حالةٌ من التدفّق، وإصرارٌ على التغيير، وبصمةٌ من السّلمية، ولمسةٌ من الفاعلية، وزخمٌ من المليونية، وتميّزٌ في الفجائية هي السّمات البارزة التي طبعت الحَراك الشّعبي الجزائري، الذي انطلقت شرارته وطنيًّا يوم 22 فيفري 2019م، وسيكون تاريخ اليوم السبت 22 فيفري 2020م الذكرى السنوية الأولى لهذا الحَراك الشّعبي المبارك.

وعادة ما يتمّ الاستعجال بقطف ثمار الثورات الشّعبية، والاعتقاد السّاذج بأنّ المطالب السياسية والأساسية يمكن إنجازها جملة واحدة، دون احتساب ميزان القوى المؤثرة والفاعلة فيها، وخاصة أنّ هذه الثورات التي تهيمن عليها الشعارات العامّة والعواطف الجيّاشة تفتقد للرّموز القيادية الموحِّدة وللمشروع الملهِم الموحَّد وللرّؤية السّياسية الجذّابة، فأيّ ثورةٍ لابدّ لها من شرارةٍ فكريةٍ جاذبة، تغري الجماهير بعُمقها الأخلاقي وتسدّد مسارها الثوري، مهما كانت مسالكها المتشابكة مع العوائق والمزالق.

ومع ذلك فإنه من السّابق لأوانه الاستعجال بمقولات فشل الحرَاك الشعبي، وأنه مهما كانت التطوّرات سريعةً أم متباطئة، ومهما كانت متناغمةً مع أشواق الشعب أو مجروحةً بأشواك النّظام فإنّ المؤكد بأنّ ما بعد هذه الهبّة الشعبية لن يكون متصالحًا مع ما قبلها، وأنّ الفعل الثوري المفعم بالأمل لن يسمح بتجاوز لحظة الاستفاقة بهيمنة الألم.

فسُنّة التغيير المطّردة لا يمكنها أن تعلن الحرب على التاريخ، لأنّه سلسلةٌ من الفعل الإنساني المستمر، وأنّ الموضوعية العلمية لن تقبل بالحكم على الأحداث وكأنها لحظاتٌ زمنيةٌ مجتزأة أو جامدة.

فالحقيقة التاريخية تؤكّد أنّ التغيير عبر الإرادة الجمْعية للشّعوب لا يمكن مصادمتها أو النّجاح في الانقلاب عليها، وأنّ عمر الحَراك الشعبي سيكون طويلا وليس مجردَ طفرةٍ آنيةٍ أو لحظةٍ عابرة كفصلٍ من فصول السّنة، فهو وعيٌّ سياسي لحركةٍ تاريخيةٍ كبرى تؤسِّس لمرحلةٍ جديدةٍ لهذه الأمّة الممتدّة.

ومهما تعرّض إلى انتكاساتٍ أو تلوّنت أيامُه بخيباتٍ بسبب تصادم الإرادات وتدافع المصالح وتشابك العلاقات المؤثّرة في الفرصة التغييرية فإنّ حركيته النوعية والكمّية ستبقى مستمرةً ومتفاعلة.

إذ لا نعرف في التاريخ ثورةً سريعةً وناجزةً حقّقت كلَّ أهدافها بقليلٍ من التضحية وكثيرٍ من السّذاجة، وأنّ تجارب الرّبيع العربي أثبتت أنّ الثورات المضادّة ليست هي مَن تكتب الفصل الأخير للتغيير.

فالحَراك الشّعبي تحوّلٌ عميقٌ ومنعطفٌ جذري في الوعي الشّعبي، يصرُّ على الحرّية والديمقراطية والكرامة الإنسانية مهما تضخّم ثمن الحرّية وتأجّل تحقيق النّصر المنشود.

لكنّ هذه الرّومانسية اتجاه الحَراك الشعبي لن تغتال الموضوعية العلمية في رصد هذه الظاهرة السياسية، والوقوف على حالات الإخفاق والنجاح له، فقد أبان على ملامح سياسية إيجابية، ولكنّها كانت مجروحةً بأشواكٍ من الملامح السّلبية الخادشة.                                                                                                                      فالأحداث التي تبلورت والتحوّلات التي ارتسمت تستدعي منّا الحاجة إلى إعادة النظر بطريقةٍ تحليلية – وليست وصفية – من أجل التفسير الموضوعي لها، والوقوف على النتائج التي آلت إليها، ومعرفة الأدوات التحليلية والمعايير المعرفية لذلك، وقد تمّ استقراء 04 معايير حاكمة في نجاح الثورات الشّعبية أو فشلها، وهي:

1/ كسر حاجز الخوف: الذي طالما اغتال روح المبادرة وقوة الرّغبة وفاعلية الإرادة في التغيير.

2/ قوّة السّلمية: وخاصّة أنّ إمكانات الثورة الشعبية لا تقارَن مع الجاهزية العسكرية والأمنية والإعلامية والمالية للنظام، وأنّ اللّجوء إلى العنف في التغيير لن يصبّ إلاّ في مصلحة السّلطة، التي تجد في مبرّر مكافحة العنف والإرهاب الشّرعية البديلة في ضمان نصاب البقاء في الحكم.                                                                                              3/ وَحدة الحَراك الشعبي: بتلاحم مكوناته ووضوح مشروعه ودقّة مطالبه ورمزية شعاراته.

4/ مدى تناغم موقف الجيش من الحَراك الشعبي: وهو ما يجعل موقف المؤسسة العسكرية – إيجابًا أو سلبًا – من أهمّ محدّدات نجاح الحَراك الشّعبي أو فشله.

وهي المعايير الأربعة التي ما إنْ اجتمعت إلاّ وأينعت نتائجه وتفتّحت آفاقه وتحقّقت أهدافه.

ومع أنّه لا يزعم أحدٌ الإحاطة بجوانب وفواعل هذا الحَراك الشّعبي، والوقوف على أهمّ خلاصاته ونتائجه، ولا الادّعاء باستنباط نظريات سياسية تغييرية مطلقة حوله، إلاّ أنه يمكن رصد بعض الملامح السّلبية والإيجابية له، وهي:

* الملامح السّلبية:                                                                                                 

1_ غياب القيادة الموحّدة والمشروع الجامع والمطالب المتفق عليها: إذ مهما رُوّج لأفضلية عدم تمثيل الحراك الشعبي والقيادة له والحديث باسمه، فإنّ أيَّ مشروع ثوريّ وأيَّ فعلٍ تغييري يفتقد لذلك لا يُكتب له التوفيق، وسيبقى مفتقِدًا للآليات والإجراءات والأدوات التنفيذية للمشروع ولتحقيق أهدافه.

2_ حالة الاستقطاب والانقسام والأنانية: بانفجار الهويّات الفردية والجماعية، وانبعاث الخصوصيات الثقافية والعِرقية والإيديولوجية والحزبية والفئوية، والتي لوّحت في بعض الثورات بمشروع التقسيم، لها نفوذُها الجغرافي وحدودُها الفاصلة، ولها رعاتُها وأتباعُها وأدواتُها.

وهي من الأوتار التي تعزف عليها قوى الثورة المضادّة لتفجير الحَراك الشعبي، وهو ما يتطلب الارتقاء إلى البُعد الوطني، والاصطباغ بالمشترك من القيم السّياسية والإنسانية، والجُنوح إلى التوافق الوطني، وليس إلى المزايدات الشّعبوية أو التنافس السّياسي قبل أوانه.

3_ حالة الاحتقان والتيه: بسبب تسميم الأجواء بالخطابات والوعود شعبوية، واستمرار الوجوه القديمة في قيادة مرحلة الانتقال الديمقراطي، وتصدّرها لتأثيث المشهد العام، وكأنه مقدرٌ على الشعب أن يتعايش دائمًا مع نفس الرّموز التي كانت طرفًا في الأزمة وسببًا في مأساته، بمنظومتها المفلِسة أفقيًّا وعموديًّا، والمفسِدة مركزيًّا ومحليًّا، وهو ما أوحى بحقيقةٍ مرّة وهي تغيير جِلد النظام وإعادة استنساخ ذاته فقط.

4_ الالتفاف على بعض المطالب السياسية الأساسية: وتفويت فرصة التغيير الحقيقي والشامل، باختزال الديمقراطية في بُعدها الإجرائي وهي الإنتخابات، والتضليل بأنّ الاستحقاق بعد أيِّ ثورةٍ شعبيةٍ لملأ الفراغ الدستوري والمؤسّساتي هو المسار الانتخابي ولو كان أعرجًا، تحت ذريعة الاستعجال بطيّ المراحل الانتقالية، دون إدراك الأبعاد الحقيقية والأركان المتعدّدة للديمقراطية، مع احتواء المطالب السياسية بإصلاحاتٍ قد تكون شكلية لا تحقّق الحد الأدنى من مطالب الحَراك، كما حدث مع إصلاحات 2011م والتعديل الدستوري 2016م.

* الملامح الإيجابية:                                                                                                           

1_ الحسم في تدافع الهوية: من طرف الكتلة الجمالية ذات الأغلبية، فتزّين الحراك بالنوفمبرية والوطنية والتاريخية ونصرة القضايا العادلة للأمة وعلى رأسها: فلسطين وضدّ التدخلات الأجنبية.                                                                                                                                                                                                            2_ كسب معركة السّلمية: وذلك بالصّبغة الحضارية لهذا الحَراك الشعبي، إذ حافظ على السّلمية ولم ينزلق إلى أيّ شكلٍ من أشكال العنف المادي، مقارنة مع بلدان الربيع العربي التي تلوّنت أيامُها بلون الدّم، وهو إنجازٌ يُحسب لجميع أطراف المعادلة جيشًا وشعبًا، رغم حالات الاحتقان ومحاولات الاستفزاز واستهدافات الاختراق الآثم.

3_ تنامي الوعي الشّعبي، وانخراط أغلب مكوّنات الشّعب في الفعل السياسي، والاهتمام بالشّأن العام، والرّغبة الجامحة في التغيير، والتجريم الجماعي للعهد البوتفليقي، الذي تميّز بالشّمولية، وارتكز على تعميم الفساد، واستمدّ شرعيته من التزوير، متستّرًا بالغطاء الخارجي.

4_ الإثبات بالدليل الملموس لجدوى المقاومة السياسية وإمكانية التغيير السّلمي، وكسر رموز الفساد مهما بلغوا من النّفوذ والقوّة، وتحطيم تلك الأصنام السّياسية والعسكرية والأمنية والمالية والإعلامية، وإسقاط الوسائط الوهمية للنظام، فكانت عبرةً للغير وأداةً للرّدع.

قد يعتقد البعض أنّ الحَراك لم يحسم معركة التغيير الشامل، إلاّ أنه يبقى الأداة في الضغط وتغيير ميزان القوة لصالح الشّعب، مرجّحًا كفّة صراع البقاء بين السّلطة والشّرعية، مرافقًا للإصلاحات السياسية ومثمّنًا لتراكمية التجربة الديمقراطية.

 

تعليق