أعتقد أن أولويات المرحلة القادمة تتطلب تعميق النقاش وتحريره من كل القيود لبحث الأفكار الجديدة والأولويات الملحة، حيث تجتمع القوة الحية للوطن والأمة بمختلف مشاربها وفئاتها على مائدة حوار ونقاش مفتوح وعميق وبرؤية كلية مستشرفة دون خلفيات ولاشرطيات مسبقة ولا إقصاءات مبرمجة لبحث المستقبل المشترك في كل دولة على حدى، على اعتبار أن الاهتمام بالمستقبل يقع في دائرة الأولوية القصوى حيث يمكن ان نختلف عن تقدير مواقف الماضي الذي قد نكون تخاصمنا فيه ولكن يمكننا أن نجتمع على تحرير رؤية المستقبل بيسر وفاعلية أكبر .

وعلى العاجل نحتاج الى بذل الجهود من أجل بناء توافقات سياسية لتحقيق هدف محدد هو: كسر احتكار السلطة من قبل فرد أو مجموعة وإنجاز الانتقال إلى نظم الحكم الديمقراطية، أي تأسيس نظام سياسي ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة وحكم القانون، ويتيح للجميع أجواء صحية للنقاش والتفاعل والتنافس من أجل تحقيق المصلحة العامة،وإعادة صياغة التيار السياسي السائد كما يقوم المفكر طارق البشري.

والتركيز على هدف مشترك واحد وتأجيل بقية الأهداف وتاجيل الأهداف الجزئية المشروعة، ففي بولندا كان الهدف إقرار التعددية السياسية وكسر احتكار الحزب الشيوعي للحكم، وفي جنوب أفريقيا كان الهدف هو الحصول على المواطنة الكاملة في ظل نظام ديمقراطي يسع الجميع، وفي كوريا الجنوبية والبرازيل كان الهدف إجراء انتخابات ديمقراطية مباشرة للرئاسة وكسر احتكار العسكريين للسلطة، وفي إسبانيا كان الهدف هو الوصول إلى الملكية الدستورية البرلمانية. وللوصول إلى هدف مشترك لابد من بناء جماعة ديمقراطية فاعلة من تكتل كافة القوى الوطنية، أو ما يمكن تسميته “كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية”، تحت مسمى “الائتلاف الإستراتيجي من أجل الانتقال إلى الديمقراطية”، حيث تمثل الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية البديل السلمي المُجرب تاريخيًا للمسارات العنيفة للتغيير كالانقلابات العسكرية أو الثورات أو الغزو الخارجي، وهي تعني ائتلافا من أجل الديمقراطية بين القوى السياسية التي تنشد التغيير السلمي، وقيام هذه القوى -مجتمعةً- بالعمل على إنجاز هدف محدد هو الانتقال إلى الديمقراطية، مع التزامها بممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها، وذلك على اعتبار أن الديمقراطية -إلى جانب كونها أحد الأهداف الوطنية الكبرى- هي أيضًا وسيلة أساسية لتحقيق بقية تلك الأهداف.

والكتلة بهذا المعنى تشير إلى مجال أضيق من مجال “الكتلة التاريخية” لدى أنطونيو غرامشي ومحمد عابد الجابري وخير الدين حسيب. ويعود مفهوم ومصطلح “الكتلة التاريخية” إلى المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي (1891-1937) الذي كان يسعى إلى حل المشاكل التي عاشها المجتمع الايطالي في ذلك الوقت والناتجة عن التباين الكبير بين الجنوب المتخلف اقتصاديا والواقع تحت هيمنة الكنيسة وبين الشمال المتقدم صناعيا.

ورغم تكوين غرامشي الماركسي إلا أنه سعى إلى البحث عن بديل للماركسية لإحداث التغيير المطلوب في المجتمع الإيطالي، فقد رأى في المثقفين البديل الذي يمكن أن تقود هذا التغيير. وتستهدف الكتلة هدفًا تاريخيًا يتصل بالتحدي الأهم الذي تعيشه مجتمعاتنا، وهو تجاوز الأشكال المختلفة للحكم المطلق، وإقامة نظم حكم ديمقراطية.

فاللحظة التاريخية تشير إلى حاجة كل قطر عربي أولاً إلى نظام حكم ديمقراطي ينبع من الداخل، ويحقق المصالح المشروعة للشعوب، وينسجم مع قيم المجتمع وثقافته، وتحميه كافة القوى الوطنية ذات المصلحة الوطنية.

وذلك على اعتبار أن النظام الديمقراطي كفيل -أكثر من غيره- بأن يضع دول هذه المنطقة على الطريق المؤدي إلى تحقيق بقية الغايات الوطنية الكبرى، كالتنمية والعدالة والتحرر والحفاظ على الهُوية وإزالة الاحتقانات الطائفية والعرقية، وكذا توجيه القدرات نحو التكامل العربي وصولاً إلى الوحدة في عالم لا يعرف إلا لغة المصالح والتكتل.

إن المرحلة التاريخية الراهنة تحتم على العقلاء (سَراة القوم، أي قادة التنظيمات وقيادات الفكر والعمل المجتمعي ومؤسسات صناعة الوعي) التداعي إلى إنقاذ مجتمعاتهم والارتفاع إلى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم في هذه اللحظة التاريخية، والتكتل من أجل ظهور حكومات مسؤولة. وتحرك هؤلاء السراة أمرٌ حَدَثَ من قبل، فحركات التحرر الوطني والاستقلال تُعد شكلاً من أشكال التكتل التاريخي، شهدته دول مثل مصر وسوريا والمغرب والكويت والجزائر وغيرها. وتعبر الكتلة عن إرادة مجتمعية مشتركة يرتفع أعضاؤها إلى مستوى المسؤولية التي تتطلبها المرحلة، ويتفقون على الأولوية المشتركة والمدخل الإستراتيجي للنهضة وعلى تأجيل التنافس الأيديولوجي إلى مرحلة لاحقة.

وبالتالي فهي توافق حول وضع إطار سياسي ديمقراطي يُمكّن كل التيارات من العمل بحرية وشفافية، ومن التنافس من أجل تحقيق البرامج السياسية المختلفة بعد إقامة النظام الديمقراطي. وتستند واقعية هذا الطرح -أي التوافق على الديمقراطية كهدف وتأجيل التنافس الأيديولوجي- إلى حقيقة جوهرية قوامها أنه بعد عقود من الصراع بين التيارات المختلفة، هناك شبه إجماع بينها على الديمقراطية كنظام للحكم وكمنهج سلمي لإدارة الصراع السياسي.

ونظرًا لأن الكتلة المنشودة هي صيغة للتوافق الوطني على الديمقراطية باعتبارها هدفًا جامعًا ووسيلة لتحقيق بقية الأهداف، ونظرًا لصعوبة انفراد تيار واحد بإنجاز هذه الأهداف، لابد ألا تستبعد الكتلة أحدًا، وأن تكون أبوابها مفتوحة أمام كل القوى التي تنشد التغيير السلمي الذي هو هدف وطني يخص المجتمع بكافة فئاته، بما في ذلك العناصر الإصلاحية داخل النخب الحاكمة. والكتلة لا تلغي الأطراف المنضمين إليها ولا تحل محلهم، فهي تجْمَع قواهم وتوحد جهودهم تجاه برنامج عمل مشترك يستند إلى أولوية عليا جامعة هي تنمية طلب فعّال على الديمقراطية والضغط من أجل انتقال أنظمة الحكم الحالية إلى الحكم الديمقراطي.

كما أن ثمة إمكانية لاختلاف وجهات النظر والتنافس من أجل الصالح العام داخل الكتلة ذاتها، كما يحدث في حزب المؤتمر الهندي الذي يشبهه البعض بالبرلمان الذي يختلف أعضاؤه داخله إلا أنهم في النهاية ينتهون إلى قرار واحد وكذلك الامر بالنسبة للحزب الشيوعي الصيني. ويتطلب بناء هذه الحركة الديمقراطية الفاعلة اقتناع القوى المشكلة لها بالديمقراطية والعمل على تنقية خطابها السياسي من الاتهامات المتبادلة والكف عن سياسة التنقيب عن الماضي أو التوقع في شأن المستقبل، والإيمان بأن المرحلة التاريخية تتطلب سياسة “عفا الله عما سلف” من أجل تحقيق هدف تاريخي مستقبلي أكبر يضع حدًا للشقاق ويعم بالنفع على الجميع. وتنقية الخطاب تتطلب أن يُسمي كل تيار التيار الآخر بالاسم الذي يستحبه ويطلقه على نفسه كما ينادي الدكتور الكواري منذ زمن، وأن يتم الابتعاد عن التسميات المصكوكة لتنفير الناس من الطرف الآخر، مثل “العلمانية” و”الإسلاموية”.

ولا يعني التوافق حول المشترك الديمقراطي القضاء على التباينات القائمة بين التيارات، فمن الضروري إدراك أن هذه التباينات لا تتعارض مع الاتفاق على الديمقراطية كنظام للحكم، ولا على الكتلة التاريخية كمدخل للديمقراطية. لقد ضم حزب المؤتمر الهندي وحركة أمنو الماليزية وحزب العدالة والتنمية التركي طيفًا واسعًا من التيارات السياسية والاجتماعية وحتى العرقية والدينية، كما أن الكتلة التي فاوضت حكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا ضمت ممثلين لفئات مختلفة. هذا بجانب أن التكتلات الديمقراطية التي ظهرت في كثير من الدول والتي نجحت في إنجاز انتقالات ديمقراطية في العقود القليلة الماضية، ضمت أحزابًا تختلف في أيديولوجياتها من اشتراكية وليبرالية وشيوعية ويمينية. ويقتضي الأمر أيضًا ضبط مفهوم الديمقراطية والتوافق على الخصائص الأساسية للنظام الديمقراطي والمفاهيم المرتبطة به، ولعل أهم جانب في الممارسة الديمقراطية هو ظهور قادة ديمقراطيين ونخب ديمقراطية.

وهذه الفئة تضم المثقفين والسياسيين الوطنيين من كافة فئات المجتمع -فئة المثقفين العضويين بتعبير غرامشي- الذين يشكلون معًا القوة الدافعة وراء الكتلة. أي أولئك الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل المصالح الشخصية والمذهبية والطائفية، والذين يؤمنون بقدرة الإنسان على الفعل والتغيير، ويناضلون من أجل تحقيق أهداف الكتلة.

إنّ الكتلة لا تحتاج إلى السياسيين والمثقفين الانتهازيين الذين تحرروا من كل القيم وراحوا يسعون وراء المنافع المادية والمعنوية، ولا إلى الأيديولوجيين الذين يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة والذين يرون السياسة باللونين الأبيض والأسود. وهناك حاجة إلى توثيق هذه القناعات والتفاهمات الديمقراطية في وثائق وبرامج الكتلة. وأهم هذه الوثائق وثيقة مبادئ العمل داخل الكتلة ذاتها، والتي لا مفر من أن يتوافق عليها أطراف الكتلة مسبقًا، وباعتبارها ملزمة لكل الأطراف. وهي تحدد طبيعة الكتلة وأهدافها، والمبادئ الحاكمة للحوار، وآليات التوصل إلى القرارات، وطرق فض الخلافات في وجهات النظر، وقواعد التحدث باسمها، وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وغير ذلك من الأمور ذات الصلة. إن كتلة تاريخية -بتلك الأهمية وبأهدافها التاريخية وبقواها الديمقراطية- تشكل الأرضية الصلبة التي تستند إليها أطراف الكتلة للقيام بالمهام والتحركات الكفيلة بتفكيك الاستبداد وإقامة نظم حكم ديمقراطية.

ويقدم المفكر الجابري رحمه الله تصوراً للقوى المرشحة لتكوين الكتلة التاريخية وتتكون من:

1. الفصائل المنحدرة من الحركة الوطنية والتنظيمات والمجموعات المرتبطة بها من نقابات عمالية وحرفية وتجارية وفلاحية وجمعيات ثقافية ومهنية ونسوية.

2. التنظيمات والتيارات التي تعرف اليوم باسم الجماعات الإسلامية.

3. القوى الاقتصادية الوطنية التي تشارك بنشاطها الصناعي والتجاري والزراعي والسياحي والمالي في خدمة اقتصاد البلاد ككل وتطويره وتنمية قدراته.

4. جميع العناصر الأخرى التي لها فاعلية في المجتمع بما في ذلك تلك التي تعمل داخل الهيئة الحاكمة، والمقتنعة بضرورة التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف التاريخية المذكورة.

5. تجميع الكتلة الاجتماعية الحرجة التي تسند الكتلة التاريخية وتحتضنها وتناصر فكرتها ولاتجعلها معزولة عن الفعل الشعبي والجماهيري وطنيا ومحليا ،بل تنتظم تلك الكتل في منظومات شبكية تواصلية بسيطة .

وفي النهاية يطرح الجابري سؤالاً هو: كيف السبيل إلى تحقيق هذا الانتظام الفكري حول تلك الأهداف والعمل بالتالي من أجلها؟ يرى ” إن التحرر من التبعية وإقرار ديمقراطية حقيقية، سياسية واجتماعية، وتحقيق تنمية مستقلة، وجعل تلبية حاجة الجماهير الشعبية على رأس أولوياتها، تلك في الحقيقة هي المضمون الثابت لبرنامج القوى الوطنية الشعبية ، فعلى هذه القوى، سواء حافظنا لها على هذا الاسم أو أطلقنا عليها اسما آخر –ولا مُشاحَّة في الأسماء- تقع مهمة التبشير بالكتلة التاريخية والعمل من أجلها وتدشين عملية الانتظام الفكري حول أهدافها. ذلك أن عدم الارتباط بأهداف وطنية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية يجعل المجهود الفردي الذي تبذله هذه القوة الفاعلة أو تلك، مهددا بالدوران في حلقة مفرغة، لأن المهام التاريخية المطروحة مهام لا يمكن – كما قلنا – أن يقوم بها فصيل واحد أو تيار واحد بمفرده، مهما أوتي أصحابه من العزم أو من القدرة على التضحية”فهذه الكتلة، هي تاريخية ليس فقط لكون الأهداف المذكورة أهداف تاريخية، بل لأنها تجسيم لوفاق وطني في مرحلة تاريخية معينة. إنها ليست مجرد جبهة بين أحزاب بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل، ولا يستثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف، إلا ذلك الذي يضع نفسه خارجها أو ضدها.

 

في الحلقة القادمة من خالص السياسة: هندسة العمل السياسي المشترك (03) تجديد الثقافة السياسية كمدخل للبناء الديمقراطي استشرافا للموجة الخامسة.

تعليق