يوم الثامن من شهر مارس لكل سنة هو يوم الحديث عن حرية المرأة ونضالها من أجل أخذ حقوقها، ومن ذلك حقوقها في التصويت وفي الشغل والحرية الاقتصادية وغير ذلك. وبهذه المناسبة تذكرت مناقشة بيني وبين نساء فرنسيات على هامش مؤتمر نظمته جريدة لوموند دبلوماتيك (le monde diplomatique) في ديسمبر سنة 1993 بمدينة لومان (le mans) في فرنسا ضمن ملتقيات ” مفترق طرق الفكر” (carrefours de la pensé) شارك فيه عدد كبير من المفكرين الغربيين المعروفين والسياسيين الجزائريين.

كنت الممثل الوحيد للتيار الإسلامي في الملتقى وقد ساهمت بموضوع باللغة الفرنسية نشر في كتاب الملتقى الذي أشرف عليه مدير الجريدة ألان قراش (Alain Gresh )، وحينما عرف بعض النساء المشاركات بانتمائي الفكري تحلّقن حولي في فترة استراحة في فناء دار الثقافة التي عقد فيها الملتقى، وكانت أسئلتهن كلها عن الإسلام والمرأة بخلفيات خاطئة معتقدات أن ما يقع على المرأة من تجاوز في حقوقها في العالم الإسلامي سببه الإسلام ذاته. فكانت الفرصة سانحة لي لأعطيهن الصورة الحقيقية لوضع المرأة في ديننا ومعتقداتنا ولأبين لهن بأن ما يقع من تجاوز في حقوق المرأة في بعض نواحي العالم الإسلامي هو بعض التقاليد والعادات وليس الإسلام، وأن تلك التقاليد هي ذاتها متناقضة مع المبادئ والنصوص الإسلامية، وأن القوانين الصارمة في حماية النساء في الغرب ذاته لم تمنع من أن تكون أكبر نسب العنف ضد المرأة من حيث عدد الحالات وشدة قسوتها هي في الغرب ذاته. لم أعتمد أسلوبا دفاعيا تبريريا كما هي حالتنا أحيانا في محاججة هجمات الغربيين وأتباعهم، بادرتهن بطريقة جريئة تثبت بالدليل تخلف مجتمعاتهن عن الإسلام في منح حقوق المرأة، بحكم معرفتي بتاريخ الغرب وواقعه. توسعت في حديثي معهن في المقارنة الزمنية لفترات تمتع المرأة بالحقوق الأساسية بين التاريخ الإسلامي والتاريخ الأوربي، ومما ركزت عليه الحقوق السياسية والاقتصادية. سألتهن عن تاريخ منح المرأة حقها في الانتخاب واختيار الحاكم ونقده، ثم ذكّرتهن بتأخر هذا الحق إلى غاية منتصف القرن العشرين الميلادي وأبعد من ذلك، حيث أن المرأة صار لها الحق في الانتخاب في فرنسا مثلا سنة 1944، وفي إيطاليا سنة 1945، وفي اسبانيا سنة 1931، وفي بلجيكا سنة 1948، وفي سويسرا سنة 1971، ثم أخبرتهن بأن المرأة في الإسلام أصبح لها الحق في مبايعة الحاكم مثلها مثل الرجال منذ البعثة النبوية في بداية القرن السابع الميلادي (حيث يذكر الله تعالى ذلك في آخر سورة الممتحنة)، وكان لهن الحق في التعبير عن آرائهن السياسية في قضايا أساسية في التشريع المتعلق بالشأن العام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين فقصصت لهن على سبيل المثال كيف أن امرأة نهضت من بين الرجال والنساء تعترض على سيدنا عمر بن الخطاب في مسألة تشريعية تتعلق بالمهور همّ رضي الله عنه أن يجعلها ماضية على الجميع، وأقر أمام حجتها القوية أن يقول: “أخطأ عمر وأصابت المرأة”.

ثم انتقلت بهن، وهن في حالة انتباه شديد، إلى الحقوق الاقتصادية فسألتهن عن تواريخ السماح للمرأة الغربية بأن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن أهلها وزوجها ومتى استطاعت أن تملك حسابا جاريا خاصا بها، وعددت لهن بعض التواريخ ليعلمن بأن ذلك كان في وقت قريب كذلك مقارنة بالإسلام، حيث أنه سُمح للمرأة الفرنسية المتزوجة أن تكون لها ذمة مالية محدودة سنة 1907 وفي إيطاليا سنة 1919 على سبيل المثال، ثم كان الفتح الكبير بالنسبة لكل النساء في فرنسا في 13 جويلية 1965 حيث سمح للمرأة مطلقا أن يكون لها حساب جار واستقلالية مالية. ثم فاجأتهن بإخبارهن بأن هذه الحقوق كانت مضمونة للمرأة المسلمة منذ 14 قرنا بنصوص الشريعة الإسلامية التي تؤكد بأن الذمة المالية للمرأة محفوظة ولا يصح لغيرها التصرف في مالها ولو كان والدها أو زوجها، بل إن الزوجة الغنية لزوج فقير ليست مجبرة على الإنفاق على الأسرة حيث ذلك واجب الزوج، وأن الزوج الفقير لا يستطيع أخذ شيء من مال زوجته إلا برضاها، وإن تعسّف وظلم تستطيع أن تتوجه للقاضي لينصفها. أظهرت تلك النساء الفرنسيات حالة كبيرة من التعجب والإعجاب ولكنهن كن يبحثن عن ثغرات في التصور الإسلامي لحقوق المرأة ويسألن عن الأمور الأكثر تعقيدا ومن ذلك سؤالهن عن تعدد الزوجات والسماح بالزواج بأربع نساء في نفس الوقت. لا يخفى على أحد بأن جواز التعدد هو مباح في الإسلام وليس واجبا ولا مندوبا ولا تشجع عليه الشريعة الإسلامية، وهو لا يمثل حالة شائعة في المجتمعات الإسلامية وقد يكون حلا لحالات أو أزمات اجتماعية أو واقيا من انحرافات مدمرة للأسرة. غير أنني لم استعمل كل هذه الحجج التي لا تتناسب مع الثقافة والواقع الغربي، فبادرتهن بسؤال جريئ يتعلق بواقعهن فقلت لهن: “لو سألتكن سؤالا جريئا هل ستجبنني بصراحة تامة؟” فلما شعرتُ باهتمامهن بما أقوله سألتهن: ” ألا تعتقدن بأن المجتمع الفرنسي هو حقيقة مجتمع تعددي” Ne pensez vous pas que la Société Française est vraiment une société polygame?” تعجبن كثيرا من السؤال فرحت أشرح لهن قائلا: ” أليست الخيانة الزوجية هي القاعدة تقريبا عندكم، وهي في الغالب رجالية؟” . ضحكت بعضهن بلا تحفظ قأضفت قائلا: “من الضحية عندكم حين يمر الرجل على عدة نساء دون أي ضابط قانوني؟ أليست تلك النساء اللواتي يرميهن الرجل كل مرة بعد قضاء وطره ولا أحد ينجدهن؟ أليس أولئك الأطفال الذين ينشؤون دون اعتراف أبوي في كثير من الأحيان؟ أليست النساء هن اللواتي يبقين يتحملن عبء تربية هؤلاء الأولاد أو تحمل تأنيب الضمير بالتخلي عليهم بأشكال متعددة؟ أليست هذه القصص شائعة جدا عندكم في فرنسا وفي الغرب عموما؟ خيّمت حالة من الحرج عند هؤلاء النساء الفرنسيات ولكنهن أكدن صحة ما أقول. وعندئذ أخبرتهن بأن الإسلام أراد تنظيم هذه الحالة الاجتماعية بتحميل الرجل الذي يريد الارتباط بغير زوجته مسؤولية قانونية علنية بعقدٍ مدني وشهود من أجل حفظ كرامة وحقوق المرأة التي يعدد بها، وكرامة وحقوق الأطفال الذين ينشؤون من هذا التعدد، كما حدد الإسلام عدد المرات التي يكرر فيها هذا الرجل الزواج حتى يمنع عبث الرجال فلا يحرّفون الزواج عن أهدافه الأصلية المقدسة الذي يسميه الله تعالى “ميثاقا غليظا”. لم يكن أتوقع أن يكون التأثر على النحو الذي رأيته في ذلك الجمع النسوي الذي يكون في حدود سبع نساء من مختلف الأعمار. ولكن تعجبي الكبير كان من امرأة من تلك النساء جزائرية الأصل، هي الوحيدة التي كانت تلبس لباسا فاضحا مزعجا، غضَبت من التأثر الإيجابي للنساء الفرنسيات وحاولت دون جدوى تعكير الأجواء مدّعية بأن والدها إمام وهي لا توافقني الرأي.

رئيس الحركة
د. عبد الرزاق مقري

تعليق