يتبادر الى الاذهان عند الحديث عن هندسة الانتخابات تلك العمليات التي تقوم بها السلطة لصناعة مشهد انتخابي مزيف تهندسه بأيدي المزورين المحترفين وبطرق مختلفة تتطور من انتخابات الى أخرى ، تحاول بها النظم المختلفة ضمان نصاب بقائها بممارسات اصبحت مكشوفة لدى الشعوب في كل اقطار العالم على السواء على اعتبار أن معيار الانتخابات الذي يعد أحد مظاهر ومعايير الفعل الديمقراطي صار اليوم محل شك وريبة حتى في الديمقراطيات المتقدمة كما حدث في الولايات المتحدة الامريكية في انتخابات نوفمبر 2020.
لكن الهندسة الانتخابية التي نقصدها في سياق حديثنا اليوم هي تلك “العملية السياسية المفعلة لحقوق المواطنة بالمشاركة السياسية الواسعة في اختيار من يمثل المواطنين و من يحكم باسمهم ومن يشرع في البرلمان نيابة عنهم ، و من يقرر محليا أو جهويا باسمهم . حيث تعد الانتخابات أحد الركائز الاجتماعية المحققة للتجانس المجتمعي والاستقرار السياسي إذ أنها إضافة لكونها آلية اتصال سياسي و التجديد النخبوي، فهي أيضا الإطار الأولي المحدد لمشروعية النظام السياسي و توجهاته العامة و طبيعته “. كما أنها أحد الأبعاد الأساسية للتنمية السياسية الديمقراطية القائمة على “الجودة ” و المحركة لعمليات البناء التعددي للدولة و المجتمع معا من اجل تكريس أفكار الاندماج و التمثيل و المسؤولية بالجزاء و التباين السلطوي و التعقيد المؤسساتي و الكفاءة الإدارية ،و لا يمكننا أن نتحدث عن فعالية هذه المشاركة إلا إذ تكاملت مع:
• وجود تعددية حزبية ومدنية وإعلامية فعلية و ناجعة و مبادرة
• وجود هياكل تمثيلية مستقلة وفاعلة بطريقة تكفل وجود تباين سلطوي Autorité différentiation و جودة مؤسساتية institutionnel sophistication
و من هنا يظهر بأنه لا يمكننا فهم الانتخابات كما يقول المختصون في الهندسة الانتخابية إلا من خلال “إدراجها في المنظور الوظيفي و البنائي العام للدولة (جمهورية أو ملكية، وحدوية أو فيدرالية ) و من خلال ربطها بطبيعة النظام السياسي (رئاسي أو شبه رئاسي، برلماني أو شبه برلماني و كذلك من خلال تحديد طبيعة التركيبة المجتمعية (درجة التجانس /درجة التنوع ) و كذلك درجة الاندماج التنموي للدولة (توازن جهوي و عدالة توزيعية لفرص التنمية و منتجاتها عبر جهات الدولة الواحدة )، و كذلك من خلال تحديد طبيعة التوزيع السلطوي و الوظيفي للنظام السياسي على المستويات المركزية و المحلية، و كذلك من خلال تحديد طبيعة الحقوق التي يعترف بها الدستور و القوانين الوطنية للمواطنين و درجة ضمانها و حمايتها و تفعيليها و ترقيتها” .

فنحن اليوم نعيش ونعايش عصرا تزاید فيه الاهتمام من قبل الخبراء والمتخصصين في مسألة تصميم الـنـظـم الانتخابية، إذ تم دراسة هندسة الانتخاب بوصفها حزمة اصلاحات تطور نـظـام الحکم في الدولة، و في الـنـظم الديمقراطية القديمة تـم دراستها عـلـى انها إصلاحات لترسيخ الديمقراطية وحل المشكلات الـمتعلقة بالاستقرار الحکومی. لکن وللأسف فان أهداف وأبعاد تلک الهندسة فی وطننا العربـی، وجدت من اجل إعادة إنتاج الانظمة الاستبدادیة، فإذ کانت الهندسة السیاسیة(*) تعنی علم بناء الدولة، عبر تخطیط شامل وواسع للمجتمع والسلطة یؤدی الى انتقال الدولة من حالة التأخر الى حالة ، فإن الهندسة الانتخابیـة، تعنی ترسـیخ الـدیمقراطیة ورفـع التمثیـل السیاسی، وهى تحتاج إلى مهندس سیاسی ماهر یفهم ترکیبة المجتمع وأوزانه.فهي بهذا المفهوم ترتیب إرادی واداري واعٍ للنظام الانتخابی بما یتناسب ویستجیب للبیئة العامة المحیطة، ویؤدی الى انتاج مخرجات واضحة ومحددة من أجل المساهمة فی تکوین بناء مؤسسی وسیاسی جید وذا كفاءة،حيث یـقوم مفهوم الهندسة الانتخابیة على ثلاث دعائم أساسية هی: التصمیم والتأثیر والاستباق، والتی توفر سیاقا دیمقراطیا سیاسیا ومؤسساتیا ومجتمعیا، یحقق تداولا سلـمـیا لـلـسـلـطـة عـبـر انتخابـات تنافسیة شفافة ونزیهة وحرة.
ویتفق الخبراء والباحثون على أن الانظمة الانتخابیة یمکن أن تؤدی دوراً مهماً فی تخفیف حدة التوتر والصراع وتعزز القیم الدیمقراطیة، وهذا ما تقوم به الهندسة الانتخـابـیـة عبر ایجاد نظام انتخابی یتلاءم مـع الـبـیـئـة الـمـجـتـمـعـیـة الـمـحـیـطـة به.
وفی العدید من الدول کانت تلک الهندسة هی المسؤولة عن اعداد انظمة انتخابیة قادرة عـلـى تـحـسـیـن مـعـیـار الـتـمـثـیـل،حيث تصبح الهندسة الانتخابیة تتضمن جملة من التأثیرات المرغوبة فی النظام الحزبی والنظام الانتخابی والبنیة الحکومیة، عبر ادخال تأثیرات مدروسة بهدف حل النزاعات والصراعات وبناء دولة القانون، وتحقیق الجودة الدیمقراطیة وتحسین التمثیل السیاسی.
فالهندسة الانتخابیة مفهوم یقدم لنا مرتکزات اولیة من أجل مناقشة موضوع جدید وهو الابتکار الانتخابی الذی یراعی خصوصیات کل مجتمع وقادر على تقدیم حـلـول جوهریـة ویستطیع التغلب على ثغراته اثناء التطبیق .
فقد أثبتت التجارب الدولیة أن النظام الانتخابی لا یبنى على فراغ، إنما یستند على مجموعة عوامل سـیـاسـیـة واجـتـمـاعـیـة وثـقـافـیـة خاصة بکل بلد. إذ لا یوجد نظام انتخابی جاهز وموحد یصلح لکل دول العالم، وإنما ینبغی أن “تهندس کـل دولـة نـظـامـهـا الانـتـخـابـی وفقاً لظروفها السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة، وحسب المستوى التعلیمی السائد فی البلد ودرجة تقدمها الحضاری. ومن ثم فإن النظام الامثل لهذا البلد هو النظام الذی یتم هندسته بشکل یجعل مزاياه اكثر من عيوبه وثغراته”.
لذلك فإن تصميم النظام الإنتخابي الملائم لأي دولة، وهندسته هندسة صحيحة وسليمة وناجعة يجب أن يخضع للنقاش السياسي و التوافق بين مختلف الفاعلين السياسين في السلطة و في المعارضة هذا النقاش والحوار يكون هدفه الوصول الى التوافق حول :
-1 المعايير والأولويات المعتمدة في تفضيل نظام إنتخابي على أخر.
-2 الأهداف المراد تحقيقها من هذا النظام الإنتخابي و القضايا المراد استبعادها أيضا ومن تلك الأهداف :
 إعادة الاعتبار للفعل الانتخابي .
 معالجة آفة العزوف الانتخابي واستعادة الثقة في الانتخابات.
 تقوية النظام الحزبي وتشجيع التحالفات وضمان التنافسية.
 تمثيل كل المواطنين والفئات ولاسيما المرأة والشباب .
 ضمان التوازن بين المؤسسات والرقابة عليها .
3- التوافق على طبيعة النظام الحزبي الذي سيتشكل باعتماد النظام الإنتخابي المتفق عليه(تعددية تنافسية ، ثنائية مهيمنة، تعددية غير تنافسية نظام الحزب المهيمن )الغالب( إلخ…
4- التوافق على شكل السلطة التشريعية، هل نريد برلمان تعددي يمثل التنوع السياسي و الأيديولوجي و العرقي و اللغوي،أم نريد برلمان له لون سياسي واحد و الباقي عبارة اقلية لتزيين الواجهة الديمقراطية.
5- الإتفاق على شكل الحكومة: هل نسعى لتشكيل حكومة ائتلافية تشمل المكونات الحزبية لأساسية في المجتمع أو حكومة الأقلية المهيمنة أوحكومة الحزب الواحد صاحب الأغلبية.
6- التوافق حول الأنماط والاشكال التي تفعل المجالس المنتخبة المحلية وتنقلها الى المساهمة في التنمية الوطنية الشاملة .
7- الخروج بخارطة طريق مشتركة تقدم للخبراء و الفنيين لإعطاء الإخراج القانوني النهائي لها والذي يعرض فيما بعد على المؤسسات المخولة للمصادقة .
وحتى تكون الهندسة الانتخابية طريقا نحو التغيير والتنافس النزيه والتداول السلمي على السلطة لابد من العمل على صياغة القواعد و الأطر و الآليات الكفيلة بضمان المشاركة السياسية الدورية للمواطنين في كنف النزاهة و الحرية و التعددية و الانتظام ، أي توفير الشروط الأساسية لشفافية و مصداقية الانتخابات على المستويات التنظيمية والتمويلية و التسييرية و الإجرائية و حتى الإعلامية، أي أن الهندسة الانتخابية تقوم أساسا على توفير مجموعة من الشروط كما يقول المختصون و هي:
1. وجود هيكلة حقوقية وطنية تستند على مركزية الإنسان- المواطن كمصدر وغاية للعمل السياسي و مضمونة بآليات دستورية و قانونية واضحة
2. ضرورة الأخذ بعين الاعتبار في بناء النظام الانتخابي (تقسيم الدوائر ، نمط تصويت ….) طبيعة المجتمع من حيث كونه متجانسا أو تعدديا.
3. ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الأحزاب السياسية و مستوى نضجها الديمقراطي.
4. ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الامتداد الجغرافي للدولة و مستوى الكثافة السكانية و توزيعيها
5. ضرورة الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النظام السياسي و مكانة السلطة التشريعية فيه.
6. ضرورة مراعاة طبيعة الثقافة السياسية السائدة و المرتبطة بمستوى تعقد و تجذر التنمية السياسية المحلية من منظور معايير الديمقراطية التشاركية.
7. ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المستوى الفعلي و العملي للرقابة المؤسساتية بالجزاء على السلطة التنفيذية من لدن السلطة التشريعية .
8. ضرورة مراعاة مدى استقلالية السلطة القضائية و مدى قدرتها على فرض أحكامها على الجميع.
و من اجل تحقيق هندسة انتخابية متوافقة مع المعيار الديمقراطي التشاركي يجب الحرص أيضا على وجود مجموعة من الحركات السياسية التي يمكن المواطن من التأثير الفعلي على طبيعة النظام السياسي و منها:
أولا : الإدارة و الانتخابات : حيث يجب التركيز على مسألة الحياد الفعلي للإدارة مع الإلحاح على وظيفتها التقنية لا السياسية في العملية الانتخابية و التي تقتصر فقط على تسهيل عمل السلطة المستقلة للانتخابات .
ثانيا : الصحافة و الانتخابات : وحتى تكون الانتخابات ديمقراطية يجب أن تسندها تعددية إعلامية مكرسة لحرية التفكير و التعبير عن قناعة بوجود صحافة عمومية أو خاصة وتسمح بخلق حوارات و نقاشات تنضح الخيارات للإنتقاء بصفة عقلانية من طرف الناخبين … مع شرط توفير الصحافة العمومية لوقت متساوي لكل الأحزاب من الوصول للناخبين دونما احتكار من طرف الحزب الحاكم .
ثالثا : الهيكلة القانونية للانتخابات : يجب على قانون الانتخابات أن يضع بوضوح الأطر الإجرائية اللازمة للتعبير بصفة حرة و نزيهة و تعددية و منتظمة عن الإرادة المواطنية في تحديد الهيكلة البشرية و الحزبية لنظام الحكم و ذلك من خلال توضيح ما يلي:
1. من له حق الترشح أو التصويت و على أي أساس يتم التأهيل الانتخابي للمواطنين (الناخبين) و المرشحين
2. كيف تقسم الدوائر الانتخابية و حسب أي معيار (جغرافية و ديمقراطية و ثقافية و عرقية و طائفية و دينية و إقتصادية أو سياسية )
3. تحديد طبيعة النمط الانتخابي (النسبي المفتوح او المغلق أو التعددي أو الأغلبية ) مع تبرير الدوافع للتأسيس القانوني و المواطني لهذا النمط بحكم انه يحدد في النهاية ليس فقط طبيعة توزيع السلطات و لكن أيضا مدى ديمقراطية الانتخابات و النظام السياسي ككل.
في الحلقة القادمة : هندسة الحملات الانتخابية .

تعليق