نشر في موقع: Arabi21

أمام الموجة الجديدة لهرولة أنظمة عربية ضعيفة فاسدة للتطبيع مع الكيان الصهيوني وجب التذكير بمركزية القضية الفلسطينية وعظم جرم التفريط فيها. إن القضية الفلسطينية ليست قضية عادية يستطيع حاكم بلا ضمير ولا أخلاق أن يقرر بشأنها بما يضرها، وهي ليست قضية عابرة يستطيع دعيّ من النخب، هزيل الفكر فقير النفس أن يستخف بها، ولا هي مسألة ثانوية يمكن للمناضلين الواعين بقدسيتها وأبعادها وأعماقها وآثارها على كل مسلم وعلى العالم بأسره أن يتوقف عن دعمها ومناصرتها ومواجهة المطبعين وكل أعدائها،  والتضحية من أجلها ولو استغرق ذلك العمر كله.
فعلاوة على أن القضية الفلسطينية هي قضية احتلال أجنبي لبلد مسلم وجب دعم أهله لتحرير بلده فإن ثمة أبعادا أخرى ذات أهمية قصوى تجعل القضية الفلسطينية قضية مركزية عندنا، منها:
‐ أولا : قدسيتها الدينية من حيث أنها الأرض المباركة ومهد الرسالات ومهبط النبوات، وهي بيت المقدس و أرض المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين،  محط الإسراء برسول الله  من المسجد الحرام ومنطلق معراجه  عليه الصلاة والسلام، وبها  صلى المصطفى عليه الصلاة والسلام بالأنبياء والرسل، في إشارة لأحقية الإسلام بكل الديانات السابقة له، وهي عهد عمر ووصيه صلاح الدين، وهي قبل ذلك وبعده سورة في كتاب الله وآيات تتلى إلى يوم الدين، فهي قضية تهم كل مسلم يؤمن بكتاب الله ويتبع رسول الله، من فرّط فيها منهم فرط في عقيدته ودينه. ومِن مكر المطبعين والعملاء، وكذا الأغبياء والسذج والبلهاء من المسلمين محاولاتهم إسقاط بعدها الديني وقداستها السماوية لإضعافها وعزلها، رغم النصوص العظيمة المتعلقة بها، وبالرغم من أنهم يرون كيف أن تأسيس وهم الدولة الإسرائيلية بُني على أساس ديني توراتي محرف ورمزيات تاريخية تلمودية تستعمل لهدم المسجد الأقصى لبناء هيكل مزعوم، كما أن المناصرين للكيان الصهيوني في الغرب، وفي أمريكا خصوصا، يبنون موقفهم على أساس معتقدات بروتستنتية انجيلية متطرفة، لا يتآمر الرئيس الأمريكي ترامب على فلسطين إلا لإرضاء أتباعها وكسبهم انتخابيا.
ثانيا: بعدها الاستراتيجي المتعلق بالصراع القائم بين الإسلام والغرب منذ فتوحات الشام وفتح القسطنطينية وبلاد الأندلس وقيام الحضارة الإسلامية العظيمة وريادتها للدنيا لقرون من الزمن، و بسبب تمركز المسلمين النهائي في قلب العالم من حيث الموقع الاستراتيجي ومركز الحضارات، وحيث الخيرات والموارد بكل أصنافها. لم تتوقف المكايدة الغربية المسيحية اليهودية حتى أُسقِطت الخلافة الاسلامية واحتُل العالم الإسلامي كله، فنُهبت خيراته وقهرت شعوبه، ثم سلط عليه حكام عملاء للاستعمار لمواصلة التبعية والاستمرار في الخضوع والخنوع رغم استقلال الأوطان وجلاء جيوش الأجانب. لقد أدرك قادة الغرب بأن ثبات المسلمين سيظل قائما ما بقي الإسلام فيهم وأن مقاومة الشعوب لن تتوقف حتى تتحرر كليا وتستأنف ألقها الحضاري من جديد، فدفعَهم مكرُهم وكيدهم إلى ابتكار خطط كثيرة تضمن تبعية المسلمين ودوام ضعفهم وتشتتهم دون حروب ما أمكن وبلا تكاليف كبيرة وتضحيات جسيمة، ومن ابتكاراتهم الخبيثة في هذا الشأن إنشاء ثكنة عسكرية عظيمة في قلب العالم العربي والإسلامي بملايين الجنود في داخلها، مدربين على أعلى مستويات الحقد على المسلمين مدججين بأفتك الأسلحة وأكثرها تطورا قد ربطوا وجودهم ومصيرهم ومستقبلهم بمحاربة العرب والمسلمين وتشتيتهم وإضعافهم وإخضاعهم. فكانت دولة إسرائيل المزعومة هي تلك الثكنة وكان ملايين الجنود هم اليهود الذين جاؤوا بهم من مختلف البلدان، مدنيهم وعسكريهم. ولا بد من الانتباه ها هنا بأن توكيل اليهود من قبل الانجليز للدفاع عن مصالح الغرب يضمر في داخله بعدا عنصريا ضد اليهود كما هو حال التطرف المسيحي منذ قرون من الزمن،فقد وجدوا حيلة للتخلص من اليهود والمسلمين معا وفي آن واحد، وكانت هذه المؤامرة بتواطئ مع المنظمة الصهيونية التي تكفلت بتنفيذ مخطط التغرير باليهود ووضعهم في مواجهة دائمة مع المسلمين، رغم حالة التعايش البديعة والرعاية الحضارية التي حظي بها اليهود في الشام والعراق والأندلس والأناضول أثناء مجد الإسلام. وفي خضم هذه المواجهة تحركت كل الأحقاد العقائدية اليهودية  وبرزت كل سمات المكر والغدر والأخلاق الذميمة المذكورة في القرآن والمسجلة في سجلات التاريخ عبر مختلف الأزمة. وبعد أن أنشئت هذه الدولة_الثكنة فلا يمكن أن تكتمل الخطة إلا بضمان تفوقها الكلي والدائم في المنطقة في مختلف الجوانب، لكي يكون لها الدور الأساس لمنع المارد الإسلامي للخروج من قمقمه ومنعه الأبدي لاستئناف دوره الحضاري. وعلى هذا الأساس يعتبر الكيان الإسرائيلي هو أخطر موجود في المنطقة وفي العالم على حاضر ومستقبل الدول الإسلامية، إذ لا وظيفة له إلا إضعاف المسلمين وتشتيتهم، وعلى هذا الأساس يعتبر ضرب الأفعة على رأسها في فلسطين خيار استراتيجي لحماية أوطاننا وتحقيق نهضتنا وتطورنا. إنه يكفي لفهم هذا البعد الاستراتيجي الخطير أن ندرك مغزى تصريح عدد من الساسة الأمريكان علانية: ” لو لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدناها لحماية المصالح الأمريكية”، وهو قول ينسب إلى بايدن كذلك،  وقول أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي : ” تصوروا لو لم تكن إسرائيل موجودة كم كان يلزم لنا من بوارج بحرية وطائرات وآليات عسكرية، وكم من أعداد هائلة من الجنود يبقون مجندين في الشرق الأوسط”
ثالثا: ولئن كان لمركزية القضية أبعاد دينية واستراتيجية فإنه لنا كجزائريين بعد آخر وهو البعد الوطني، حيث لنا مع اليهود الذي عاشوا في الجزائر لقرون حساب خاص إذ لم يراعوا احتضان المسلمين الجزائريين لهم في غابر الزمن وخصوصا بعد لجوئهم إلى دول المغرب العربي بإعداد كبيرة على إثر جرائم محاكم التفتيش الصليبية بعد سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر إلى حد أصبحوا جزء طبيعيا في النسيج الاجتماعي الجزائري. لقد غدروا الجزائريين أولا بدعمهم جيوش الاستعمار بعد دخولهم الجزائر سنة 1830، فكانوا هم المترجمين وهم الأدلاء على مسالك المقاومين لدى العساكر الفرنسيين، ثم تميزوا عن الجزائريين بالجنسية الفرنسية على حساب السكان الأصلاء الذي حولوا الى سكان من الدرجة الثانية
بمقتضى  قانون الأهالي سنة 1870، ورغم البلاء الشديد الذي أصبحوا يتسببون فيه للمسلمين الجزائريين تحت الاستعمار بقي وجودهم طبيعيا بين السكان، إلى أن جاءت الثورة التحريرية الكبرى سنة 1954 فخيرهم قادة الثورة بين الانتماء الجزائري أو الحياد أو أن يعتبرون كالفرنسيين أعداء يُحاربون، فاختاروا صف المحتلين وألحقوا بالمجاهدين أضرارا كبيرة فأثخنت في عملائهم ورموزهم الثورةُ، وحين اضطر الرئيس الفرنسي ديغول للتفاوض مع جبهة التحرير الوطني انضموا إلى جبهة المعمرين الأوربيين المتطرفين الرافضين وشكلوا منظمة إرهابية ( المنظمة المسلحة السرية) تسببت في جرائم فظيعة في وسط المدنيين في الأحياء التي يسكنها المسلمون الجزائريون، ولكثرة جرائمهم لم يجرؤوا على البقاء في الجزائر عند الاستقلال فخرجوا عن بكرة أبيهم من البلاد وهذا الذي يفسر خلو الجزائر منهم، وهذا الذي يفسر العداوة الشديدة بين الجزائريين والإسرائليين، وهذا الذي يفسر  تعلق الجزائريين بفلسطين منذ زمن طويل وإلى هذا اليوم على المستوى الرسمي والشعبي.
وفي الختام يتضح جليا من خلال ذكر هذه الأبعاد بأن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني هو انحراف يتعلق بمسألة عقائدية، وتفريط استراتيجي في حق الأمة العربية والإسلامية، وخيانة وطنية لما سببه لأوطاننا التطرف اليهودي و اللوبيات الصهيونية.

تعليق