يستجيب الدماغ للأفكار ليس فقط نتيجة كونها منطقية أو عميقة أو ذات تأثير قوي، هناك شيء خفي فالعقل اللاواعي يلعب الدور الأكبر هنا ويقوم بمعالجة عدد لا نهائي من البيانات حتى الاقتناع بأمر ما، وهذا ما تقوم عليه طرق الإقناع والتأثير بحيث يكون بإمكانك التأثير وإقناع من تريد بما تريد.

لذلك تركز الدراسات الاتصالية في الوقت الراهن على عنصر التأثير في المستقبل للرسالة الاتصالية حيث كانت في الماضي مقتصرة على الاهتمام بعناصر العملية الاتصالية الأخرى وتعطيها من الأموال والاوقات والموارد البشرية الكثير (المصدر – الرسالة – الوسيلة – المستقبل)،على اعتبار ان نجاح الرسالة الاتصالية ولاسيما في العملية السياسية التي أصبحت تطغى على اغلب المتغيرات المتعددة التي تستهدف التأثير في الاحداث وجذب المواطن الى الخيارات ليكون طرفا أساسيا في صناعة النجاح في العمل السياسي والانتخابي ، واصبح الاهتمام بالإجابة على أسئلة واضحة ومركزية تتجاوز كون المؤسسة الحزبية أو الحكومية تمتلك الكادر البشري المؤهل للقيام بالعملية الاتصالية (المصدر)و الوسيلة الإعلامية التي تنقل الرسالة السياسية(القناة) وكذا نوع الرسالة الإعلامية التي يجب أن تنقل عبر الوسيلة الى المستقبل ،لتركز على فحص نوعية المستقبل للرسالة والتأثير الذي تحدثه الرسالة لتحريكه في اتجاه الهدف .
وتبرز هنا عملية الاقناع بالرسالة السياسية كسلوك تواصلي وطبيعي يستخدمه الانسان للتأثير على الاخرين لتحقيق ما يريده منهم ،فيختار الأساليب التي تمكنه من احداث هذا التأثير ،فرسالة بدون تأثير وتحريك للآخر في اتجاه المقاربة والهدف الذي تريده هي مضيعة للوقت والجهد والمال ،فقد تمتلك وسائل ضخمة للاتصال كالتلفزيون مثلا ولكن رسائلك لاتصل الى الجمهور بل تحدث أثرا عكسيا ،ومن هذه الزاوية أصبحت هندسة الاقناع ضرورة ملحة ينبغي أن تنتبه اليها الحكومات والأحزاب السياسية وكل مكلف بالاتصال بهدف التأثير في الاخرين .
ولا يمكن أن يتحقق الاقناع كما قال المختصون الا بتأسيس بيئة للتآلف مع المتلقي واختيار الوسائل المناسبة لنقل وتوضيح ما يريد ،ونقطة اسقاط الشعار هنا بلغة الهندسة هي أن الاقناع جهد اتصالي متعمد يحتاج الى تخطيط بطرح اختيارات تخاطب الدوافع وتستهدف التأثير والتغيير في السلوك والممارسات بما يحقق التوافق بين مهندس الاقناع والمقتنع،حيث أن حدوث الاقناع لا يعتمد على قوة وتأثير المرسل فقط بل على فهمه لصفات المستقبل وفهمه للرسالة وكيفية تجاوبه وتفاعله معها فبدون حدوث الأثر لا يمكن أن يحدث الاقناع ،وعلى مهندس الاقناع أن يدرك أن الأثر المطلوب ينبغي أن يغير ثلاث نواح في المستقبل وتشمل تغيير الأفكار وتغيير المعتقدات وتغيير السلوكات،حيث لا يكفي أن يكون مهندس الاقناع والقائم به صادقا لكي يحدث الاقناع لسببين ،الأول عدم معرفة كيفية استخدام الرسالة الصادقة والثاني عدم معرفة ماهي علاقة الصدق بالتواصل ،حيث تتمايز هنا مفردتان مهمتان ومتلازمتان في عملية الاقناع وهي الصدق والمصداقية ولا يتحقق ذلك التلازم الا اذا كان الدافع وراء تغيير الميول مبنيا على القيم والإفادة(المصلحة)،حيث يعتمد الاقناع على كيفية تحريك دوافع الجمهور ومن ثم تحفيزهم لتلبيتها وإشباعها فمن طبيعة الانسان انه لا يبحث عن حل الا عندما يواجه مشكلة ولا يبحث عن إجابة الا عندما يحيره سؤال وهكذا لذلك فمعرفتنا بالفرصة السانحة التي يستجيب فيها الجمهور مهما كان يتطلب معرفة الوقت الذي يحتاج فيه الجمهور الى إجابات وحلول .
نقول هذا الكلام لان عملية الاقناع عملية مركزية ودقيقة ينبغي إعطائها عناية خاصة من خلال ادراك واتقان استخدام المحركات التسع للإقناع وهي : الدين -الاحسان –اللغة –المحبة- رد الجميل – الندرة – السلطة – التباين – الأغلبية (الرأي العام).
هذه المحركات التسع تتطلب من مهندس الاقناع قبل صناعة الرسالة الاتصالية للتأثير في البيئة الداخلية والخارجية ان يقف عندها ويحاول تفعيلها لتسهل برامج الاقناع المختلفة ،وبالإضافة الى هذه المحركات تطرح إشكالية المصداقية (الاقناع بالشخصية) والتي تتطلب أيضا الوجدان والمنطق و والمقاربة المدعومة بالشواهد والتعليلات وكذا العمل بكفاءة والتعامل بأمانة والحكم بحيادية والكلام بصدق ،فقدرتك على إقناع الاخرين تشكل الفارق بين النجاح والفشل سواء في حياتنا الشخصية او بالفضاءات الجماعية وتحد أيضا الفارق بين النجاح البسيط والنجاح الكبير ،حيث يعتبر حساب معامل ذكاء الاقناع الذي يعتمد على خمس مهارات لازمة للحصول على ما تريده من الاخرين تأثيرا وتحريكا وتغييرا للممارسات والسلوكات ،هذه المهارات الخمس يمكن إختصارها حسب بعض المختصين في : مهارة البرمجة العقلية لكبار المقنعين ومهارة فهم ما يفكر فيه الجمهور ومهارة الالفة الفورية والتوافق الجماعي ومهارة تأسيس الثقة الفورية وكذا مهارة الاستحواذ على انتباه المتلقي بقوة وسرعة ،حيث يساهم اتقان هذه المهارات في التغلب على ظاهرة مقاومة الاقناع على اعتبار ان ضعف القدرة على الاقناع والافتقار لمهارات التعامل مع الناس يكلف خسائر كبيرة مادية ومعنوية ،ولذلك تقترح مقاربة هندسة الاقناع الضوابط التالية :
• عدم تبني اية احكام مسبقة او توقعات سلبية عن المتلقي .
• التحلي بالايجابية سواء قبل المقابلة الاقناعية او على مدارها .
• أن يكون من الواضح أنك تقدم خدمة ومساعدة .
• التحلي بالاحترام والتقدير للذات وللآخر .
• اعتماد لغة جسد منفتحة ونغمة صوت دافئة .
• غرس الامل والتفاؤل لدى الجمهور .
• التحلي بالسلوك المريح والصادق دوما بدون تكلف أو تصنع .
وتحاول مقاربة هندسة الاقناع في الحملات السياسية ترسيخ قيما جديدة في عملية الاقناع الذي يستهدف التأثير الإيجابي في السلوك العام من خلال استخدام الاستخدام الأمثل للخصائص السبعة للقدرة على التأثير وهي : الجاذبية الشخصية – الشغف – التعاطف – الرؤية – التفاؤل – التوجه – تقدير الذات .
وتقترح عليك مقاربة هندسة الاقناع النصائح التالية :
1. جعل الشيء الذي تود إقناع الآخرين به شيء مألوف
2. لا تحاول تحطيم ما يرغب به … بل أثبت إمكانية تحقيقه
3. لأن … بسبب … هذا نتيجة لـ … المهم وجود هذا التبرير
4. أخبر الشخص الذي تود إقناعه بأحب الأسماء إلى قلبه
5. التأثير على مشاعر الآخرين أهم طرق الإقناع
6. ركز على طريقة تواصلك مع الآخرين ولغة جسدك
7. لا تظهر أنك تتبع أسليب الإقناع والتأثير أو أنك تود ذلك
8. اطلب طلب بسيط في البداية… اشكر… ومن ثم أقنع
9. ارفع سقف الطلب بحيث يقابل بالرفض
10. قدم مساعدة … خدمة … ومن ثم اعمل على الإقناع
11. اعتمد على الامتنان للتأثير في الآخرين بدل الإرغام
12. مقدمة تضع الآخر في موقع لا يمكنه إلا الاقتناع
13. ارفع طلبك إلى مسافة تسمح بتقديم التنازلات
14. تصرف وتحدث بطريقة تشبهه إلى حد كبير
15. اختر الوقت الصحيح لاتباع طرق الإقناع والتأثير
16. اعط مساحة من الحرية
17. اجعل الأفكار تَخرج من رأسه
18. استخدم البساطة
19. إبدا بالعرض الأصعب دائمًا
20. اعترف بأوجه القصور لديك
21. اهتم بالانطباع الأول ،
22. اعرف متى تخطوا للخلف
23. اطرح الأسئلة لنعلم بأنك تستمع حقاً،
في الحلقة القادمة :
هندسة العلاقات العامة في العمل السياسي

تعليق