حزب فرنسا الحاكم في الجزائر (2)

ديغول واستراتيجية الاستعمار الجديد ..

“الجزائر الجزائرية” و “القوة الثالثة”

بعد وصول “ديغول” إلى الحكم عقب انقلاب: 13 ماي 1958م، سعى إلى ترجمة استراتيجيةٍ شاملة للانتقال إلى “الاستعمار الجديد”، بعد قناعته الحتمية باستقلال “الجزائر” حتى لا تبتعد كثيرا عن فرنسا (سياسيا واقتصاديا وثقافيا)، ولا يختلف المؤرخون في أن الطاقة الهجومية التي خاضها “ديغول” ضدّ الثورة التحريرية هي “الأكثر ضراوة والأشد عنفا”، والتي لم يسبق لها مثيل في السياسة القمعية والوحشية، في محاولةٍ منه إلى استنزاف الدّم الجزائري، ولكنه في نفس الوقت كان يسعى إلى “الانحراف” بالثورة عن مسارها الذي رسمه “بيان أول نوفمبر 1954م”، وكانت هذه الاستراتيجية تهدف إلى تعزيز الحضور والنفوذ الفرنسي في الجزائر بعد “الاستقلال الشكلي والملغّم” وإلى الأبد، وذلك وفق استراتيجية تجسّد مشروعا خبيثا يحمل شعارا مغريا وجذّابا اسمه: “الجزائر الجزائرية” للتجديد والتمايز عن المشروع القديم: “الجزائر فرنسية”، لاستدراج الجزائريين (مدنيين وعسكريين) وتفريغ “جبهة وجيش التحرير الوطني” من عمقهما الحقيقي، عبر ما سُمّيَّ بـ: “القوة الثالثة”، وذلك بتنظيم عمليات التسلّل والاختراق للثورة عن طريق: “الفارّين من الجيش الفرنسي” وخاصة بين سنوات: 1958 و 1961م.

_ “الجزائر الجزائرية”: يؤكد “المؤرخون الفرنسيون” أن “ديغول” اقتنع – منذ مدّة – بمبدأ وحتمية استقلال الجزائر، فبدأ في وضع وتنفيذ مشروع “الاستعمار الجديد” تحت عنوان: “الجزائر الجزائرية” كإسمٍ جذّابٍ وملتبس، ويمثّل هذا المصطلح: الخلفية الفكرية والإيديولوجية والسياسية للاستعمار الجديد، ويبدو هذا المشروع في ظاهره أنّه لا يشكّل حرجا للمنخرطين فيه بحسن نيّة أو بسوئها، فلا يمكن وصفهم بعملاء فرنسا وخدّامها، ولكنه كان يهدف في جوهره إلى فصل “الجزائر” عن أمازيغيتها وعروبتها وإسلامها، ولذلك نجد الآن مَن يدعو إلى “اللّغة الجزائرية” أو ” اللّهجة العامّية” كبديلٍ عن “اللغة العربية الفصحى”؟؟.

تبدو فرنسا بهذا المشروع أنها تقبل بمبدأ استقلال الجزائر، ولكنه استقلالٌ شكلي وملغّم ومفرّغ من محتواه، عندما تُفصل عن أبعادها وعمقها الحضاري (الإسلام، العربية، والأمازيغية) وتبقى مشدودة عضويا بفرنسا وخاصة في المجالات والقطاعات الاستراتيجية عبر “التعاون والتشارك” معها، ولذلك نرى الحرص على “الإشعاع الثقافي الفرنسي” وهيمنة اللغة الفرنسية كـ: “غنيمة حرب”، وكخلفية إيديولوجية وليست كضرورةٍ “علمية وتكنولوجية”، واغتيال “اللغة العربية” في عقر دارها على مذابح “اتفاقيات إيفيان”، وبالمقابل يتمّ عزل “الإسلام” تحت غطاء “مدنية الدولة” وفصل الدّين عنها، كما سيتعلق البعض بالفرنسية أكثر من “الأمازيغية” التي لا بواكي لها، وسيؤجّل تحقيق أهداف الثورة إلى أجلٍ غير مسمّى، والمنصوص عليها في بيان أول نوفمبر بـ: “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية”.

_ “القوة المحلية” أو “جيش الجزائر الجزائرية”: كان لخطاب “ديغول” للحكومة الفرنسية في سبتمبر 1959م حول تقرير مصير الجزائر إشارة الانطلاقة في تشكيل النواة الصّلبة “للقوة المحلية” التي ستمثّل “حزب فرنسا الحاكم في الجزائر”، حسب “اتفاقيات إيفيان”، والتي تتشكّل من:

1/ الحرْكيين: وهي وحداتٌ إضافية من “الفرنسيين المسلمين” كسكّانٍ أصليين عارفين بالميدان للقتال بنجاعةٍ ضدّ “جبهة التحرير” و “جيش التحرير الوطني”، وقد بلغ عددهم بين (1954 و 1962) حوالي: 200 ألف حسب وزارة الجيوش الفرنسية، والذين كانوا يتقاضون مرتّبات زهيدة مقارنة بالجنود الفرنسيين وبمهماتهم الخطيرة، حيث كانوا يتقاضون: 750 فرنكا شهريا، كما أنهم تُركوا لمصيرهم بعد الاستقلال ولم يسمح إلا لحوالي: 05% منهم للالتحاق نهائيا بفرنسا، بينما طُلب من الآخرين “بتنظيم إعادة دمجهم اجتماعيا” وإبقائهم تحت حماية الجيش الفرنسي لمدة: 06 أشهر كأعوانٍ مدنيين متعاقدين، أو دمجهم في “القوة المحلية” (حزب فرنسا القادم).

2/ المخازنية: ففي سنة: 1955 تمّ إنشاء أولى الأقسام الإدارية المتخصصة ( SAS:LA ) كنوعٍ من تطوير النشاطات البسيكولوجية وربط العلاقات المباشرة والمتعدّدة بين الجيش الفرنسي والشعب الجزائري، وقطع الطريق عن “جبهة التحرير الوطني” وتجذّرها في الأوساط الشعبية.

وتتحرّك هذه الأقسام على: 04 محاور أساسية: سياسية واجتماعية وإدارية وعسكرية قصد استعادة التحكّم في السّكان، وجعلهم موضع “الثقة” في فرنسا، والتجنيد والجمع المنظّم للمعلومات عن الثورة.

وفي سنة:1956 بلغ عدد هذه الأقسام: 680 قسما موزّعا على: 13 عمالة، تشغّل حوالي: 20 ألف مخزني..

3/ المفارز المتنقلة للحماية الريفية (GMPR): والتي أصبحت تسمى سنة:1956م “المفارز المتنقلة للأمن (GMS)، وتتمثل مهمتها في التدخل والحماية والحفاظ على الأمن، خاصة في الأماكن التي لا تحوز على التغطية الكافية للجيش الفرنسي من أجل حماية المؤسسات والشخصيات العمومية، ويقدّر عدد أفرادها سنة: 1962 بـ: 10 آلاف..

4/ مفارز الدّفاع الذاتي (GAD): وهي امتدادٌ للجيش الفرنسي، وهو مَن يقوم بتسليحها، وتقوم بمنع “جبهة وجيش التحرير الوطني” من دخول المداشر والقرى والمزارع للتموين وجمع المعلومات للثورة، وبلغ عدد أفرادها سنة: 1962م حوالي: 60 ألف.

وبحسب: 04 مصادر مختلفة فإن مجموع العسكريين والإضافيين (الفرنسيين – المسلمين) المتعاونين مع فرنسا في مارس: 1962م يتراوح عددهم بين (180 ألف و: 225 ألف).

بعد تشكيل “القوّة المحلية” المنصوص عليها في “اتفاقيات إيفيان”، تمّ انتقاء: 60 ألفا وبعنايةٍ مركّزةٍ من بين هذه الوحدات السابقة، وهم الأشدُّ ولاءً والأكثر إخلاصا لفرنسا، وهي النواة الصّلبة لـ: “حزب فرنسا الحاكم في الجزائر” بعد هذا “الاستقلال الملغّم”.

وهكذا وبعد أن أخفقت فرنسا في تكسير “جبهة وجيش التحرير الوطنييْن” في حربٍ هي الأكثر ضراوةً والأشدّ قسوةً في العصر الحديث، اتجهت وبكلّ برودةٍ إلى تكييف استراتيجيتها لتشكيل هذه “القوة المحلية” من المتعاونين معها، بعد أن ضبطت خطة اختراق “جيش التحرير الوطني” من طرف هؤلاء “الفارين” من الجيش الفرنسي، وتهيئتهم – في اللّحظة المناسبة – للإشراف على قيادة أهم مؤسسة استراتيجية ستحكم “الجزائر” بعد الاستقلال..

المشكلة ليست في كلّ “القوة المحلية”، فقد فشلت وحُلّت بعد إصرار ورفض “جبهة وجيش التحرير الوطني” لها، وعاد بعض أفرادها إلى بيوتهم تاركين وراءهم العتاد العسكري، والتحق البعض الآخر بفرنسا مباشرة، ولكن المشكلة في الذين تمّ دمجهم في “الجيش الوطني الشعبي”.

في الجزء 03: أبطال الاستعمار الجديد .. اختراق جيش التحرير واستغلال الأزمة بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة.

تعليق