سلسلة خالص السياسة
هندسة العمل السياسي المشترك (04)
أولويات المرحلة : بناء المواطنة – توثيق الديمقراطية ومعاييرها – تجديد الطبقة السياسية
إن بناء الديمقراطية لا يتم إلا بالإنسان ولصالح الإنسان الذي يتخذ في إطار الدولة صفة المواطن، ولذلك فإن هذا الأخير لا يمكن أن يكون معزولًا عما يجري حوله وغائبًا عمَّا يُدار باسمه ولأجله، وإنما لابد أن يكون مشاركًا في الحياة السياسية، والحد الأدنى لهذه المشاركة هو تتبُّع طرق إدارة الشأن العام والمقارنة بين البرامج التي تتقدم بها الأحزاب السياسية والإدلاء بالصوت في الانتخابات العامة، ولكي تكون المشاركة إيجابية ولو في حدها الأدنى المذكور، يجب أن يكون المواطن مدركًا للقواعد التي ينبني عليها المجتمع الديمقراطي ومتشبعًا في ذهنيته وثقافته وسلوكه بالقيم الديمقراطية. وإذا كانت تلك هي الصفات الضرورية التي ينبغي أن يتحلى بها المواطن العادي، فما بالك بالنخب التي تعمل من أجل الوصول إلى مراكز القرار في الحزب أو الدولة والمساهمة الفعلية في تدبير الشأن العام، وهنا يتضح مدلول المقولة المعروفة، وهي: “لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، لأن الديمقراطية لا تصبح أمرًا واقعًا في الحياة العامة بوجود دستور وقوانين وأحزاب وصحافة وانتخابات ومؤسسات، وإنما تتوقف بالإضافة إلى كل ذلك على وجود المواطن الديمقراطي داخل أسرته وفي محيطه الاجتماعي والمهني والسياسي، أي أن تكون الثقافة الديمقراطية شائعة بين المواطنين العاديين والمناضلين السياسيين والنقابيين والفاعلين الجمعويين والكتَّاب والمثقفين والصحافيين والموظفين والمسؤولين الإداريين والقادة السياسيين والماسكين بزمام السلطة ومواقع القرار”.
الرؤية الشاملة للديمقراطية
إن أي نضال يرمي إلى إقرار ديمقراطية حقيقية لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا إذا كان مبنيًّا على نظرة شمولية للديمقراطية لا تقتصر على الجانب الذي يعني الدولة وإنما تشمل أيضًا المجتمع بأفراده وهيئاته. وكلما انتشرت الثقافة الديمقراطية داخل المجتمع، وترسَّخ السلوك الديمقراطي داخل الأحزاب السياسية والنقابات وهيئات المجتمع المدني عمومًا، تعبَّدت الطريق أكثر نحو الديمقراطية التي لا يعتريها الخلل من أي جانب، لأن الدولة والمجتمع كل منهما يصب في الآخر، ولا يمكن للدولة إلا أن تعكس مستوى تطور المجتمع في شموليته وليس في أجزاء محدودة منه.
ونقطة إسقاط الشعاع هنا كما يقول علماء الهندسة هي التأكيد أن القوى الكبرى والمشروعات المجتمعية العملاقة لا تنشأ مكتملة الأركان ومحددة المعالم، بل تكون نتيجة عمل متراكم، وحصيلة حركة تدافع مستمرة بين مختلف القوى والتيارات الاجتماعية والسياسية والفكرية، ولا توجد جهة مخولة بادعاء الحق في تحديد المشروع المجتمعي، على نحو ما ترغب، أو أن تفرضه على الآخرين، من دون اختيارهم الطوعي والإرادي، ومن شأن شيوع مناخ الحرية أن يساعد الجميع على التطور، وإنضاج رؤاهم الفكرية والسياسية، وتقريب وجهات النظر ورأب التصدعات، والحد من الصراعات وبناء التحالفات.
صياغة معايير تقييم درجات الانتقال الديمقراطي
إن عملية الانتقال الديمقراطي مجهود بشري يتطلب جهدا مستمرا، وتقييما دائما وصولا الى التحول الديمقراطي وفق المعايير التالية( ) :
1. وضع دستور توافقي بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين، يخدم أهداف الانتقال الديمقراطي.
2. تحقيق ضمانات قانونية وإدارية للمنافسة السياسية، تفضي إلى تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، وتحقيق التداول السلمي على السلطة بشكل دوري ومستمر.
3. بروز سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية شرعية، تمتلك صلاحية ممارسة السلطة، ولا ينازعها ولا يعيقها ولا يضغط عليها غيرها في ممارسة صلاحياتها، وتجسيد مفهوم الفصل بين السلطات.
4. ترسخ مفهوم دولة القانون، و إشاعة العدل واحترام الحريات وحقوق الإنسان.
5. فاعلية مؤسسات وإجراءات الشفافية والمساءلة.
6. تطور المجتمع المدني بكل أنواعه، ومدى فاعليته واستقلاليته.
7. تطور الإعلام في أدائه ووسائله، وقدرته على الصمود، وتوفره على مصادر المعلومات والمحافظة على استقلاليته في إطار أخلاقيات المهنة المتعارف عليها.
8. ترسيخ ونشر وإشاعة الديمقراطية في المجتمع.
9. استمرار التزام الفاعلين السياسيين بقواعد الديمقراطية، وتحويل ذلك إلى تقليد ثابت لا يمكن تجاوزه.
10. ارتفاع كفاءة وفاعلية المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن الاستجابة إلى احتياجات المواطنين بعدل وإنصاف.
11. تعددية حقيقية، ومعارضة فاعلة تتوفر لديها فرص حقيقية للوصول للسلطة من خلال الإرادة الشعبية.
12. استحالة حصول هيمنة من أي جهة، عسكرية أو مالية أو دينية أو فئوية، أو من مجموعات ضغط خلافا للمعايير الديمقراطية، أو من أي جهة خارجية.
13. تمتع الأقليات بالحقوق ، وفق عقد اجتماعي ،تضمنها التشريعات والممارسات السياسية،وتجسد التلاحم الوطني .
بناء أحزاب سياسية ديمقراطية ومؤسسية قوية :
وهو رهان كبير يؤدي بلا شكل إلى تقوية الكتلة التاريخية للأمة فعمل الأحزاب السياسية وديمقراطيتها الداخلية وقدرتها على إدارة التنافس الداخلي والخارجي وتمسكها بمبادئها المؤسسة لها والحرص على تعميم ثقافة الوعي السياسي لدى المواطنين هو بمثابة خطوة كبيرة في طريق ميلاد مدارس سياسية قادرة على التأثير في مخرجات الحياة السياسية وفرض مواقفها وخياراتها انطلاقا من المصداقية التي تتمتع بها لدى الناخبين ،نقول ذلك لأننا نلحظ حالة فتور خطيرة واستقالة غير معلنة في بعض أطراف الطبقة السياسية ومستوى رديئ في التعاطي السياسي وعدم القدرة على مواكبة الأحداث والتحولات ،بل ونشأت داخل بعض الأحزاب انتهازية سياسية مقيتة عنوانها التجوال السياسي من حزب إلى آخر أو الانشقاقات المتتالية التي تضعف الأحزاب وبالتالي تساهم هذه الحالة في إفقاد السيادة على القرار بل وانتشار زبونية حزبية أمام مقرات الحكومات والسلطات في طابور لا ينتهي من الانتهازيين الذين ليس لهم أولوية إلا ذواتهم ومصالحهم الشخصية ،وهو داء أصاب الحياة الحزبية سيما عندما تطول مرحلة الانتظار في مقابل سقف محدود لديمقراطية الواجهة التي لا توفر فرص التداول السلمي على السلطة .
وبالنظر الى هذا الواقع المرير فان هندسة العمل الحزبي تتطلب بناء أحزاب سياسية قوية تتفاعل مع البيئة الداخلية بالتكوين والتدريب والترقية المستمرة ،ومع البيئة الخارجية بالانفتاح على الكفاءات الوطنية من اختصاصات متنوعة وبيئات مختلفة تعكس التنوع في الأداء داخل الحزب كما تعكس التنوع الثقافي في المجتمع فيصبح الحزي مدرسة يتعلم فيها المناضلون المواطنة والوطنية والديمقراطية وأفضل الممارسات السياسية بما ينعكس على الوعاء الانتخابي للحزب الذي يصبح مؤثرا إيجابيا داخل المجتمع ،هذه النوعية من الأحزاب هي التي تساهم في ترقية المل السياسي والديمقراطي وتتبنى رؤية وطنية توافقية تطور البلاد وتحفظه من التفكك والتمزق الداخلي وتحميه من التهديدات الخارجية .
ويبدو كما قال الدكتور وليد عبد الحي: “ان الثورات ينقطع طمثها بعد المولود الأول لها، وعليه تبقى مصرة على رعايته دون غيره…فالجزائر دولة لها بريقها في الوعي الجمعي العربي والإفريقي بل والعالم الثالث كله، فلماذا تصر بعض نخبها التاريخية على حرمانها من تجديد دورها التاريخي عبر نخب جديدة ؟ هل هي ثقافة مماحكة التاريخ؟ أم بريق الكرسي؟ أم مصالح الدولة العميقة؟ ام المساندة الخارجية الكاملة؟..أم كلها معا.. ربما.” فكيف بنا ونحن رواد وقادة وأبناء ثورة عظيمةساهمت في حركة التحرر من ربقة الاستعمار في القرن الماضي ولاشك انه سيكون لها كلمتها في هذا القرن ،وإن غدا لناظره لقريب .

تعليق