بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله

الذكرى 17 لوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله

مداخلة السيد رئيس الحركة د. عبد الرزاق مقري في الندوة الدولية الافتراضية

يوم 19 جوان 2020

أهلا وسهلا بكم أيها الضيوف الأفاضل من العديد من الدول حضوركم معنا شرف لنا، وعرفان بفضل الشيخ محفوظ نحناح رحمه ووفاء له ودعم لنهجه ومنهجه وحبٌ لأبنائه وأتباعه، فجزاكم الله خيرا، وتمنينا لو كان اللقاء بكم مباشرا نسلم عليكم واحدا واحدا ونجالسكم في فترات الملتقى السنوي كما كانت العادة سابقا لنستفيد من علمكم ونغرف من فكركم وسمتكم.

تحية كذلك لمتابعي هذه الندوة عبر اللايف في كل أن أنحاء الوطن وخارجه.

 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

لم تتوقف منذ أيام الندوات والملتقيات السنوية لإحياء ذكرى وفاة الشيخ محفوظ السابعة عشر رحمه الله في شتى أنحاء الوطن، في مختلف الولايات والبلديات وعلى مستوى الجالية الجزائرية في العديد من دول العالم، وما ذلك إلا صورةٌ حية كيف يحفظ الله ذكرى الصالحين ويرفع مقامهم في الناس ويترك أعمالهم حسنات جاريةً تجسدها برامج في مختلف دروب الخير لا تنتهي، وأجيال من الأتباع ترثها أجيال، إذ اليوم يصنع البرَّ هياكلُ ومؤسساتٌ كثيرة، عديدها لم يطلقها الشيخ محفوظ نحناح ولكنها تلحق به وفق قوله تعالى: (( إنا نحن نحيي الموت ونكتب ما قدموا وآثارهم))  ويحتفي  اليوم بذكراه شباب ورجال ونساء من الحركة ومحبيها أغلبهم لم يلتقوا به ولم يتعرفوا عليه إلا سماعا، وكلهم، جيلا بعد جيل، من أثره الذي لا يُمحى بإذن الله وفق قول المصطفى عله الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا))

رحم الله الشيخ محفوظ وأسكنه فسيح جناته، وثبتنا الله على ما عُرف به من الاستقامة وعلى رسالته الإسلامية الناصعة ومقاصده الحضارية الوطنية السامية وعلى نهجه الوسطي القويم.

أيها الإخوة والأخوات، أيها السادة أيتها السيدات،

إن الهدف الأسمى من إحياء ذكرى وفاة الشيخ محفوظ هو دربٌ من الوفاء للرجل رحمه الله أمرنا الله به في قوله تعالى: ((ولا تنسوا الفضل بينكم)) وتأسيا بخلق المصطفى بذكر من فارقوه من أصحاب الفضل عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهو لتذكر مناقبه بغرَض إحيائها أبدا والتأسي بها دوما.

ولئن كنا في كل سنة نختار ملمحا أو ملامح من حياة الشيخ محفوظ نحناح فقد اخترت هذه السنة أن أسلط الضوء على الثابت والمتغير في حياته رحمه الله في مسيرته الدعوية والسياسية. حتى تكون الاستفادة منه على هدى وسداد وفاعلية وإنجاز.

لقد كان في حياة قائدنا المؤسس جوانب لا تتغير ولا تتبدل مهما تغيرت الأوضاع والأحوال، وكانت في مسيرته طرائقُ للعمل ومقارباتٌ في السير ومناهجُ متجددة في الأداء تشكلها تطورات الأوضاع، فلا يشبه بعضها بعضا، تحددها نظرات مقاصدية تركز على الغاية لا على الوسيلة.

أما الثوابت فكانت على أربعة محاور:

  • سماته الشخصية.
  • روحه الوطنية.
  • أبعاده الحضارية.
  • منهجه الوسطي.

    أما سماته الشخصية فقد كان عنوانها الاستقامة والقدوة الحسنة في كل الظروف والأحوال، لا تغيرها المطامح ولا تفسدها المطامع ولا تكسرها المخاوف ولا تلونها الأزمات والتهديدات، لا تذبل أمام الفاقة والحاجة، ولا تَعوَجُّ أمام الوفرة والمسرّة. وإننا حينما نصفه بأوصافه الحميدة إنما نشهد بما رأيناه بأنفسنا في حلنا معه وترحالنا، في حالات الأمن بجنبه والخوف، وفي حالات الغضب والهدوء، والسخط والرضا، واليسر والعسر ولا نزكي على الله أحدا:

  • لقد كان الشيخ محفوظ نحناح عالما بلا تشدق، مفكرا بغير ادعاء.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح محافظا على صلاته وعباداته وأوراده وأفكاره.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح رقيقا شفافا، أمارات سلامة القلب وطيبِ السريرة باديةٌ في محياه.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح زاهدا في متاع الدنيا لا تغره بهارجها ومطامعها.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح متواضعا لا يتألى على الخلق، لا يبطر الحق ولا يغمِط الناس.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح مضحيا مكافحا، لا يتوقف عن العمل مهما كانت الظروف والصعاب.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح ذا مروءة، كريما يحب معالي الأمور ويكره سفسافها.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح عف اللسان لا يهتم بعيوب الناس وعوراتهم.
  • كان الشيخ نحناح ناصحا أمينا لا يقبل المنكر، يترفق في النهي أحيانا، ويتشدد حينا.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح وفيا كريما لا يغدر ولا ينكر الفضل.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح يعرف أقدار الرجال وينزلهم منازلهم ولا يجحد أفضالهم.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح حريصا على وحدة الصف يكره الخلاف والشقاق.
  • كان الشيخ محفوظ نحناح لينا بغير ضعف حليما بلا ذلة، يغضب ويصفح، يتغافل ولا يغفل، يتناسى ولا ينسى.

هذه ثوابت ملامحه الشخصية التي يحسن التأسي بها لمن أحبه وحفظ ذكره،

     أما روحه الوطنية فهي تلك النسَمة المباركة التي حفظته من انحرافات سياسية وقع فيها كثير من الساسة أمام طول الطريق ومشقة السير، وهي تلك البصمة الشخصية التي طبعها في نفوس أتباعه كلِهم جميعا، من رأوه وعاشوا معه، ومن لحقوا بحركته دون أن يروه ويسمعوا منه في حياته. لقد كانت الوطنيةُ بالنسبة للشيخ محفوظ مسؤوليةً إيمانية إذ اعتبر أن كل مواطن مسؤولٌ عن وطنه في أي موقع كان وفق حديث الصحيح: (( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))، واعتبر الوطنَ أمانةً في أعناق كل الساكنة مهما اختلفت توجهاتهم وفق قوله تعالى في سورة الأحزاب:  ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)) فصدق في حالته ما جاء في الأثر ((حب الوطن من لإيمان))، كما كان يعتبر أن الوفاء للوطن هو وفاءٌ لا يزول لدماء الشهداء الأطهار من أجل الاستقلال.

لم يكن هذا التوجه الوطني في الشيخ محفوظ قناعةً فكريةً  فحسب، بل حالةً متأصلة في أعماقه شكلتها بيئته التي نشأ فيها، إذ هو المجاهدُ ابنُ الحركة الوطنية الثورية وخريجُ مدرستها، مدرسة الإرشاد بالبليدة، وتلميذُ  المناضل الكبير محمد محفوظي رحمه، وهو رفيقُ رموز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي صنعت النهضة الجزائرية التي وفرت بيئة الثورة لاحقا، سواء من عارضوا النظام السياسي بعد الاستقلال وكان لهم فضل كبير في الصحوة كالشيخ سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني وغيرِهما رحمهم الله، أو الذين ناضلوا من داخل مؤسسات الدولة فكان لهم فضل كبير في حماية الهوية الوطنية على المستوى الرسمي، كالشيخ حماني والشيخ شيبان وغيرهما رحمه الله الجميع. وهو كذلك صديق المناضلين الأصلاء في جبهة التحرير الوطني الذين قاوموا ” حزب فرنسا ولوبيات الاستعمار بعد الاستقلال”  من داخل النظام السياسي، وقد كان لنا الشرف نحن من عشنا معه أن عرّفنا رحمه بهذا الجيل الوطني الأصيل واستفدنا منه، هذا الجيل الذي غادرنا كلُه تقريبا إلى رحمة الله، ففهمنا ما فهمه بأن الوطن ليس طموحاتٍ شخصيةً وصراعات سياسيةً، ومناصبَ ومطامعَ، ومواقفَ تجاهه تتغير وتتبدل بحسب المكاسب الشخصية، إنما هو ولاء دائمٌ وتضحيات جسامٌ من أجله ومقصدٌ ثابت لخدمته وصيانته وترقيته، تبذل فيه المهج بلا منّ ولا ندم مهما كانت الخيبات ومشقة الطريق. وما السياسة في فهم الشيخ محفوظ إلا لتحقيق المصلحة الوطنية الحقيقية المتفق عليه ـ كما كان يقول ـ على أساس التنافس العادل والحر والنزيه، لا المصلحة الوطنية المزعومة التي حولها المتسلطون سجلا للكسب الشخصي.

      وأما البعد الحضاري الثابت في فكره وسلوكه فهي تلك الرؤية العالمية البعيدة الأخاذة لعودة الأمة إلى ألقها الحضاري، بترقية أوطانها وطنا وطنا، وتحقيق التعاون بينها مرحلة مرحلة،  بدءا، بوحدة المغرب العربي المأمولة، ثم وحدة الأمة العربية المنشودة، ثم وحدةِ المسلمين الشاملة، كل ذلك على أسس تجديدية عقلانية متدرّجة تركز على المقصد أكثر من الشكل، وتحقق الرفاه والتنمية والتعاون والتكامل والتناصر بأي شكل متاح بما يجعل الأمة قوية منيعة متحضرة جذابة تؤثر في محيطها الجغرافي القريب في افريقيا وآسيا، وتساهم فيه على تحقيق سيادة الدول على ثرواتها والتعاون بينها، لصناعة نظام دولي جديد عادل يكون أرحم بالإنسان والبيئة. وفي قلب هذا البعد الحضاري تحريرُ فلسطين التي عاش الشيخ محفوظ لا ينفك عن ذكرها وتوجيه البوصلة نحوها، فلا يساوم فيها أبدا وهو اللين الرفيق المتساهل في أمور شتى غيرها، فلسطين التي حلم أن يزورها يوما فلم يكتب له إلا أن أدخل ذات يوم رجله ليلامس أرضها عبر شباك حدودي بجنوب لبنان.

لقد ترك لمسته العالميةَ الحضارية فينا رحمه الله، فلا نعيش بعده إلا لرؤية وحدة الأمة وانعتاقها وتألقها وتحضرها، فترى رجالَه في مختلف أنحاء الدنيا، مغاربيا وعربيا وإسلاميا، يتعاونون مع علماء الأمة ومفكريها عبر العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية يبحثون معهم عن مسارات التجديد لتحقيق العبور الحضاري المأمول، كما لهم في القضية الفلسطينية جهودٌ متميزة، منذ مؤسسة القدس وأسطول الحرية وقوافل كسر الحصار وأوقاف ومؤسسات المؤازرة والنصرة ودعم ثبات المقدسيين، فحقق المئات منهم حلمَه رحمه الله بدخول فلسطين واحتضان أرضها وشم هوائها، في غزة اليوم وغدا في القدس الشريف في رحاب أوقافنا في حارة المغاربة، بحول الله، شركاء في التحرير لا مجرد مساندين.

      وأما عن منهجه الوسطي القرآني الثابت، فقد ثبته في ساحات الدعوة والعمل الإصلاحي بكل أنواعه بالمشقة والآلام، بل بدماء رجاله الكثر الذين استشهدوا بإذن الله في زمن فتنة التسعينيات، على رأسهم صاحبه ورفيقه في التأسيس ونشر الصحوة فضيلة الشيخ محمد بوسليماني رحمه الذي ذبحه وحوش الإرهاب إذ لم يقبل أن يفتي لهم في دماء المسلمين. حين كان الشيخ محفوظ ينبه الأمة إلى مخاطر التشدد والعنف لم يكن معه في العالم العربي والإسلامي سوى تلاميذِه وأتباعه وعدد قليل من العلماء والدعاة المعروفين من ذوي النهى، كان جل التيار الإسلامي يدينه عن حرصه على التبرؤ والتميز عن خط التشدد الديني والعنف مهما كانت أسبابه، إلى أن أصبح اليوم هذا النهج هو الغالب عند الجميع، ولم يصبح أحدٌ يجهل بأن شبكات التشدد والإرهاب شبكات استخباراتية لقطع الطريق عن الخط الوسطي ولتدمير الأمة ونهب خيراتها. وعلى ذات الخط حرص الشيخ محفوظ على التمكين لفكر المشاركة كاستراتيجية مفضلة لنقل المشروع الإسلامي من السرية الى العلنية إلى الوجود الطبيعي والقانوني إلى المشاركة فالشراكة فالتمكين حسب ظروف كل مرحلة وأحوال كل محطة.

أيها الإخوة والأخوات، أيها السادة والسيدات،

لقد بقي الشيخ محفوظ يسير على هذه الثوابت لا تتغير ولا تتبدل يضبط بها مسارات السير التي تبدلها الظروف فتتغير معها الأولويات والأدوات، وتتغير فيها كثير من الأفكار التنظيمية والإدارية، وكثير من المقاربات العملية والعلائقية، والأنماط القيادية ومفاتيح الخطاب وأدوات الاتصال.

لقد مرت مسيرة الشيخ محفوظ الدعوية والسياسية عبر ست مراحل تختلف عن بعضها البعض، غيّر نهجه فيها من مرحلة إلى مرحلة وقاد التغيير الداخلي بنفسه، اتبعه فيه من اتبع، وغادره على إثره من غادر، واستطاع أن يحفظ بهذه المرونة حركته وأن يصحح بها أخطاءه بلا عقدة ولا حرج.

امتدت المرحلة الأولى من التأسيس الفعلي إلى عام 1976 سنة دخوله السجن، حيث كانت المرحلة مرحلة صدام فرض فيها الرئيس بومدين رحمه الله النظام الاشتراكي والحزب الواحد، وصادر الحريات وقمع المخالفين ومكن للتيار اليساري المتشدد في الجامعات وفي الإدارة، وأمم الممتلكات الخاصة ومنع الحرية الاقتصادية، فأدرك الشيخ محفوظ باستشرافاته الثاقبة المعهودة بأن البلد يتجه نحو العلمانية الماركسية  المناقضة لبيان أول نوفمبر، وأن التوجه الاقتصادي المتبع سيوصل البلد للإفلاس فصدع بالحق عبر البيان الشهير: إلى أين يا بومدين؟ ولم يكن غيرُه واضحا شديدا في مواجهة بومدين. فاعتمد على سرية التنظيم، وإرهاق النظام وشدة الخطاب، وبناء التحالفات مع خصوم النهج الأحادي العلماني الاشتراكي فكانت النتيجة إلقاء القبض عليه، والحكم عليه خمس عشرة سنة قضى منها خمسا، تعطّل فيها تنظيمه الذي كان متمركزا أكثر في وسط البلاد.

أثناء وجوده في السجن قام الشيخ محفوظ بمراجعات كثيرة، وبعد خروجه سنة 1981 دخل المرحلة الثانية في مسيرته إلى غاية أحداث أكتوبر سنة 1988. وكانت هذه المرحلة هي مرحلة التجذر الفعلي في المجتمع على أساس دعوي وسطي، ابتعد فيها عن المواجهة مع النظام السياسي، وكان يأمل أن يقع تحالف بينه وبين التيار الوطني الثوابتي في الدولة، وكانت الفرصة حقيقة مواتية في فترة الرئيس الشادلي بن جديد الذي قرب العلماء وفسح المجال للصحوة وكان في خصام شديد مع التيار اليساري داخل النظام السياسي وفي المجتمع، لو لا سرعة التحولات وعنفها.  كما أن أولويته رحمه الله كانت في تلك المرحلة بناءَ القاعدة الصلبة، وتكوين الداعية المسلم الجزائري الواعي وبناء الأسرة المسلمة وإصلاح المجتمع، وتوسيع تنظيمه إلى كل أنحاء الوطن، وكان متسلحا في هذا بمدخل آخر من مدخلات تكوينه الشخصي، إضافة لما ذكر سابقا، وهو المدخل الفكري الحركي الإسلامي الذي أخذه مبكرا قبل دخول السجن من حلقات الأستاذ مالك بن نبي، ومن دعاة وعلماء الإخوان المسلمين، ثم طوره وصار قائدا ومنظرا ورائدا فيه في فترة الثمانينيات. وقد نجح فعلا في خطته إذ صار تنظيمه هو التنظيم الإسلامي الأقوى والأوسع، وكانت تلك المرحلة هي المرحلة الذهبية التي تعرفنا فيها في شبابنا على الشيخ محفوظ، إذ عرفته شخصيا أول مرة سنة 1983 حين دعوته إلى محاضرة للطلبة في جامعة سطيف حيث كنت مسؤولا في العمل الإسلامي في الجامعة.

لم يكن ثمة تنظيم صارم لجماعة الشيخ في تلك المرحلة بل كانت فكرة إسلامية عامة تتمحور حولها تنظيمات محلية التحقت به اقتناعا بفكر الإخوان وبشخصيته الجذابة إلى أن ارتسم التنظيم نهائيا على أساس الأسرة والناحية والمنطقة والجهة والمكتب القطري في المؤتمر التمهيدي سنة 1989.

مثلت أحداث أكتوبر 1988 تحولا جذريا في المسيرة الدعوية والسياسية للشيخ محفوظ وأدخلته في مرحلة ثالثة إلى غاية 1995. ولم يكن التحدي خاصا بتنظيم الشيخ محفوظ وحركتِه فقط، بل أربَك الحركات الإسلامية المنظمة في مجملها. لم ينتبه مجمل الدعاة لأبعاد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي حلت مع انهيار أسعار البترول سنة 1985 وبروز فروق اجتماعية عميقة تسببت في احتقان شعبي كبير أججه الفساد المستشري في الدولة ووظفته الصراعات العميقة داخل النظام السياسي إلى أن انفجر الوضع في 5 أكتوبر 1988، وفي ظل تردد قادة التنظيمات الإسلامية تقدم دعاة مستقلون على رأسهم الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج اللذين أخذا زمام المبادرة في ظل تلك الأزمة فأسسا حزبا إسلاميا في ظل الإصلاح الدستوري الذي صدر في بداية سنة 1989 واستفادوا من السبق واكتسحوا الساحة. قام الشيخ محفوظ ومن معه بالانتقال من السرية إلى العلنية عبر جمعية خيرية ثقافية هي جمعية الإرشاد والإصلاح مع المحافظة على سرية مرنة للتنظيم، غير أن التحولات السياسية العميقة ألجأته إلى تأسيس حزب سياسي هو حركة المجتمع الإسلامي حماس سنة 1991، وكان لي الشرف أن أكون أحد المؤسسين الثمانية عشر، وكانت المهمة الأساسية هي إنقاذ ما يمكن إنقاذه إذ استشرف الشيخ محفوظ أن القطبية الثنائية بين الخطاب الجذري لجبهة الإنقاذ المتترسة بأغلبية شعبية عارمة راغبة في اقتلاع جذور النظام السياسي كلية، ونظام سياسي ماكر متسلط مدخول من اللوبيات الفرونكوفيلية المتعصبة غير راغب في التغيير مطلقا لم يقدر رئيسه الشاذلي ذاتُه كبح جماحه. وفعلا انحرفت الأمور إلى فتنة عظيمة زُهقت فيها الأرواح وسالت الدماء وتعمقت العدوات والجراح.

كان الشيخ محفوظ نحناح يرغب في تحول ديمقراطي سلسل على مراحل على أساس الحوار  فأطلق مبادرات كثيرة لذلك، مقصدها الأشمل المصالحة الوطنية، فصلناها في أحد كتبنا الأخيرة تحت عنوان مبادرات لحل الأزمات، ولكن الرأي لم يكن متبعا والخطاب لم يكن مسموعا وأصبحت الرؤية عندئذ هي إنقاذ ما يمكن إنقاذه،  إنقاذ الوطن من التمزق، إنقاذ صورة الإسلام من التشويه والهوية من المسخ، وإنقاذ المشروع والتنظيم والأفراد من الدمار، فقام بتغييرات عميقة في الفكر وفي الأطر التنظيمية وتحول من ازدواجية القيادة بين الحزب والجماعة إلى توحيد الهيكل في إطار حزب علني موحد القيادة مركزيا ومحليا، ودعم توجه تأطير المجتمع من خلال المؤسسات المجتمعية، فأدى ذلك إلى تغيير عميق في المنظومة القيادية، حيث لم تتجاوب معه قيادات نافذة وفاعلة في تلك التغييرات الجذرية فحدث الانشقاق الكبير الأول في تاريخ الحركة، ثم كانت المشاركة التاريخية في الانتخابات الرئاسية سنة 1995 التي ثبتت صدقية توجهات شيخ محفوظ نحناح، وتغيير مقارباته، ووضعته من جديد في ريادة المشهد السياسي.

دشنت انتخابات 1995 حربا باردة بين الشيخ محفوظ والنظام السياسي، كان ظاهرها تآلف اقتضته تحديات المرحلة للطرفين وباطنه تدافع شديد تجلت صورته نهائيا سنة 1999. كان الشيخ محفوظ نحناح في هذه المرحة الثالثة يحاول الانتقال بالبلد من اللاشرعية إلى الشرعية، من التدافع العنيف إلى التدافع السلمي في المؤسسات، من شرعية السلاح إلى شرعية المواجهة السياسية من خلال العودة إلى المسار الانتخابي. وأثناء ذلك كان يبحث على مكان له ولحركته في مؤسسات الدولة ليساهم في نهضة البلد وتطويره عبر المشاركة السياسية والائتلاف الحكومي والتقارب بين التيارات وفق ما أسماه في كتابه: “الجزائر المنشودة والمعادلة المفقودة بين الإسلام والوطنية والديمقراطية”. غير أن النظام السياسي لم يبال بهذا الفكر المتقدم في الساحة السياسية الإسلامية والوطنية، ولم ينظر للشيخ باعتباره فرصة للوطن، بل رأوه منافسا على الحكم الذي يحتكرونه وضيعوا بذلك خيرا كبيرا على البلاد، هذه البلاد التي دمروها بعض ذلك كما يشهد بذلك الجميع اليوم.

لقد أرعبهم المد الشعبي العظيم الذي حمل الشيخ محفوظ نحناح في منافسة مرشح السلطة ليامين زروال فزوروا لصالح هذا الأخير الانتخابات باستعمال القوة وقلب الصناديق جهارا نهارا وبالترهيب بالسلاح الرسمي، ورغم التزوير الذي اعترف به المزورون للشيخ في مكتبه هذا الذي أنا فيه الآن، أخذ رحمه الله ربع الأصوات بما يزيد على ثلاثة ملايين و300 ألف صوت، أي أكثر مما أخذته الجبهة الإسلامية للإنقاذ بدون تزوير. ولكن رغم ذلك كان في المشاركة في هذه الانتخابات فائدة عظيمة إذا رجعت كل الأحزاب الإسلامية والوطنية والعلمانية المقاطعة للعملية السياسية للمسار الانتخابي على النهج الذي رسمناه خوفا من سيطرة الحركة على المشهد، وصنَع النظام السياسي تحت قيادة زروال حزبا هجينا جديدا ليواجهوا به الحركة،  بالإضافة إلى جبهة التحرير التي أعادوا إدخالها للصف بتآمرهم على القائد الفذ عبد الحميد مهري، ورغم ذلك نجحت الحركة في الانتخابات التشريعية والمحلية سنة 1997 بقيادة الشيخ محفوظ ولكن زورت مرة أخرى بطرق ذكية خبيثة، وأثبتت لجنة التحقيق البرلمانية التزوير واعترف ولاة ووزراء ومسؤولون بعد ذلك علانية بأن الانتخابات كان مزورة وكانت لصالح حركة حماس. تعامل الشيخ محفوظ بصبر جميل مع هذا الظلم العظيم، وانتهج نهجا مزدوجا بين المعارضة والمشاركة في الحكومة وفق ما سمي برجل في السلطة ورجل في المعارضة، أو وفق قاعدة نقول للمحسن أحسنت ونقول للمسيء أسأت، وكانت خطةً صعبة معقدة تحملنا بها أعباء كبيرةً متراكمة. وأثناء ذلك عزم القائد المستشرف على الاستثمار في المستقبل فجاء المؤتمر الثاني سنة 1998 فأدخل تغيرات هيكلية عميقة تتجه نحو العصرنة والتطوير، واستجاب لاشتراط وزارة الداخلية تغيير الاسم فأصبحت الحركة حركة مجتمع السلم حمس، وغيّر كذلك المشهد القيادي بنسبة أكثر من 80 بالمائة واستعد من جديد لدخول المنافسة الانتخابية في الانتخابات الرئاسية لسنة 1999.

ولكن هناك كانت الصدمة العظمى في حياة الشيخ محفوظ التي غيرت أشياء كثيرة في نفسيته وفكره وتوجهاته المستقبلية. جاءت الانتخابات في ظل صراعات عميقة داخل الحكم كان سببها لعنة الظلم إذ مرض الرئيس زروال ثم استقال بعد أن أُبعِد حليفه الجنرال بتشين وجيء ببوتفليقة كمرشح لجنرالات الدم والتزوير والظلم وجنرالات حزب فرنسا وفق المصطلح الشائع.

لم يراع هؤلاء، عسكريون ومدنيون، تضحيات الشيخ الجسيمة وتحمله شعبيا أعباء إعادة بناء مؤسسات الدولة وحده، خدمة للوطن، فرفضوا ترشحه وطعنوه في كرامته، وكانت هي نهاية حسن الظن في إمكانية إصلاح الوضع معهم. ودخل الشيخ في حالة كبيرة من الكآبة والحزن واجتمعت عليه محن متتالية إلى أن توفاه الله.

كانت المرحلة الخامسة والأخيرة من عمره وحياته النضالية بين 1999 و 2003 قاسية جدا اجتمع عليه المرض الذي قضى عليه رحمه الله، والذي كان يخفيه ويخفي آلامه وعظّاته وشدةَ وطأة دوائه على جسمه ومزاجه، وأضرت به اضطرابات داخلية عصيبة من حوله إذ تأثر الصف وتراجع الانسجام القيادي فاستقال جل أعضاء الطاقم الشبابي الجديد الذي جاء بهم في المؤتمر الثاني، وأصبحت مطالب التقييم والتغيير ملحة ومستعجلة، ووصل توتر العلاقة بينه وبين النظام السياسي أشده في الانتخابات التشريعية سنة 2002 التي لم يكن التزوير فيها لصالح أحزاب السلطة فقط بل لأحزاب معارضة كذلك، كما شهد لي بالأمر مسؤولون في الدولة، نكاية في الشيخ محفوظ لتأخير ترتيب حزبه المعتاد من المرتبة الثالثة إلى المرتبة الرابعة. أمام هذا الوضع الصعب المعقد دخل الشيخ في حالة تفكير عميق كان يُسر لنا ببعض جوانبه بما كان يمنع التداول فيه مطلقا من قبل، إذ أصبح يتهم جنرالات النظام السياسي بأنهم وراء كل مخازي البلد وأن منهم من هو متورط في المجازر والقتل الجماعي، وأن بعضا منهم يشتغلون لمصالح دول أجنبية. كان رحمه الله يريد أن يربح الوقت فحافظ على البقاء في الحكومة رغم الظلم، وبدأ ينظر لخيارات أخرى على مهل في كتاب كان بصدد إنهائه عنوانه: الدولة وأنماط المعارضة، ولكنه توفي رحمه الله بأحزانه وخيبات أمله، خيبات أمله في إمكانية بناء دولة ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية كما نص عليه بيان أول نوفمبر. وأن يكون له دور في صناعة هذا المجد الباديسي النوفمبري.

وبتقييم بسيط لأوضاعنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فيما حدث بعده ندرك كم ضيعت الجزائر بقطع الطريق على هذا الرجل العظيم. لو لم يقطع عليه الطريق لكانت الجزائر اليوم مثل ماليزيا أو تركيا كبلدين أصلحهما قائدان مسلمان كبيران، بلدا مزدهرا متطورا قويا مهاب الجانب. فوا أسفاه وا أسفاه ..

ولكن حسبه رحمه الله فضل الله عليه وحسناته الجارية المتراكمة التي يصنعها أبناؤه، وحسبه أن الله رفع ذكره في الدنيا، فها هو الجميع ينصفه اليوم، انظروا كيف هو الاحتفاء به رسميا وشعبيا في المؤسسات والفضائيات والندوات والوسائط الاجتماعية طيلة هذه الأيام، وانظروا إلى أولئك المدنيين والعسكريين الذين ظلموه، والذين ترببوا حتى كادوا يعتقدون أنهم يميتون ويحيون، أين هم؟ منهم المُقعد الذي خرج من الباب الضيق، ومنهم من هو في السجن، ومنهم الفار خارج الوطن، ومنهم الذي توفي معزولا مطرودا، كلهم ذكرُهم سيء وذكر الشيخ ممدوح، كلهم رؤوسهم منخفضة متخفية وذكر الشيخ مرفوع سامق في السماء.

أيها الإخوة والأخوات، أيها السادة والسيدات،

لقد كانت وفاته صدمة كبيرة، أدخلت الحركة في دوامة كادت تذهب ريحها، ولكن الذي تركه كان قيما مغروسة في الإنسان الذي رباه وأهله، وقد استطعنا بالتعاون بيننا جميعا أن ننهض بقيمنا من كبواتنا وأن نداوي جراحنا، ونجمع شملنا ونحافظ على تصدرنا المشهد، فلم تسترح منا قوى الظلام في الداخل والخارج أبدا، بل أضحينا القوة الأبرز التي حافظت على تنافسيتها رغم التضيق والتآمر والكيد ومكر الليل والنهار، وبتنا اليوم الأمل العريض عند الوطنيين الصادقين، في داخل الدولة وفي المجتمع، وعند الصالحين والمصلحين في داخل البلد وخارجه، نتشبث بالثوابت التي رسمها الشيخ محفوظ نحناح في فكرنا وسلوكنا وأخلاقنا، وفي حبنا للوطن والتضحية والفداء في سبيل الله من أجله، وتطلعنا الدائم للاستئناف الحضاري للأمة، ومشاركتنا مشروع تحرير فلسطين، وثباتنا على نهج الوسطية والاعتدال، وفي إطار ذلك نرسم مناهج جديدة ومقاربات حديثة تناسب مع المرحلة وتطورات السنن لكي نَعبر بفكرتنا من المجتمع حيث صنعنا فيه الصحوة إلى الدولة لنصنع النهضة لبلدنا والحضارة لأمتنا، عبر البحث عن المكان المناسب الذي نلتقي فيه بالسنن الغلابة التي تغير ولا تتغير ولا تتبدل، نتحكم في إدارة الصراع بإدارة الاختلاف ونظريات المقاومة السياسية، وتأهيل الموارد البشرية، وتأطير المجتمع وفق مقاربات التخصص الوظيفي وفكرة قطع الحبل السري، نبحث عن التوافقات والتحالفات للوصول إلى تحول ديمقراطي سلس يكون لصالح البلد والأمة ونجد فيه مكاننا الطبيعي على أساس الإرادة الشعبية للمساهمة في خدمة بلدنا.

لقد أفلحنا معا جميعا، أيها الإخوة والأخوات، في تأصيل نهج تغييري جديد نرى ثماره بارزة في يومياتنا عبر مرور السنوات منذ المؤتمر الخامس، وقد ضبطناه وصممناه في مقالات وكتب عدة كتبها مختلف قادة الحركة وأطلقناه في برنامج تحدي العبور في شهر رمضان الفارط ليكون السير مسددا منضبطا فاعلا. وإننا بتمسكنا بثوابت الشيخ محفوظ وبقدرتنا على التطور والإبداع الجماعي في المقاربات والأدوات لواثقون بأن أهداف الشيخ محفوظ نحناح ستتحقق وسنعبر من المشاركة إلى الشراكة إلى الريادة بإذن الله، ضمن تطورات إقليمية ودولية تسير في مجملها لصالح الأمة بإذن الله، يراها المبصرون ويجهلها الجاهلون، يقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا.

والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

تعليق