتي كانت باسم جمعية الإرشاد والإصلاح، وبقيادة الشيخ الرئيس المؤسِّس محفوظ نحناح – عليه رحمة الله، والتي تدلّ على التجديد المبكّر للفكر السّياسي الإسلامي قبل تأسيس الحركة كحزب، على اعتبار أنّ تياراتٍ علمانية تغريبية واستئصالية مرتبطة بالاستعمار القديم تستغل الوضع لتعقيد الأزمة والتحكّم في المعادلة، وأنه ليس من مصلحة التيار الوطني والتيار الإسلامي الدخول في صراعاتٍ عدمية تضرّ بالاستقرار والهوية والسّيادة الوطنية. إلا أنّ هذه المبادرة لم ترَ النور بسبب موجة التطرّف التي طغَت على السّاحة، وارتفع شعارٌ يستنند إلى الحديث النبوي الشريف: “لا حِلف في الإسلام” ليغتال هذه المبادرة بالتعسّف في استعمال النّصوص الدّينية في غير محلّها، وينفجر الصّراع الدموي الذي غذّاه مكَرَة العلمانيين الاستئصاليين وغباء الإسلاميين المتطرّفين.                                                                                                           2/ مبادرات وَحدة التيار الإسلامي سنتي 1991, 1992م: فقد أثّرت انتفاضة 05 أكتوبر 1988م في معادلة الحركة الإسلامية، إذ سارع الدكتور عباسي مدني والشيخ علي بلحاج إلى تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ قبل الجماعات الإسلامية الأكثر تنظيمًا في عهد السّرية، وهي: جماعة الشيخ محفوظ نحناح عليه رحمة الله، وجماعة الشيخ عبد الله جاب الله، وجماعة محمد بوجلخة (جماعة الجزأرة)، فاتّجهت الحركة إلى إطلاق مبادرةٍ لوَحدة التيار الإسلامي، والتي انتهت إلى المبادرة التاريخية التي كان يرعاها الشيخ أحمد سحنون عليه رحمة الله، والمتمثلة في رابطة الدعوة الإسلامية سنة 1988م، كفضاءٍ تشاوري وتنسيقي لقادة التيار الإسلامي، من حيث الرؤية وخطة إدارة الصّراع.

وقد سبقتها محاولاتٌ لتوحيد الصفّ الإسلامي، والتي كان محورها الشيخ أحمد بوساق بين سنوات1983و1987م.

وكانت هناك محاولةٌ جمعت قادة الصف الثاني بوهران في ماي 1991م، وحضرها عن الحركة الدكتور عبد الرزاق مقري والدكتور عبد القادر سمّاري، وتمّ التوقيع على اتفاقٍ مكتوب، إلا أنّ أحداث ساحة أول ماي في 02 جوان 1991م بعد الإضراب المفتوح والمشهور للجبهة الإسلامية للإنقاذ عصفت بهذه المبادرة .                                                                                                             3/ مبادرة نداء السّلام الوطني في فيفري 1992م: والتي أُطلقت في مرحلةٍ حسّاسة وخطيرة من التاريخ السياسي الجزائري بعد الانفتاح، وهي مرحلة إلغاء المسار الإنتخابي في جانفي 1992م، فكانت هذه المبادرة استشرافا للأزمة، التي تُختزل في انغلاق الأفق السياسي والتراجع عن مكتسبات الحريات والشرعية الدستورية، والانحراف نحو التبعية والاستبداد والآحادية، والانزلاق نحو إراقة الدماء.

4/ مبادرة مجموعة السّبعة: وهي مبادرةٌ جماعية، جمعت بعض الأحزاب والشّخصيات الوطنية، وهي: أحمد بن بلة، محفوظ نحناح، سليمان عميرات، قاصدري مرباح، عبد الله جاب الله، نورالدّين بوكروح، حميدي خوجة.

وقد أُطلقت المبادرة بعد الاجتماع الذي انعقد يوم 25 أبريل 1992م، وكان من أهم مطالبها: فتح الحوار الوطني، والرّجوع إلى الشرعية الدستورية، والعودة إلى المسار الإنتخابي، وتشكيل حكومة مصالحة وطنية، واحترام الحرّيات، وفتح الإعلام العمومي.

5/ مبادرة الصّلح الوطني في مارس 1995م: وهي مبادرة فردية من الحركة، بعد الانفلات الأمني والتورّط في الصراع الدموي بين السلطة والفيس، وتراجع الحريات تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

وقد جاءت هذه المبادرة بعد فشل مبادرتين كبيرتين هما: ندوة الوفاق الوطني التي نظمتها السلطة يومي: 25, 26 جانفي 1994م، والتي حاولت فرض عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا للدولة برؤية فوقية وآحادية، ثم انتهى الأمر إلى تعيين الجنرال زروال رئيسًا لها، ومبادرة عقد روما بسانت إيجيديو في 13 جانفي 1995م، والتي سقطت كذلك في الذّهنية الإقصائية، ممّا دفع بالحركة إلى الانسحاب منهما.

وقد نصّت مبادرة الصّلح الوطني على: فتح الحوار الجادّ والشامل، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وغلق المراكز الأمنية كلّيا، وتشكيل لجنة وطنية مشتركة بين السلطة والأحزاب والمنظمات، وحماية الجيش للمتفق عليه.

6/ مبادرة الجدار الوطني 1997م: بعد فشل المبادرات السابقة كان لزاما على الحركة التوجه نحو الشرعية الشعبية والإصرار على العودة إلى المسار الإنتخابي، فشاركت في رئاسيات 1995م، التي فاز بها الشيخ محفوظ نحناح عليه رحمة الله لولا التزوير العلني والمفضوح وبالقوة، ثم شاركت في تشريعيات ومحليات 1997م وعاد الجميع للمشاركة في هذا المسار الانتخابي بعد استنكاره على الحركة في الرئاسيات السابقة، وتم التزوير الفضيع لصالح الحزب الذي وُلِد “بشلاغمو” وهو الأرندي، وإلى جانب هذه الفضيحة في شرعية السلطة، فقد كانت سنوات: 95, 96, 97 سنوات التفجيرات والاغتيالات والمجازر المروّعة، مثل: مجزرة الرايس وبني مسوس وبن طلحة، بالرغم من كونها معاقلا للتيار الإسلامي وقربها من الثكنات العسكرية، وهو ما أدخل الشكّ في الجهة المسؤولة عنها، وأنها انعكاسٌ للصراع داخل السلطة بين الرئيس زروال ومساعيه للحوار وإعادة دمج الفيس في العمل السياسي ونبذ العنف، وبين جنرالات الدم وانقلابيو جانفي 1992، مما أدّى إلى استقالة زروال في سبتمبر 1998م.

وقد تعالت أصواتٌ لتدويل القضية الجزائرية، بحجّة حماية المدنيين وحقوق الإنسان، وقد تمّ الاتفاق بين الحكومة والأمم المتحدة بإرسال فريقٍ للاستطلاع، والذي ضمّ صهيونيين معروفين، أحدهما وأشهرهما: برنار هنري ليفي، وقد برّؤوا ساحة النظام من هذه المجازر، إلا أنّ الثمن هو المزيد من الضغط والابتزاز والتحكّم من جنرالات فرنسا في السّلطة والحكم.

في ظلّ هذه الظروف جاءت مبادرة الجدار الوطني، بسبب انهيار الثقة بتزوير الانتخابات، وبسبب الانهيارات الأمنية بالمجازر الفضيعة، وبسبب الأزمة الاقتصادية لانهيار أسعار البترول وثقل المديونية الخارجية واشتراطات صندوق النقد الدولي، وبسبب مظاهر التدخل الأجنبي وابتزاز القوى الاستعمارية بملف المجازر وحقوق الإنسان.

7/ مبادرة التنسيقية الوطنية لمكافحة التطبيع والتمدّد الصهيوني: والتي شارك فيها الشيخ عبد الرحمان شيبان وعبد العزيز بلخادم وخالد بن اسماعيل والدكتور عبد الرزاق مقري وممثلي بعض الأحزاب والمنظمات والنقابات وبعض الأصلاء من جبهة التحرير وبعض المجاهدين، وكان السبب المباشر لإطلاق هذه المبادرة هي المصافحة الشهيرة بين بوتفليقة وإيهود باراك في جنازة الحسن الثاني يوم 25 جويلية 1999م بالمغرب، ودعوته للمغني الصهيوني أنريكو ماسياس و 200 شخص معه لتنظيم حفلة في قسنطينة، وهي الزيارة التي اعتُبرت عملية تطبيعية يجب مقاومتها، وكان من نتائج هذه المبادرة الإطاحة بهذه الزيارة وتوقيف المد التطبيعي، وارتفاع الحسّ الوطني للعمل الفلسطيني، وتشكلت لجان ومبادرات وفضاءات شعبية وتنظيم قوافل كسر الحصار عن غزة، والمشاركة في أساطيل الحرية ونشاط فرع الجزائر لمؤسسة القدس الدولية.

8/ مبادرة فساد قف سنة 2006م: وهي المبادرة التي جاءت ضمن ظروف البحبوحة المالية، والتي تأجّج فيها الفساد وانتشر أفقيًّا وعموديًّا، وكانت الحكومة ذاتُها طرفًا أساسيًّا في التمكين لشبكات الفساد بسبب اختلال موازين القوة لصالحها داخل منظومة الحكم، فأظهرت الحركة شجاعة وجرأة في التبليغ عن الفساد وتجميع ملفاته رغم أنها مشارِكةٌ في الحكومة، وهو ما صرّح به رئيس الحركة آنذاك الشيخ أبوجرة سلطاني، رغم حساسية هذا الملف، ورمزية الجهة المبادِرة ضدّه، وعدم قدرة الحركة على المضي فيه إلى الآخِر، وهي المبادرة التي سقطت بمجرد انتفاضة بوتفليقة ضدّها في خطابه أمام ولاة الجمهورية بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد يوم 09 ديسمبر 2006م بقصر الأمم، لتتوقف فجأة وبشكلٍ كلِّي، إلاّ أنها فضحت مَن يزايدون الآن على غيرهم في مكافحة الفساد، وقد سكتوا جميعًا يومها عن هذا الملف الخطير والمدمّر للاقتصاد ولمقدّرات البلاد.

9/ مجموعة الدفاع عن الذاكرة والسيادة أو ما سُمّيت بمجموعة 14: وهي المبادرة ذات القيمة الأخلاقية الكبيرة، والتي تأسّست في ديسمبر 2012م، قبيل زيارة الرئيس الفرنسي هولاند إلى الجزائر. فمن التحولات الكبيرة التي رافقت وصول بوتفليقة إلى الحكم بروز أمارات تهديد السيادة الوطنية والتطبيع مع العدو الصهيوني وزيادة النفوذ الفرنسي، إذ أصبحت اللغة الفرنسية هي لغة التخاطب لدى المسؤولين حتى مع المواطنين، إضافة إلى تنامي المصالح الفرنسية بسبب البحبوحة المالية، والتي أصبحت في خدمة الاقتصاد الفرنسي، إضافة إلى ملف الذاكرة، ودعوة فرنسا للاعتراف بجرائمها والاعتذار والتعويض عنها، وكذا قانون تجريم الاستعمار، وملف الإشعاعات النووية، وخرائط الألغام، وملف الأرشيف الوطني والأموال والآثار المنهوبة، وملف الحركى والأقدام السوداء، وملف الاستثمارات الفرنسية في الجزائر، وهيمنة اللغة الفرنسية على حساب اللغتين الوطنيتين العربية والأمازيغية، وقضية فتح المجال الجوي للطائرات الفرنسية للعدوان على الدولة الشقيقة والجارة مالي.

تعليق