“كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..” هذا ما قاله حذيفة بن اليمان في حديث رواه البخاري ومسلم، وهذه الحالة يجد المرء نفسه ينجر إليها تارة حين تتعدد خيبات الأمل، وتكثر السقطات وتسيطر الشبهات في الساحة السياسية، وضمن هذا الإطار وجدت نفسي أتساءل عن أبعاد التصريحات الصادمة لأحمد لعرابة التي زادت المسوّدة الدستورية غموضا، وجعلت كل وطني حر يتحفظ على كثير مما جاء فيها في المجالات المتعلقة بطبيعة النظام السياسي وتوزيع وتوازن السلطات، وبالهوية والحريات والرقابة والانتخابات. وكل ما سيرد في هذا المقال هو تحليلات تعبر عن مخاوف أتمنى أن لا تكون حقيقية،  لم تأت من فراغ، ولم تدفع إليها المناكفة السياسية، وإنما هي تحذير لما قد يقع من الويلات مستقبلا لا قدر الله،  ترتكز على أساس تصريحات صريحة واضحة،  وبنود في الوثيقة جلية بيّنة، ضمن تجربة طويلة لنا في المناجزة مع نظام سياسي مراوغ ومخادع وماكر لم يتأكد إلى الآن أنه قد تغير فيه شيء، وهل هو ذاهب إلى التغيير أم لا. نظام لا يُلقي بالا في ممارسات الهيمنة والتسلط الأبدي إلا للقوى الدولية وتحولات المزاج الشعبي، فيعمل على إرضاء الخارج أو تجنب تأثيراته على مصيره  بمختلف الطرق، ويجتهد في استغفال الشعب أو شراء سكوته حينما يقدر، أو بالقمع في الحالة القصوى حيث يستطيع. وغير ذلك لا يهمه من أمر المواطن الفرد شيء، كما لا يهمه من أمر الأحزاب والنقابات والمنظمات والنخب شيء سوى ما يبذله لعزلها عن الجمهور بالتزوير والتشويه والتخوين، والحد من نشاطها بالدسيسة وشراء الذمم، أو التضييق أو القهر والظلم إذا لزم ذلك.

لقد أحدثت تصريحات رئيس لجنة إعداد مسوّدة الدستور ضجة كبيرة عند قطاعات واسعة جدا من الجزائريين المتمسكين بالهوية الجزائرية والمرجعية النوفمبرية، وكانت كثير من مواقف الجزائريين مبدئية قيمية لم تبحث في الخلفيات السياسية لتلك التصريحات، وهل هي مواقف شخصية معزولة لرجل وجد نفسه يشرف على كتابة الوثيقة الأساسية للجزائريين والدولة الجزائرية؟ أم هو تعبير عن توجه النظام السياسي كله؟ لا شك أن تلك المواقف الشعبية المبدئية القوية مهمة، ومن شأنها أن تحصن البلد من العبث بهويته ومرجعياته، غير أن التمعن في الخلفيات السياسية المتحالفة مع الأبعاد الأيديولوجية في أروقة الحكم تكشف ما هو أخطر وأفدح، وهو ما يتعلق بسيادة البلد واستقلالية قراره … وهذا ما يبحث فيه هذا المقال.

لقد حاولت شخصيات ومؤسسات في الدولة ترقيع ما صرح به لعرابة فلم تفلح، كما أن التكذيب الذي جاء في بيان لجنة إعداد الدستور وما صرح به المعني بنفسه في وسائل الإعلام لا يمكن أن يمحي كلاما صريحا واضحا يمثل تحرشا غير مسبوق بالهوية من مسؤول يتحدث باسم الدولة، وكذلك ما شرحه في طبيعة النظام السياسي. من حق أي شخصية عمومية أن تحتج وتجزع حين يُحرف كلامها أو يُكذب عليها أوتُقول ما لم تقل، بل من حقها أن تقاضي من يفعل ذلك، وظاهرة التحريف والتشويه موجودة في بلادنا فعلا،  ولكن ما قاله لعرابة صريح فصيح لا غموض فيه.

لقد كانت ردة فعل المجتمع ضرورية للمحافظة على هوية البلد وغير ظالمة للرجل من حيث العبارات التي أطلقها بنفسه، ولكن ما أردت أن أركز عليه في هذه السطور هو الأبعاد العميقة، من وجهة نظري الشخصية،  التي جعلت الرجل يتحمل عبء تلك التصريحات وجعلت النظام السياسي بكامله يدافع عنه.

تعالوا بنا نتمعن في ما قاله لعرابة في حواره مع جريدة ليبارتي يوم :  8 جوان 2020

الفقرة الأولى المعبرة: ” الدساتير موجهة لمواطنين وليس لمؤمنين، ما يعني أن عناصر الهوية يمكن إبعادها عن الدستور ليصبح بإمكانك ان تكون جزائريا دون أن تكون عربيا ولا أمازيغيا ولا مسلما. لكن مجتمعنا غير مستعد لهذا المفهوم من المواطنة ، ما يفرض علينا التقدم بالتدريج وسترون أن هذه العناصر المكونة للهوية ستختفي من الدستور مستقبلا. ”

الفقرة الثانية -حين سئل عن سبب عدم إعطاء الأغلبية البرلمانية حق تشكيل الحكومة- ” نحن لسنا في وضعية قارة وقد تتغير الأغلبية. وأذكركم مثلا أن الرئيس ميتران عندما وجد نفسه أمام أغلبية برلمانية غير أغلبيته اختار التعايش وكان بإمكانه أن يختار الاستقالة… دستور 1989 و1996 لم يمنح للرئيس هذه الامكانية ولو توفرت هذه الامكانية للشاذلي لما وقعنا فيما وقعنا فيه، لذلك اقترحنا نحن صيغة تأخذ بعين الاعتبار وجود أغلبية رئاسية وأغلبية برلمانية، وفي هذه الحالة يجب أن تمنح للرئيس حرية الاختيار، بين ان يعين رئيس حكومة ينفذ برنامجه عن طريق مخطط عمل أو تعيين حكومة تمثل الأغلبية البرلمانية وتنفذ برنامجها، بينما الرئيس يحتفظ بالصلاحيات المرتبطة بمنصبه. إذن هناك خبراء عالميون في القانون الدستوري، مثل خبراء الأفامي، لو تعطيهم دستور لا يجدون فيه آليات الرقابة وكذا الحريات فلن يعترفوا بذلك الدستور حتى لو كان الأحسن في مجال فصل السلطات. هذا الجانب أيضا أخذناه بعين الاعتبار و عملنا قدر الإمكان على تفادي انتقادات الهيئات الأممية ”

إن السؤال الكبير الذي يؤدي التمعن فيه إلى فهم كل الحقيقية هو: ما دخْلُ الأفامي ( صندوق النقد الدولي) في قضية الدستور؟ أي علاقة تخصصية للأفامي مع مسألة كتابة الدستور؟ أليس الأفامي – نظريا – مؤسسة مالية دولية لا علاقة لها بالجوانب الدستورية والقانونية؟ لماذا يريد لعرابة أن تكون صياغة الدستور مرضية للأفامي؟ كيف نسمح للأفامي أن يتدخل في منظومتنا الدستورية والقانونية؟

إن الذي يعرف الوضعية الاقتصادية والمالية للجزائر يفهم لماذا تكلم لعرابة بتلك الطريقة. فحينما ندرك أن الجزائر تتجه نحو إفلاس واضح في الأفق من حيث أن الثروة الريعية انتهت على صعيد تراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي واضطراب أسعار البترول، بما يجعل احتياطي الصرف يتآكل سريعا دون أن يتجدد، نفهم أنه لا حل للحكومة الجزائرية غير اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، بعد انكشاف خيبة الإصدار النقدي.
لا شك أن السيد رئيس الجمهورية أدرك بأن ثمار التنمية تتطلب وقتا طويلا كما ذكر ذلك بنفسه في ندوته الصحفية الأخيرة – وذلك في حالة النجاح – ولا شك أن توقعاته بحل مشكل السيولة المالية لدفع أجور العمال التي يُؤخذ ثلثاها من مداخيل البترول والغاز وضمان توازن ميزانية الدولة من خلال استرجاع الأموال المنهوبة وإلغاء تصرفات تضخيم الفوترة، وضمان الاحتياجات الأساسية بأموال احتياطات الصرف فحسب قد تبخرت، وأصبح يرى الأزمة تتعمق أمامه على النحو الذي شرحناه مرات ومرات طيلة السنوات التي مضت، قبل العهدة الرابعة للرئيس المخلوع وبعدها إلى غاية الحراك الشعبي. لا شك أنه قد وُضع على مكتب الرئيس الأرقام الحقيقية للاقتصاد الوطني وللوضعية المالية للدولة، ولا شك أن شبح انقطاع السيولة قد ارتسم بدقة بين عينيه، ولا يمكن وضع تحذير البنك المركزي في تقريره الذي تناقلته وسائل الاعلام العمومية يوم 9 جوان 2020 بخصوص التراجع الخطير للسيولة لدى البنوك إلا في هذا السياق.

حيث أن السيولة الإجمالية للبنوك واصلت انخفاضها سنة 2020 فانتقلت من 1557.6 مليار دج في نهاية 2018 الى 1100.8 مليار دج في نهاية 2019 لتبلغ 916.7 مليار دج في نهاية 2020 أي تقليص في السيولة البنكية بــ 184.2 مليار دج مقارنة بمستواها الذي سجلته في نهاية 2019

إذا فهمنا هذا المعطى الاقتصادي، وهذه الورطة المالية التي تتجه إليها الدولة ندرك لمن كان يوجه لعرابة حديثه ، ونفهم لماذا يتحمّل المجازفة بالتعبير عن مكنونه واستفزاز الشعب الجزائري بتلك الطريقة الصريحة الفجة، ثم نفهم لماذا تدخلت كل الجهات الرسمية للدفاع عنه.

لقد كان لعرابة يخاطب صندوق النقد الدولي الذي ستكون له كلمة الفصل في فتح خطوط القرض الخارجي للجزائر من البنوك الأجنبية في آجال قريبة حتى لا يقع الانهيار، ولتفادي التوقف عن دفع أجور العمال. لقد كان يقول لهم، بلسان الحال ” ها قد وضعنا في الدستور ما يجعلكم ترضون، وما يجعل تفاهمكم مع رئيس الجمهورية ميسورا، غير أن تمام الرضا بنزع عناصر الهوية من الدستور غير ممكن الآن بالنظر لتمسك الشعب بها، ولكن الأمر ممكن في المستقبل بعد ترويض هذا الشعب العصي”.

إن التفريط في هوية البلد ووضع القرار السيادي تحت تصرف صندوق النقد الدولي الذي لن يتعامل رسميا – وفق مسودة وشرح لعرابة – إلا مع رجل واحد يملك كل الصلاحيات ويسهل التفاهم معه، هو رئيس الجمهورية، إنما ذلك إرضاء للخارج من أجل الحصول على قروض ستكون هي المانعة من نهاية النظام السياسي القائم ولو على حساب السيادة. وستكون هذه الحالة حالة اضطرارية، مهما كانت تصريحات الرئيس بعدم اللجوء إليها، وقد لا ينتبه إليها اليوم الكثير من الوطنيين المخلصين داخل الدولة.

لقد وجد الغرب صعوبات كبيرة في السيطرة الاستعمارية الكلية على التحولات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في العالم الإسلامي بسبب قوة الدين الإسلامي وبعده الحضاري العميق، وبسبب تمسك الشعوب بهويتها ورفضها للتغريب وبسبب اختيارها الدائم للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في كل انتخابات نزيهة. لقد حاول الغرب في التسعينيات ترويض الحركات الإسلامية ( وقد كتبت في ذلك سابقا)، لتقوم بمراجعات في دينها ببروتستانتية إسلامية ( على شكل الإصلاح الديني البروتستنتي المسيحي في القرن 16 ) تُحلّ بها بنفسها ما حرم الله في الأحوال الشخصية وتتجه بإرادتها للمرجعية العلمانية في الشأن السياسي على حساب المرجعية الإسلامية. وبعد أن يئس الغرب من قادة التيار الإسلامي وتيقن من تمسكهم بمرجعيتهم الإسلامية وبعدهم الوطني السيادي، وأنه لا ينفع معهم الترهيب والترغيب،  أصبح هدفه هو تغيير الشعوب لتكون خياراتها غير إسلامية فلا تؤدي ثوراتها الحتمية على الأنظمة الفاسدة الفاشلة إلى اختيار البديل الإسلامي. والطريق إلى ذلك هو طمس الهوية الذي يبدأ بالنص الدستوري والتشريعات القانونية ليصل إلى تسخير المدرسة والأسرة والمسجد والإعلام لتكوين المواطن الذي لا يأبه بالإيمان في سلوكه وخياراته كما أشار إلى ذلك بشكل ما السيد لعرابة في مقابلته مع جريدة ليبارتي حين أراد التفريق بين الإيمان والمواطنة  إذ قال “هذا الدستور هو للمواطنين وليس للمؤمنين”.

وإذا فهمنا كل هذا يمكن أن تكون لنا قراءة جديدة في العديد من النصوص المقترحة في المسودة الدستورية ومن ذلك:

– تضخيم صلاحيات رئيس الجمهورية وفق المادتين 95 و 96،  وحرمان أي أغلبية برلمانية غير مرغوب فيها من التسيير الحكومي على نهج النظام البوتفليقي المكرس مجددا بين المادتين 102 و 108 وذلك لغرض تسيير المخطط المرسوم من خلال رجل واحد يختصر لهم تعقيدات التعامل مع أطراف سياسية متعددة، وبعضها لا يمكن التحكم فيها ( وتصريح لعرابة في العلاقة بين الرئيس والأفامي في هذا الشأن واضح لا لبس فيه).

– تسهيل استخلاف الرئيس بطريقة “مضمونة” غير ديمقراطية باستحداث منصب نائب رئيس، وفق المادة 98 الفقرة 7 يرث كل صلاحيات الرئيس حين يشغر المنصب. وقد يكون نائب الرئيس من التيارات الأقلية التي لا تنجح أبدا في الانتخابات، أو من التبع ضعاف النفوس، يوكل إليه مسخ هوية البلد وتسخير خيراته لصالح القوى الاستعمارية، في فترة تضعف فيها الدولة، لا سيما إذا استعصى عليهم الرئيس المنتخب فيتم استبداله بطريقة ما برئيس معين مضمون.

– لا يوجد مشكل في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة أن يكون للجيوش دور في حماية بلدانها خارج حدودها، ولكن قد يؤدي تغيير عقيدة الجيش الوطني الشعبي، وفق المادتين 31 و 9،  في حالة الضعف الكلي للدولة بسبب الأزمات الاقتصادية إلى جعل الجيش الجزائري جيشا وظيفيا (على نحو لا يتوقعه اليوم القادة الوطنيون الصادقون للمؤسسة العسكرية) لخدمة المصالح الاستعمارية وسياساتها الخارجية، كما هي جيوش بعض البلدان في العالم العربي والإسلامي،  لا سيما إذا استمرت عمليات التزوير الانتخابي ومحاربة الأحزاب السياسية ذات السيادة بكل الوسائل، بما يحرم البلد من بروز أغلبيات برلمانية تحفظ جنودنا من التورط في مغامرات خارج الوطن لمصلحة قوى استعمارية أجنبية، ولا يمكن أن ننسى هنا الضغوطات التي مورست على جيشنا في أزمات الساحل فحفظ نفسه منها بكل سيادة.

– الالتزام بالمعاهدات الدولية في النص الدستوري ضمن الديباجة وفي المادة 177 وغيرها قد يكون تعهدا مكتوبا يتم الاستفتاء عليه بالتبعية للسياسة الدولية التي يتحكم في وضعها وتفسيرها القوى الاستعمارية المهيمنة.

– التراجع عن تحميل المجتمع مسؤولية حماية الأسرة والطفولة ( بحذف كلمة المجتمع التي كانت منصوص عنها في المادة 72 سابقا والاكتفاء بكلمة الدولة فقط في المادة 74 الجديدة) ضمن السياسة الدولية الاستعمارية لتفكيك الأسرة الجزائرية بمنع المجتمع بحماية نفسه بنفسه بالتعاون مع الدولة أو في حالة تخلي المؤسسات الرسمية عن حماية الأسرة أو الانخراط في مهمة التفكيك استجابة للأجنبي.

– تحييد المدرسة الجزائرية، ضمن المادة 68 الفقرة الرابعة، قد يكون من أجل إفراغها من القيم والمبادئ التي تصنع المواطن الجزائري الصالح المرتبط بهويته.

– ضمان التسوية في حرية ممارسة العبادات، في المادة 51، بين الإسلام الذي يدين به الجزائريون  بشكل تلقائي وطبيعي منذ قرابة 14 قرنا  وديانات أخرى لفئة قليلة جدا تعبر أكثر عن حركة ردة مبرمجة وباستغلال ظروف اقتصادية وسياسية وثقافية متقلبة لضرب استقرار البلد أمنيا  ودينيا واجتماعيا من أجل خلق أقليات دينية مستقبلية توفر شروط التفرقة العميقة والتدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر، بعد أن فشل إلى حد الآن التفريق على أساس العرق.

ومما يعمق هذه المخاوف والشكوك تلك الهبة الخبيثة التي أظهرتها التيارات العلمانية  ضدنا  حينما استطعنا تحويل الصراع العرقي المخطط له ) لكي تغفل الأغلبية الوطنية الإسلامية عن المخاطر الحقيقية) بمطالبتنا تجريم استعمال اللغة الفرنسية في الوثائق والمؤسسات الرسمية، وكيف كان الرد علينا بعد ذلك رسميا بالإمعان في استعمال اللغة الفرنسية في النشاط الرسمي أكثر من أي وقت مضى، وبالإساءة لنا من قبل مستشار رئيس الجمهورية والدفاع عن رئيس لجنة اعداد الدستور رغم التصريحات التي استفزت حتى التيار الذي شارك في الانتخابات الرئاسية وصوت على السيد عبد المجيد تبون.

لقد سبق لنا أن استشرفنا الحالة المأساوية التي توجد فيها الجزائر اقتصاديا وماليا، وما يُتوقع من توترات اجتماعية شاملة وعميقة، وقدمنا الحلول الموضوعية والواقعية لتفاديها منذ سنوات عديدة، وأكدنا بأن عدم الاستماع لمبادراتنا سيؤدي إلى انهيارات خطيرة ستُـلجئ الدولة إلى المديونية ضمن ظروف صعبة تفرض على الجزائر شروطا تفقدها سيادتها على نفسها. ولا زلنا نؤكد بأن الحل بيننا كجزائريين، ضمن البعد الوطني الصادق،  يظل ممكنا إذا قبل النظام الجزائري التوافق الوطني على أساس الانتخابات الحرة والنزيهة وتجسيد الإرادة الشعبية. فالجزائر تملك قدرات هائلة للخروج من الأزمة وصناعة نهضتها، وهي إنما تحتاج لحكم راشد، وشيء من الوقت، والاستقرار، وتمويل مخططات التنمية، وهذه الشروط كلها ممكنة التحقيق بالتوافق الوطني على النحو الذي شرحناه مرات ومرات. أما إذا بقي النظام السياسي يتشبث بالسلطة بروح الهيمنة والاستعلاء وبحل مشاكله باللجوء للخارج، فإن الخارج سيمص منه الدم، ويأكل لحمه وشحمه، ثم يتركه عظما مكشوفا ينكسر على صخرات أزمات اجتماعية كبيرة قد تهدد الوحدة الوطنية ذاتها، ومن أراد أن يعرف حقيقة ذلك فليثقف نفسه ويطلع عن الخراب الذي صنعه صندوق النقد الدولي حيثما حل.

وفي الأخير نبقى مثل كثير من الجزائريين ننتظر الموقف الأخير لرئيس الجمهورية الذي سيتضح جليا في الوثيقة التي ستعرض على التصويت، سائلين الله تعالى  أن يوفقه ليفي بتعهداته التي قدّمها للشعب الجزائري.

تعليق