تعيش المجتمعات العربية على وقع تحولات عميقة في البنية الفكرية والسياسية والثقافية على مستوى الفرد والمجتمع والحكومات والأنظمة في مقابل مشاريع تفكيكية تقودها القوى الكبرى لإعادة صياغة مناطق النفوذ والمجالات الحيوية لها وفق نظريات تفتيت مدروسة انطلقت من رصد ظاهرة الصراع النكد بين النخب السياسية وأنظمة الاستبداد التي تحكم المنطقة في مراحل طويلة من عمر الأمة ولم تستطيع تحقيق التنمية والحرية والديمقراطية فثارت عليها الشعوب في مشاهد مأسوية عملت تلك السلطات على استيعابها بدعم من منظومة الغرب التي تكيل بمكيالين في تقدير معايير الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتي ماتزال تستخدم نفس الإستراتيجية في موجات جديدة وبطرق مستجدة من التحولات والانقلابات القيمية في السياسة والاقتصاد.

وانقسمت النخب السياسية في عالمنا العربي سواء النخب الوطنية القومية او النخب اليسارية العلمانية او النخب الإسلامية والمحافظة إلى تيارات متفرقة منها من هو في السلطة او يساندها ومنها من هو في المعارضة،وكل واحد منها يقرأ الوضع قراءات مختلفة زادت من حدة الهوة بين الأمة ونخبها الفاعلة وراحت تتآكل يوما بعد يوم في وقت يتطلب تجميعها وتقوية تماسكها في مواجهة الاستبداد والاستعمار الحديث على السواء على اعتبار ان مواجهة كلا التحديين (الاستبداد والاستعمار) يحتاج الى تحالف كبير بين هذه القوى للحفاظ على وحدة أوطانها وحماية أمنها القومي وسيادتها من الزوال وفي نفس الوقت تحقيق مساحات مقبولة من التغيير والإصلاح في مواجهة الاستبداد والأحادية.

نقول هذا الكلام اليوم لأننا نعيش جميعا تحديات مشتركة تتعلق على الخصوص في تحدي تخيير الأمة بمختلف نخبها بين الاستبداد والأحادية في ظل ديمقراطيات شكلية سماها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله (ديمقراطية الواجهة) او الفوضى والإرهاب وداعش والتدخل الأجنبي وذهاب استقرار ووحدة الأوطان سماها أيضا الشيخ محفوظ نحناح (ديمقراطية المواجهة )، وتصبح النخب السياسية والقوى الطامحة في التغيير والإصلاح السلمي في حرج كبير وأمام تحدي خطير وهام في اختيار طريقة العمل المثلى  التي تحقق التغيير والإصلاح ولا ترهن وحدة الأوطان واستقرارها ،وحتى لما  دقت ساعة التغيير والإصلاح ،من خلال موجات الربيع العربي والحراك الشعبي التي أطاحت بثلاث دكتاتوريات ومنع احد الرؤساء من العهدة الخامسة وهو على كرسي متحرك لا يتكلم ولا يتحرك و لايكاد يحكم نفسه ،وجدت هذه الموجات العملاقة النخب السياسية مفككة ومتفرقة وبعضها يائس من عملية التغيير ،فلما جمعهم الحراك الشعبي في صفوفه ثارت انانياتهم وعملت بعض القوى على الاستئثار بقيادة الحراك الشعبي فذهب الجمل بما حمل ومرت الفرصة التي لا تتكرر الا بعد ثلاثين سنة حسب خبرة التاريخ الذي يكتب ولا يرحم ،فهل من سبيل الى استقبال الموجة الجماهيرية التغييرية القادمة بصف نخبوي وسياسي موحد او على الأقل يجتمع حول الأولويات الملحة للأمة ؟

إن القوى الكبرى والمشروعات المجتمعية العملاقة لا تنشأ مكتملة الأركان ومحددة المعالم، بل تكون نتيجة عمل متراكم، وحصيلة حركة تدافع مستمرة بين مختلف القوى والتيارات الاجتماعية والسياسية والفكرية، ولا توجد جهة مخولة بادعاء الحق في تحديد المشروع المجتمعي، على نحو ما ترغب، أو أن تفرضه على الآخرين، من دون اختيارهم الطوعي والإرادي، ومن شأن شيوع مناخ الحرية أن يساعد الجميع على التطور، وإنضاج رؤاهم الفكرية والسياسية، وتقريب وجهات النظر ورأب التصدعات، والحد من الصراعات وبناء التحالفات.

وهنا تبرز أهمية الهندسة السياسية في رسم الخطوط العريضة والعامة التي تمثل بوصلة للعمل السياسي المشترك الذي يعبد الطريق ليكون سيارا يوفر فرص السير لكل القوى الوطنية مهما كانت مشاربها على قاعدة الحرية والديمقراطية والتنمية ،حيث يطرح مهندسوا العمل السياسي أهم المشكلات الأساسية التي تنشأ فى مجال العمل السياسى المشترك في مجموعة أسئلة كبرى، منها: من يتصدر قيادة هذا العمل المشترك؟ ومن يتولى التعبير عنه وقيادته؟ وكيف تتخذ القرارات الكبرى، وتصاغ الاستراتيجيات العامة فى هذا التحالف؟ وكيف يمكن الوصول إلى الحد الأدنى من برامج العمل المشتركة؟

وهل تستوعب الهيئات المعنية مفهوم العمل السياسي المشترك؟وهل يقف ذلك الإستيعاب، في حالة حصوله، على جعل مناضلي التنظيمات المدعوة إلى القيام بالعمل المشترك ينخرطون فيه ؟وهل تدرك التنظيمات مستويات العمل المشترك؟هل يتحدد في ممارستها المستوى الآني؟ هل تدرك المستوى المرحلي؟ هل تعمل على استيعاب المستوى الإستراتيجي؟هل تميز بين التنسيق، والتحالف والجبهة؟أم انها لا تستوعب كل ذلك؟وما هي النتائج التي تترتب عن جهلها بمفهوم العمل السياسي والمجتمعيالمشترك؟هل تميز التنظيمات المدعوة إلى القيام بالعمل المشترك بين الأسس التي يقوم عليها العمل المشترك؟هل تستوعب الأساس الإيديولوجي، وما يقتضيه؟هل تدرك الأساس التنظيمي؟هل تدرك الأساس البرنامجي، وما يترتب عنه؟هل تتبين الأساس السياسي، وما يؤدي إليه؟هل تدرك العلاقة الجدلية القائمة بين هذه الأسس المختلفة؟وهل حاولت التنظيمات المدعوة للقيام بالعمل المشترك الوقوف على معيقات العمل المشترك؟هل تسعى إلى الوقوف على المعيقات الإيديولوجية؟هل تتبين المعيقات التنظيمية؟هل تعمل على معرفة المعيقات البرنامجية؟هل تقف على المعيقات السياسية؟وهل تتساءل عن ما هي وسائل تجاوز تلك المعيقات؟ هل تعرف ما معنى وسائل تجاوز المعيقات الإيديولوجية؟هل تدرك أهمية الوسائل التنظيمية؟وهل تتوضح لديها الوسائل البرنامجية؟وهل تتبين دور الوسائل السياسية في تجاوز المعيقات المذكورة؟هل تعمل على تربية الجماهير الشعبية على هذه الوظيفة، بالخصوص، على العمل المشترك؟هل تنجز التنظيمات المنخرطة في العمل المشترك الدورالمنوط بها أم تنتظر لقاءات العمل المشترك لتستفيد منه كاطار حزبي؟هل حركت تلك الأحزاب المنظمات الجماهيرية والنخب لتقوم بدورها في العمل المشترك؟وهل يؤدي دوره في تطوير البرنامج المشترك؟هل يعمل على تطوير المواقف السياسية؟ هل تحضر هذه الضرورة على مستوى تفعيل الهيئات النقابية والمؤسسات الجماهيرية؟ هل تحضر الآلية التنظيمية في ذلك التفعيل؟ما هو دور الآلية البرنامجية؟هل للآلية الجماهيرية دور معين؟وما هو دور الآلية الإعلامية؟وما هو مستوى تفعيل الآلية التواصلية للعمل المشترك؟ وهل تلعب المواقف السياسية دورا معينا في الحفاظ على وتيرة العمل السياسي المشترك؟

ونحن عندما نطرح هذه الأسئلة لا نروم إلا استفزاز الأذهان سعيا إلى تحقيق العمل المشترك الفعلي على مستوى إعمال الفكر في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي من قبل الجميع، ومن أجل أن يحضر العمل المشترك في المسلكية الفردية، والجماعية، باعتباره وسيلة لتطوير الواقع، وتغييره إلى الأحسن. وهذا التطور، والتغيير، لا يتم إلا بتحقيق الأهداف الآنية، والمرحلية، والإستراتيجية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

مفهوم العمل السياسي المشترك :

العمل المشترك هو تعاون ممتد لأجل، ويتخذ صورا متعددة، كالتنسيق، والتحالف، والتجمع، أو الجبهوية، ولهذه الصور معاني اصطلاحية.

التنسيق هو أبسط الصور الثلاثة، وهو يستدعي تبادل قدر من المعلومات، وتوزيع الأنشطة وترتيبها بما يمنع التضارب، أو بما يحقق استخدام أفضل للموارد. وقد يحدث التنسيق حتى مع غياب الأهداف المشتركة، لكن لا تكون الأهداف متضاربة.

أما التحالف، فيستهدف العمل المشترك في مجال معين، لتحقيق أهداف مشتركة معينة، ويغلب فيه الجانب السياسي على الجوانب الإيديولوجية، وجانب الممارسة على النظرية؛ وإن كانت الجوانب الإيديولوجية حاضرة، كخلفيات. وينتهي التحالف بانتهاء الغرض الذي عقد له.

أما التجمع أو الجبهة، فتستهدف اشتراكا واسعا شاملا، وهو بذلك يعد أعلى رتبة من التحالف، لأنه لا يرتبط بمشروع بعينه، ولا بتحقيق أهداف محددة تؤدى إلى تفككه وانحلاله بتحققها أو زوالها، كما هو الشأن بالنسبة للتحالف. وعادة ما يتطلب التجمع الانسجام الفكري والتنظيمي والسياسي بين المكونات المشكلة له.وما يعنينا في هذه الدراسة هو المعنى الجامع بين هذه الصور، وهو الاشتراك في العمل.

أهمية العمل السياسي المشترك:

لا نحتاج أن نقف طويلا عند أهمية العمل السياسي المشترك، فهذا أمر من البديهيات، يدركه العقلاء، وتشهد له التجارب، ومن فوائده الظاهرة:

  1. جمع القوى واتحادها
  2. تحقيق ما لا يمكن تحقيقه مفردا
  3. منع النزاعات أو الحد منها
  4. توظيف أمثل للموارد
  5. استشراف المستقبل وتقليص مساحات الاختلاف .
  6. تركيز الخطاب السياسي وتسهيل عملية الاقناع .
  7. تعويد المناضلين على العمل السياسي المشترك وتقليص هوامش الانانية والذاتية.
  8. انتاج جيل سياسي جديد مقتنع بقيمة الحوار السياسي مع الاخرين .
  9. التعود على عادات سياسية جديدة تغذي الجماعية وتستفيد من الفردية.
  10. تبادل الخبرات والتجارب بين اطراف العمل السياسي المشترك.

ارتباط العمل المشترك بدرجة التوافق:

وها هنا أصل يجب التأكيد عليه وهو مما يشوش كثيرا على الدعوة إلى الاشتراك في الأعمال. هل يمكن العمل المشترك مع الخلاف؟ وهل يلزم التوافق التام حتى  نعمل سويا في مشروع مشترك؟و يمكن القول أن العمل المشترك يمكن أن يوجد في أشد درجات التباين، وإن كانت فرصه تزداد باتساع دائرة المشترك.ونستطيع أن نضع القاعدة التالية:العمل المشترك لا يلزم له التوافق التام، ولا يلزم منه التوافق التام.لان الخلافات بيننا موجودة، وخير لنا أن نعترف بها واقعا، من أن نكابر انجرارا وراء آمالنا وعواطفنا.إلا أن هذه الخلافات لا تمنع العمل المشترك على أهداف متفق عليها، فالتوافق التام ليس شرطا لأن نعمل سويا.

وفي المقابل عندما نعمل سويا فهذا لا يعني أننا متفقون من كل وجه، أو أننا متفقين على كل شيئ. والشطر الثاني من القاعدة مهم، لأن بعض الناس يمنعه من العمل المشترك خشيته أن يقال: يعمل مع كذا وكذا من مخالفيه، فهو يوافقهم في مخالفاتهم، أو يعطيهم مشروعية عند الجمهور، أو يزكيهم عند الدهماء، وغير ذلك من المفاسد المحتملة في ظن المعترض.

كما ان الوحدة الاندماجية حلم ونهاية وليس بداية وهي مسار وليس قرار ،وبدايتها العمل المشترك على قاعدة التوافق في القضايا المطروحة والأساسية والمتفق عليها ويحتفظ كل طرف بحدوده وسيادته وقيادته لحزبه لكنه يجب ان تندمج كل الأطراف المشكلة للعمل المشترك في القضايا المتوافق عليها من خلال فضاءات ومساحات مرنة تشجع على العمل والاستمرار وليست قوانين ترعب وتردع وتحاول إفقاد الذات السياسية على اعتبار أن العمل السياسي المشترك فضاء أوسع من التنظيمات فهو فضاء فوق حزبي مرن وواسع وافقه كبير وعال وهو ما ينبغي أن يقتنع به كل طرف من أطراف العمل السياسي المشترك ، فمن التعاون يمكن أن نصل إلى الشراكة الإستراتيجية ثم التحالف الاستراتيجي والعكس غير صحيح إلا مؤقتا وعاطفيا ،وكل ذلك يمكن ان نسميها ثقافة العمل السياسي المشترك ينبغي تدريب قيادات الأحزاب عليها .

عوامل نجاح العمل السياسي المشترك:

من وحي التجربة ودونما خوض فيما كتب حول عوامل النجاح سأستعرض هنا ستة عشر عاملا لنجاح العمل المشترك كما لخصها احد الخبراء .

  1. القناعة بالحاجة ووجود الدافع للعمل المشترك :وهذا أمر أكثر بداهة من أن يذكر، لكن الواقع أن أناسا يساقون إلى العمل المشترك سوقا، بضغوط خارجية، أو داخلية من الأتباع، وهؤلاء بانعدام تفاعلهم لا يقدمون شيئا للعمل المشترك، بل ربما تصيدوا القصور والأخطاء أو اختلقوا الأعذار للتملص من تبعات العمل المشترك حتى لا يتهموا بأنهم هم المعرضون عنه. ولكن الحقيقة أنهم غير راغبين فيه أصلا.
  2. وضوح الهدف :ومع بداهة هذا الأمر أيضا، لكن أود الإشارة إلى ثلاثة أمور:
    • لا تكفي الغايات والعموميات كأهداف.لا بد من النزول بالأهداف إلى مستوى تفصيلي.انتقال ديمقراطي ، بناء الدولة، تكريم الإنسان لا يكفي هدفا للشراكة، عندما يجتمع الناس على أهداف عامة جدا، سرعان ما يكتشفون أنهم غير جاهزين للشراكة.
    • بل لا تكفي حتى الأهداف التفصيلية المرحلية، لا بد مع ذلك من مشروع عملي مشترك على اعتبار أن المشروع يقوي الشراكة ويزيدها تماسكا، ويمنع الكيان المشترك من الانكفاء على قضايا داخلية تفصيلية والاكتفاء بها، مثل دقائق النظام الأساسي واللوائح والتسجيل القانوني، ووضع الخطة الإستراتيجية، وتعديل الخطة، وأمثال ذلك. هنا يقاس الإنجاز بعدد الاجتماعات !. ولقد شاركت في مشاريع من هذا النوع، فبدأ الحماس ينطفئ، والناس تنفض شيئا فشيئا.ليس قيمة المشروع العملي فقط في نتاجه، ولكن في كونه أيضا المادة اللاصقة بين العاملين فيه.
    • ولا بد من الإشارة أيضا إلى الواقعية في وضع الأهداف. يتحمس الناس كثيرا للاجتماع، وفي غمرة الحماس والعاطفة يصيغون أهدافا أقرب إلى الأحلام. تجدهم أحيانا بالكاد تم جمعهم، فإذا هم يتحدثون عن الوحدة والاندماج !

ت‌-مأسسة العمل المشترك:

ونقصد به وضع نظام داخلي، وميثاق، وهيكلية تنظيمية، وتوصيف للأدوار والوظائف، وإطار قانوني للعمل إن أمكن، وتوثيق محاضر الاجتماعات، وضبط الموارد والمصارف المالية، و ضبط آلية صناعة واتخاذ القرار…

ولكن نحذر هنا من الاستغراق في هذه الإداريات دون وجود عمل موازي والتي تحول العمل المشترك الى مجرد حزب سياسي جديد يضاف الى قائمة الاحزاب ، وكأن هذه الأمور أصبحت مقصودة لذاتها، بل في مثل الظروف التي نعيشها ينبغي أن يؤتى منها القدر اللازم للعمل، وتطور شيئا فشيئا بحسب الحاجة،

 ث‌-الثقة :

ومن أكثر ما يقتل الثقة بين المشتركين أن يشعروا أن فيهم من يريد أن يستغل العمل المشترك أو “يمتطيه” لتحقيق أهداف شخصية، أو فئوية تناقض أهداف العمل المشترك.

ج‌-  الصدق :

أهل الحكمة يقولون أستطيع أن أعمل مع المخالف منهجيا عندما يكون صادقا، ولا أستطيع التعامل مع من على مثل أفكاري النظرية حين يكون مراوغا.

ح‌-  الشفافية :

يميل الناس عموما إلى المجاملة والمداراة في علاقاتهم الاجتماعية. وهذا مفهوم، وربما يكون ممدوحا.أما في العمل المشترك، فلا بد أن تبنى الأمور على الصراحة والمكاشفة.

والملاحظ في حالتنا أن نمرر الأمور بالسكوت والمجاملة في المجلس المشترك، ثم تنطلق ألسنتنا بالنقد والتجريح والعيب بعد المجلس، حيث أصحاب العلاقة غائبون، فنقع في محاذير سياسية سرعان ماتنقل الاخبار بين الاعضاء وتصل الى الاعلام وهكذا  مما يوصل الى الإضرار بالعمل المشترك.

خ‌-  العدل :

لن يقبل الناس على مشروع يرون أنه لا ينصفهم. وقد يظهرون شيئا من التنازل عن بعض ما يعتبرونه حقا لهم في بداية الأمر، لكن مع مرور الوقت يشعرون بالضيم، خاصة إذا طلب منهم مزيد من التنازل.

ومن البديهي أن نذكر أن العدل لا يعني المساواة، بل قد تكون المساواة ظلما، ولا بد من تسليم جميع الشركاء ابتداء أن العدل يقتضي أن يكون دور كل شريك متناسبا مع وضعه وموقعه.

الكيانات الصغيرة عددا وأثرا، تشعر أنها لم تمثَّل بشكل مناسب، ولم تؤخذ احتياجاتها في الحسبان، والكيانات الكبيرة عددا وأثرا ترى أن التمثيل لم يراع حجمها وأثرها، وهكذا.

وتبرز المحاصصة كأحد أبرز التحديات أمام العمل المشترك – المحاصصة المؤسسية، أو الفئوية، المناطقية، العرقية،

د‌- الرضا :

أي شريك لا يرى في العمل المشترك مصلحة أوتحقيقا لأهدافه، لن يكون راضيا عنه، وسيرفض الاشتراك فيه، أو ينسحب منه لاحقا، أو يتعامل معه بسلبية.

لذلك فإن مصلحة العمل المشترك نفسه، وبالتالي مصلحة كل شريك أن يكون شركاؤه راضين. وليس معنى هذا أن يمارس بعض الأطراف الابتزاز، ولكن المطلوب أن تبدي جميع الأطراف قدرا من المرونة والتنازل لأجل المصلحة المشتركة، ولتصل إلى مكاسب مشتركة.

ذ‌- المرونة :

لا مناص للشريك- قويا كان أو ضعيفا- أن يبدي المرونة والتنازل لشركائه حتى تسير العربة. وتتأكد الدعوة إلى المرونة حين يكون هناك ضرر لمجموع مقابل ضرر على واحد، أو مصلحة فئة صغيرة مقابل مصلحة عامة، أو تفويت أمر جزئي مقابل انفراط العمل بالكامل.

ر‌-    سيادة القرار : عندما يشترك الناس في عمل، يفترضون أن قراراتهم ستنبع منهم، فإذا تبين لهم أن هناك من يرهن قراره لجهة خارج الشراكة، أو حين تحاول جهة خارجية – بحجة التمويل أو غيره – أن تفرض قراراتها على التجمع، فسرعان ما تفقد الشراكة بريقها، لأن الناس لا تريد أن تكون صورة، ولا تريد أن تدار من الخلف أم يُتحكم فيها عن بعد.

ز‌- اختيار الشخصيات التوافقية :

والشخصيات التوافقية ليست بالضرورة متساهلة أو تقبل التنازلات المجحفة، ولكنها شخصيات لها القدرة على استيعاب الآخرين، والتعامل معهم، وتفادي الصدامات أو تأزيم المواقف.

وقد تفشل بعض المشاريع بسبب حدة بعض الشخصيات، أو عجلتها، أو عدم مراعاتها لبعض الأعراف الاجتماعية وغير ذلك.

س‌-المعرفة المسبقة للتحديات والمخاطر التي تواجه العمل المشترك :

من المفيد جدا أن يبحث الشركاء في وقت مبكر، ربما مزامنا للتأسيس، التحديات والعقبات المتوقعة.

ش‌-الاتفاق على التفاصيل المؤثرة :

وكما يقول المثل الإنجليزي “الشيطان يكمن في التفاصيل”. هناك بعض الأعمال تكون تفاصيلها إجرائية، إلا أن هناك أعمال أخرى تشكل تفاصيلها جزءا رئيسا في قبول العمل أو رده. ذلك ان تكوين صورة مشتركة عن التفاصيل المؤثرة قبل الانخراط في العمل المشترك يكون مفيدا جدا، ولأن نتأخر في بدء العمل المشترك حتى تتبين التفاصيل المؤثرة، أفضل من الشروع فيه ثم النكوص عنه للاختلاف على التفاصيل، لما في ذلك من الإحباط ورفع منسوب التجارب الفاشلة.

ص‌-  الاتفاق على مرجعية لحسم الخلافات :

الخلاف من طبيعة البشر. وحين يعملون سويا لا بد أن تظهر بينهم خلافات تحتاج إلى حسم. تكفي الأنظمة الأساسية واللوائح في العادة في حل الخلافات الواضحة جدا، لكن في كثير من الأحيان لا تفي بالغرض. فمن الحكمة أن يتفق الشركاء على آلية لحسم الخلافات، أو مرجعية للفصل بين النزاعات.

ض‌-عدم التغول على مجال العمل أو ادعاء الوصاية أو التمثيل الحصري :

جميع الكيانات الموجودة الآن لم تأت بتفويض من الناس، ولم تأت من سلطة يجب طاعتها،لذلك مهما كان حجمها ومهما ضمت من شركاء لا ينبغي لها أن تحتكر العمل في مجالها، أو تدعي الوصاية عليه. بل الأولى أن تعمل بصدق حتى يصبح ذلك أمرا واقعا يسلم به الناس بدل أن يفرضوه عليهم فرضا، ولن يستطيعوا، ولو استطاعوا فلن يطول الأمر كثيرا حتى يرفضه الناس.

حين يدعي كيان جديد احتكار العمل والوصاية عليه، فسيدخل في تنافس مع العاملين الآخرين، ولن يكون تنافسا تكامليا، بل تنافسا مذموما يضعف كلا العملين، ويشتت الجهود.

ط‌-التواصل المستمر:

لا مناص للعمل المشترك أن يوجد آلية عملية وفاعلة للتواصل، بشكل منتظم، وبشكل طارئ عند الحاجة، وما أكثر الطوارئ في حالتنا، فانقطاع التواصل يجعل من الحبة قبة، ويسمح للتخمينات أن تقوم مكان الحقائق، وللشائعات أن تنتشر.

 

الحلقة القادمة :هندسة العمل السياسي المشترك (02)

واجب إعادة بناء الكتلة التاريخية والتيار السياسي السائد

 

تعليق