ارتفعت أصواتٌ غربيةٌ معترفةً بأنّ زرع الكيان الصهيوني في فلسطين ما هو إلاّ امتدادٌ لسلوكٍ استعماريّ قديم، وهو جزءٌ من محاولةِ حلّ أزمة التاريخ الغربي مع اليهود، وخاصّة بعد رفض تصديرهم إلى أوروبا وأمريكا بعد المحرقة النازية المزعومة (الهولوكوست) خلال الحرب العالمية الأولى، وهو ما اعتُبر تواطؤًا غربيًّا مع النّازية ضدّ اليهود، فكان مشروع الدولة اليهودية القومية هو الخلاص من أزمة الضّمير وعقدة التاريخ اتجاههم، وهكذا تمّ تصدير أزمة اليهود إلينا لنتحمّل عبء هذا الثقل ونعاقب به، بينما يتلوَ الغربُ آياتِ التوبة ويقدّم قرابين التكفير عن خطيئته التاريخية ليخلّص نفسَه وأرضَه من سرطان اليهود كعتادٍ إنسانيّ ونفاياتٍ بشرية غير مرغوبٍ فيها، ونقلهم إلى جغرافيةٍ أخرى هي الأقرب إلى أساطيرهم الدّينية وهي فلسطين.

إلاّ أنّ حقائق التاريخ وأبعاد الجغرافيا تأبى قبول هذا الجسمِ الغريب في جسد الأمّة، وهو ما تطلب جهودًا جبّارة لتطبيع وجود الكيان الصهيوني في المنطقة عبر تغييرات عملاقة، ابتداءً من اتفاقية كامب دايفيد مع مصر سنة 1978م، إلى اعتراف النّاتن – ياهو منذ أيامٍ بقوله: (إنّ إسرائيل تقيم علاقاتٍ سرّية مع العديد من الدول العربية والإسلامية، وأنّ ثلاث دول فقط هي التي لا تقيم علاقاتٍ معنا، وأنّ ما نقوله ليس إلا 10% فقط مما يحدث من علاقات سرّية تجمع إسرائيل بدول عربية.).

لا يُعتبر التطبيع إلا خيانة، ولا تعتبر رائحته إلاّ نتِنة، وهو طعنةٌ في ظهر القضية العقائدية المقدّسة، لكنه يتسلّل ببطء ليخدش الوعي العام، وهو الوباء الخطير المتفشي في جسد هذه الأمة، فقطار التطبيع انطلق مسرعًا ومتجاوزًا المواقف التاريخية والعقدية لدولها، متعلقًا بأستار الاقتصاد والأمن واستبدال العدو الصهيوني بالعدو الإيراني، في معادلةٍ جديدة وأبعادٍ خبيثة في العلاقات المتشابكة، تنهزم فيها المبادئ لفائدة المصالح.

فإلى أيّ مدى يمكن لهذه الرّياح العاتية من التطبيع أن تصيب الجزائر؟ وما هي الأبعاد التاريخية لمناعة الجزائريين ضدّه؟

فلا زلنا بحاجةٍ إلى الوصفة الغنيّة لفحص الأصول التاريخية لشخصية مَن يدّعون أنّهم يهود الجزائر، وتقديم النّظرة الدقيقة عن أدوارهم الخطيرة وعلاقاتهم المشؤومة بالكيان الصهيوني، والسّمّ القادم للتطبيع منهم، بعد أن بدأ التاريخ يضغط بثقله لصالح الانفراج في دورته لصالحهم، لعله يمطر عليهم الدولة اليهودية والسّلام المزعوم.

وليس بعيدًا عنّا فقد عادت الأقدام السّوداء إلى طرح مسألة الهويّة في فرنسا من أجل العودة إلى الجزائر، وسعي الكيان الصهيوني إلى التطبيع معنا وإلى طلب التعويض منّا.  فشياطين التطبيع التي لا تنام لم تتوقّف عن المحاولات البائسة لتحطيم مناعة الجزائريين ضدّ المدّ الصهيوني، والإدمان على سياسة التايهوديت من أجل كسر المقاطعة الشاملة للعدو الصهيوني.

وتأتي آخر صدمةٍ للشّعب الجزائري عبر البوابة الخلفية للتطبيع وهي الرّياضة، فكانت السّقطة المدوّية بوقوف رئيس اللجنة الأولمبية الجزائرية (مصطفى بيراف) للنشيد الصهيوني خلال البطولة الدولية للجيدو بباريس يومي 08، 09 فيفري 2020م.

لا يمكن للحقيقة التاريخية أن تغطي الصفحات المشرقة من مراحل التعايش بين المسلمين واليهود في ظلّ الحضارة الإسلامية لعدّة قرون، وقد تمتّعوا بكامل حقوقهم الدّينية والمدنية تحت مظلّة الخلافة الإسلامية، وهم الذين يُسمّون بأهل الكتاب ويشملهم قول الله تعالى:”لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.”(الممتحنة:08).                                                                                                                                                 ولذلك فإنّ إشكالية يهود الجزائر ليست مرتبطة بيهوديتهم كدِين، وإنّما هي متشابكةٌ مع التاريخ ومتلبِسةٌ بمواقفهم غير المشرّفة اتجاه الوطن، وهو الحُضن الدّافئ الذي آواهم منذ فرارهم من جهنم المسيحية المتطرّفة في الأندلس بعد سقوط غرناطة سنة 1492م خوفًا من جحيم محاكم التفتيش في إسبانيا، ولجوئهم إلى جنّة الحضارة الإسلامية في شمال إفريقيا.

ومن هذه الحقائق التاريخية عنهم، والأحداث التي أثّرت على مسارات تاريخ الجزائر نتيجة الخيانات المتكرّرة لهم، والتي مثّلت طعنات متتالية وسهامٍ غادرة منهم، ولّدت كُرْهًا أبديًا تراكم في النفسية وفي المخيال الاجتماعي والثقافي الجزائري، لا يزال عنفوانه يقاوم ذلك الحقد الدّفين الذي يكنُّه هؤلاء لنا. فهناك 06 قضايا جوهرية متعلقة بمقاومة الجزائريين الاستثنائية للتطبيع، وهي:

* أوّلاً: كان يهود الجزائر سببًا جوهريًّا في احتلال الجزائر سنة 1830م، فقد كانت عائلتا بكري وبوشناق من أكبر العائلات اليهودية آنذاك، تتمتّعان بنفوذٍ سياسي قويّ وبمكانةٍ اقتصادية راقية، من خلال سيطرتهما على التجارة الخارجية وتحديدًا تجارة القمح، والتي كانت تمثل أغلب الصادرات الجزائرية إلى فرنسا، والتورّط في أزمة المجاعة وأزمة الديون التي تسببت في احتلال الجزائر.

* ثانيًّا: لم يذكر التاريخ ليهود الجزائر مقاومةً للاحتلال، بل كانوا عملاء وخونة كمترجمين وجواسيس للجيش الفرنسي، وهو ما جعل الحكومة الفرنسية تمنحهم الجنسية الجماعية بموجب مرسوم (كريميو) بتاريخ 24 أكتوبر 1870م، وينصّ هذا المرسوم على أنّ يهود الجزائر قد أصبحوا مواطنين فرنسيين، وكان عددهم يُقدّر آنذاك بحوالي 37 ألف يهوديًّا، وهو ما يعني التخلّي الطوعي عن جزائريتهم وحصولهم على الهويّة الفرنسية، والتمتّع بكامل الحقوق السياسية والمدنية، بعد أن خانوا محاكمهم الدّينية وقبِلوا بالخدمة العسكرية في جيش الاحتلال الفرنسي.

* ثالثًا: خيانتهم للثورة التحريرية سنة 1954م وعمالتهم المباشرة لفرنسا، ومنها عبر المنظمة السرّية الخاصّة OAS، فقد ردّ اليهود على بيان أوّل نوفمبر بقولهم: (نحن فرنسيون، نحن جمهوريون، نحن ليبراليون.)، وهي الخيانة التي لا تسقط بالتقادم بغضّ النّظر عن جنس أو دين صاحبها، وهم لا يختلفون في ذلك عن الحرْكى الجزائريين الآخرين.

*رابعًا: عقيدة الدولة الجزائرية اتجاه القضية الفلسطينية والقضايا العادلة في العالم، والتي تتكئ على تجربتها في مقاومة الاحتلال، والجهاد من أجل التحرّر من أيّ استيطان عنصريّ، وخاصّة أنّ هذا الكيان السّرطاني قد تعاون بشكلّ مباشرٍ مع الاحتلال الفرنسي، إذ اعترف شمعون بيريز بذلك عن طريق تجربة القنبلة النووية الصهيونية وتطوير صواريخ أريحا في الصحراء الجزائرية.

* خامسًا: خروجهم الجماعي مع الفرنسيين مباشرةً بعد الاستقلال، مع أنّ اتفاقيات إيفيان الموقعة في مارس 1962م لا تجبرهم على ذلك، وكان عددهم يومها حوالي 130 ألف يهوديّ، فخرج معظمُهم إلى فرنسا ونحو 10% منهم إلى فلسطين المحتلة، وذلك خوفًا من الانتقام بسبب خيانتهم لجزائريتهم وللثورة التحريرية، فأصبح الوطن بالنسبة إليهم – وبإرادتهم – يقبع في مكان آخر.

* سادسًا: العلاقة الدّينية والتاريخية بين الجزائر وفلسطين، إذ يُعتبر المسجد الأقصى أحد أركان الدّين قبل أن يكون أحد ثوابت السّياسة، وأنّ قداسة القضية هي ركيزةٌ قويّة في الوعي الشّعبي الجزائري، من التحرير المشترك للقدس مع صلاح الدّين الأيوبي سنة 1187م إلى إعلان الدولة الفلسطينية على أرض الجزائر في أكتوبر 1988م، وأنّ محاولات تجريف هذه الذّاكرة لن تبوء إلاّ بالفشل.

إنّ هذه العلاقة التراكمية والكيمياء التاريخية والترابط العقائدي يجعل أيّ شكلٍ من أشكال التطبيع جريمةً لا تُغتفر وخيانةً لا يمسح عارها التاريخ.

تعليق