تحدثنا في الحلقة السابقة عن الموقف السياسي القناعة والساعة والمناعة، ورأيت من المفيد قبل الحديث عن الإخراج السياسي وضمان المناعة السياسية بعد اتخاذ الموقف أن اتحدث عن أهمية حسابات الحقل والسوق والساقية والبيدر ثم الطاولة السياسية التي نعرض فوقها وعليها الموقف السياسي لضمان موقع سياسي فاعل ومؤثر بشكل مستدام.

على اعتبار أن الذي يشتغل في حقل السياسة بمشروع وبرنامج وإستراتيجية شانه شأن الفلاح الذي لا ينتظر موسم جني القمح كغلة أساسية وسلعة رئيسية في عمله، بل له حسابات خاصة تخضع لمتطلبات السنة كاملة، فهو فعلا يجتهد في موسم البذر ليكفر البذور في باطن الأرض ويوفر لها فرص الإنبات بالسقي والنبش واقتلاع النباتات الضارة التي تنبت بمحاذاتها، لكنه مع حرصه الشديد على رعاية الغلة الأساسية تجده يغرس في السواقي منتجات أخرى يدخل بها السوق في كل موسم فهو ينتج على طول السنة ولا ينتظر فقط نهايتها، فحسابات الفلاح في الحقل والسوق والساقية ومخزونه في البيدر(النادر أو بلغة العصر غرف التبريد) يعبر على وعي كبير بصنعة الزراعة والسوق والتخزين (البيدر) في آن واحد.

فإذا ما قام الفلاح بهذه الحسابات بدقة وبرمجة وحرص وإصرار كان فلاحا ناجحا في الزراعة ،وهكذا بالضبط رجل السياسة لا ينتظر الاستحقاقات الانتخابية التي تعتبر أساس التقييم ومؤشر النجاح والصعود طيلة خمس سنوات ،بل يعمل كما يعمل الفلاح بالضبط، فالسياسي يجب أن يتقن #الحسابات_الخمس_الأساسية: حساب السوق السياسي وما يعرض فيه من سلع وبضائع مذهبية وسياسية وتنموية وعلمية وابتكارية، ومدى صعود هذه السلعة ونزول أخرى، وماهي أسباب النزول والصعود هل يتعلق الأمر بطبيعة السوق أم بمؤثرات خارج السوق، ومن يتحكم في السوق أصلا وماهي وسائله وأدواته للحفاظ على هذه المرتبة، كم عدد المحتكرين وماهي مصادر بضاعتهم وقوتهم وكيف يتصرفون من الندرة والوفرة والكساد، وهل السوق يرتاده نوع من الناس أم هو مفتوح للجميع وبقوانين لعبة تجارية موحدة أم هنالك قواعد مخفية تصلح لهذا ولا تصلح لذاك..

كما أن حساب الحقل السياسي الذي يلعب فيه هل هو حقل مساحته وأرضيته تصلح لاستنبات البذور التي تباع في السوق وأملك أنا حصريتها أم أن الاستيراد هو الحل، ومن هم المنافسين وهل ماعندي كسياسي من أدوات سياسية وموارد بشرية ومالية وإعلامية وعلائقية كافي لزراعة تلك البذور ورعايتها وتحقيق الأهداف المسطرة في نهاية الموسم، ثم أن حساب البيدر أمر جد هام وأساسي في عمل السياسي حيث أن معرفة المخزون من الموارد والأذرع والمؤسسات والكفاءات وحساب الاستخدام لها في فترة من الفترات وتقدير إدخالها في التنافس أو الحياد أمر جد ضروري، على اعتبار أن إدخال السلعة المخزنة إلى السوق يتطلب دراسة واعية وفاحصة للسوق والسلع التي تسوق فيه.

كما أن استخدام الساقية في الحقل وتوظيفها في تحقيق التراكم الربحي أمر جد ضروري للعمل السياسي فالناس لا تنتظر السنة بل تطلعاتها وحاجاتها تقتضي السرعة في تزويد السوق السياسي بالمنتجات السياسية الجديدة والطازجة وقد تتغير الأمور في دقائق وساعات والسياسي ينتظر الموسم الانتخابي بعد خمس سنوات، فاستراتيجية تشغيل الساقية فن سياسي يتطلب قدرة على اختيار المنتجات التي تزيد في مصداقية الخطاب وتطور الأداء وتغذي الأنصار وتحتاط لكل جديد وتؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في مجريات الساحة السياسية.

فقد لا يستطيع الحزب بموقفه السياسي وخطابه المتكرر التأثير في بعض مخرجات الساحة السياسية ولكنه يستطيع ذلك باستخدام فنية الساقية التي تنتج موسميا ولا تنتظر السنة أو نهاية العهدة ،كما أن الطاولة التي تعرض فوقها السلع مهمة جدا على اعتبار ان أسلوب وطريقة وقوة الطاولة على التحمل امر في غاية الأهمية .

فحسابات الحقل والسوق والساقية والبيدر ثم الطاولة ،هي حسابات دقيقة تتطلب وعي بطبيعة المرحلة ووضوح المقاربة والرؤية وتوازنها بين السوق والحقل والبيدر والساقية .
ذلك أن السياسة هي فن المناورة ورجل السياسة يحدد الخيارات ويقدم البدائل للتعامل مع مختلف المواقف السياسية ،سواء كان في حالة ضعف أو في حالة قوة.

فإذا كان في مرحلة ضعف فتوجد أمامه خمس خيارات أساسية قد تتفرع عنها خيارات جديدة حسب الحالة ،أمامه خيار الإذعان وتنفيذ المطالب تحت الضغوط وخيار التنازلات بتبادل بعض الأوراق ،وخيار التجنب وأمامه رابعا خيار المواجهة.وأمامه خامسا وأخيرا خيار المعالجة ،ويمكنه الدمج بين كل هذه الخيارات لان الهدف هو ان تحقق النجاح في النهاية ،أما إذا كان في حالة القوة فلديه عدة خيارات ومنها الإزالة او الاستيعاب او التحالف او المهادنة او المشاغلة او التجنب او التوظيف ،فرجل السياسة يقبل بالنسبية وفن الممكن والكر والفر وهو الفرق بين رجل السياسة ورجل الايديولوجية ،الذي منطقه “لنا الصدر دون العالمين او القبر “فإذا تعذر الصدر فلا يبقى لديه إلا القبر ،أما رجل السياسة فكل الخيارات مفتوحة أمامه.

وبعد أن تجني المنتوج من الحقل او من الساقية او تستخرجها من البيدر لابد ان تعرضها على الطاولة في السوق السياسية التي تتطلب جهدا معرفيا نوعيا ووعيا حيويا يدقق في مخرجات العملية السياسية قبل البدء في تجسيد البرامج والمناهج والمشاريع ،وهو أمر يتطلب من القادة إدراكا موضوعيا وواقعيا لحزمة من القضايا الرئيسية في التدافع السياسي وعلى رأس تلك القضايا تحديد نوع وأطراف التنافس السياسي والتي على أساسها يصنع سلم الأهداف التي لا يجب أن تفوق حمولة الطاولة السياسية على اعتبار أن تلك الأهداف والسياسات تخضع إلى إتقان فن المناورة وتحديد الخيارات وتقديم البدائل بعد إدارة التوقعات وتحديد عقدة الصراع باستمرار ،وهي قواعد أساسية تتعلق بالعملية السياسية وليس فقط بالقيادة السياسية ، وعندما يصمم رجل السياسة سلم الأهداف ويتخذ الموقف الذي سيحدد بلا شك الموقع السياسي، فإنه لا يتحرك بشكل ارتجالي أو عاطفي بل يصممه على اعتبار الروافع المتوفرة التي تسمح بتحقيق هذه الأهداف او الروافع التي يتوقع انه قادر على إيجادها وفق دراسات ،والروافع هي الأرجل والدعامات القادرة على حمل تلك الأهداف والتحرك بها من موارد وعلاقات وفرص وقدرة على التخطيط ،وهنا ينبغي التنبيه الى ضرورة التمييز بين الروافع الحقيقية والروافع المتوهمة فكم من مشاريع بنيت على روافع متوهمة واعتمدت على الآمال التي خانت أصحابها في لحظة الحقيقة ومواجهة الواقع، وبدل الدفع باتجاه الانجاز الذي يحقق السعادة النفسية والأمل في المستقبل، فقد تتحول تلك الأهداف غير الواقعية أو لا توجد لها روافع حقيقية مصدرا لليأس والشقاء وبين السعادة والشقاء يقع مستوى الانجاز .

وفكرة العمل السياسي أقرب ما تكون إلى الطاولة فإن كانت تتحمل 100 كلغ وحاولنا تحميلها 200 كلغ تتكسر أو تميل أو تتشوه،ووظيفة رجل السياسة ان يحسن صناعة الطاولات ولا يحمل أي طاولة أكثر مما تتحمل.

فالبراعة والحكمة والفن ليس أن يحمل أوزانا ثقيلة بل أن تصمد طاولته تحت وزنه حتى يتمكن من الوصول إلى غيرها .وهنا تبرز قاعدة ذهبية في العمل السياسي وهي ان رجل السياسة عادة يبدأ من ضعف استراتيجي إلى تعادل استراتيجي إلى تفوق استراتيجي وكلما زادت قوة الفاعل السياسي الإستراتيجية كلما زادت قدرته على تحميل طاولته مزيدا من الأهداف الاستراتيجية والمواقف الأكثر علوا وسقفا، فالهدف عند رجل السياسة عادة دقيق وهو في الغالب يتشكل من سلم فبإمكانه قبول أشكال أخرى حسب الروافع الحاملة للفعل ،فالفكرة مرتبطة بالطاولة والقدر الذي تتحمله من أوزان فإذا أردتها أن تتحمل أكثر فعليك أن تعدل من الروافع الموجودة أسفلها لكي تستطيع أن تتحمل الأوزان الزائدة ،فهنالك فرق بين القوة والقدرة والمقدرة السياسية ،وحساب التوازن بين المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية كروافع للطاولة السياسية هو الذي يحول القوة إلى قدرة ثم إلى مقدرة على تحقيق الأهداف بشكل مضاعف ،فالطاولة ذات الروافع الأربع تتحمل اقل من الطاولة التي تجمع الروافع الأربع في رافعة واحدة تتصل بسطح الطاولة ولها قاعدة مشتركة ولكن الطاولة ذات الروافع الأربع أكثر توازنا من الطاولة ذات القاعدة الواحدة ،وقد لا تكفي طاولة واحدة لحمل الأوزان الثقيلة فعلى رجل السياسة أن يصنع عدة طاولات مختلفة في الشكل ولكنها متكاملة في الهدف.
انها حسابات الحقل والسوق والساقية والبيدر ثم الطاولة التي تعتبر ثوابت مهمة لصناعة الموقع السياسي وحمايته من عوامل الحت السياسي التي تجد لها رواجا هذه الأيام في السوق السياسية.

تعليق