لماذا يا ترى نجد أنفسنا كشعوب دوما ونحن في مسيرة الإصلاح والتغيير أمام منطق سياسي وثقافي سائد يميزه حالة الاصطفاف السياسي، والتصنيف على الهوية الفكرية والسياسية، الذي طالما يخيرنا بين بديلين لا ثالث لهما، وهل قدرنا دوما أن يفرض علينا منهج الفسطاطين: (فسطاط الحق، وفسطاط الباطل)، ودائما ما يضعنا في إطار قانون بوش: (من ليس معنا فهو ضدنا). (وإما كل شيء صحيح، أو لا شيء صحيح) وهو دائما يصيغ البدائل بصورة حدية بالغة الانقسام.بالضبط كما نعيشه اليوم في الجزائر بين المقاربة الانتخابية الدستورية والمقاربة الانتقالية ،فإذا ما اخترت المقاربة الانتخابية الدستورية كنت مع “النظام” عند البعض (وتكون قد بعت السوق كما يقولون ) واذا اخترت مقاربة المرحلة الانتقالية والرئاسيات المسبقة اعتبرت مع تيار اليسار وجميع الراديكاليين الذين يقترحون انفسهم كقادة لما تبقى من حراك شعبي عملاق حرر جميع العبيد(وصرت حسبهم خائن للوطن).
هل هذه الظاهرة صحية في المجتمعات التي تريد الانعتاق والتقدم والنهضة ،أم اها اكبر إعاقة مزمنة اصابتنا في العمق ولاسبيل لمعالجتها لانها متوارثة عبر الأجيال ،وهل هنالك ما تقترحه الهندسة السياسية لحل هذه الازمة العميقة في مسيرة حياة التدافع في كل دول العالم؟
ونؤكد هنا على أن كل منظومة سياسية تسعى بجدية وفاعلية للتعاطي مع محيطها الاجتماعي عبر طريقين مزدوجين:الأول: يتمثل في تقديم خطاب يلامس واقع الجماهير، ويسعى لتلبية حاجاتهم، و يقوم على استقطاب الجماهير؛ لتفعيل الخطاب، والعمل على تحويله إلى برامج، وتنفيذها على أرض الواقع.والطريق الثاني يُعرف في الأوساط السياسية: بالاستقطاب، وجوهر عملية الاستقطاب هو حشد طاقات الأفراد، وتعبئتها بطريقة منظمة؛ لدعم وتنفيذ برنامج سياسي محدد، “رؤية واحدة”، لذا فالاستقطاب لا يسمح بالتعدد، ولا بالتنوع، ولا يقبل باختلاف وجهات النظر؛ لأنه ينطلق من طهرانية الذات، وقداستها، وخطأ الغير وانحرافه بل وخيانته .
وحري بنا ونحن نناقش هذه الظاهرة السياسية المستدامة أن ننظر في المرآة العاكسة لنقرأ المشهد الحالي حيث يشهد العالم والمنطقة العربية جملةً من الأزمات المتراكمة زمانياً والمتفاعلة مكانياً، وهي في معظمها أزمات تحمل سمة الثنائية في مظاهرها وفي أسبابها أيضاً.فبعض الأوطان يعاني الآن من ازدواجية خطر الاحتلال أو التدخّل الخارجي إضافةً إلى خطر الصراعات الداخلية، بل ربّما مخاطر الحرب الأهلية. فهي هنا ثنائية مشكلة تحدّيات الخارج وانقسامات الداخل.وأوطان أخرى تمرّ في ظروف سياسية تبرز فيها أعطاب الحكم والمعارضة معاً. فلا الناس راضية عن الحاكم ولا هي مقتنعة أيضاً بالمعارضة البديلة. فهذه أوطان تعيش ثنائية مشكلة الحكم والمعارضة معاً.حتى في البلاد التي لا تعاني من ثنائية تحدّيات الخارج وانقسامات الداخل، أو من ثنائية أزمة الحكم والمعارضة، نجد ثنائية الاختلال في ميزاني العدل السياسي والعدل الاجتماعي.
وهناك ثنائيات يشترك فيها عموم العالم، خاصّةً حينما يتعلّق الأمر بالمسائل الفكرية والثقافية وكيفية فهم الدين والهُويّة الوطنية والقومية، بل إنّ هذه الثنائيات المشتركة هي الحاضن الآن لكثير من الأزمات الوطنية أو الإقليمية، فثنائية التطرّف في الفكر والأسلوب هي اللون السائد الآن على معظم الحركات السياسية العاملة بأسماء دينية وطائفية، لكن المشكلة ليست فقط لدى أصحاب الفكر “الديني” وأساليبه بل هي أيضاً لدى أصحاب الفكر العلماني وما هم عليه من ثنائية القصور في الفكر والتقصير في الأساليب ،فضلا على حضور الظاهرة داخل منظومات الحكم نفسها .
ويجدر بنا أن نشير الى أن هذه الثنائيات في المشاكل والأزمات هي ليست وليدة الحاضر أو الماضي القريب فقط، بل هي محصّلة لتراكم كمّي في الأوضاع السياسية على امتداد شريط زمني طويل، نحصد نتائجه حينما تشتدّ تحدّيات الخارج إذ تظهر أكثر جليّاً أمراض وأعطاب الداخل في مواجهة هذه التحدّيات.
وهذا النوع من الاستقطاب السياسي الحاصل استقطاب لا تحكمه القناعات العقلية الراسخة أو البرامج الفكرية المحددة، بقدر ما يحكمه نظام الولاءات السياسية والتنظيمية، أو منطق (جماعات الشِّللية والمصالح)، ولذلك فأنت تستطيع أن تعرف مكونات الاصطفاف السياسي من كل قضية، حتى قبل أن يعرض كل طرف حججه ومستنداته الفكرية.
إن تجارب المجتمعات والدول تعلمنا أنه في “نظام الاستقطاب” الكل خاسر على المستوى الاستراتيجي، حتى من يفوز في المعارك الصغيرة، قد يحقق طرفا مزيدا من الغلبة السياسية، وقد يحقق نوعا من النصر الزائف بإقصاء المخالفين، لكن على المدى البعيد من يقصي يراهن على غياب الآخر، ومن يراهن على غياب الآخر يعمل كل الآخرين على إلغائه، وليس غيابه، ومن هنا يخسر الجميع.
ولهذا نعود ونقول أن ظاهرة الاستقطاب كما جاء في الويكيبيديا تشير إلى “انقسام أو تباعد المواقف السياسية إلى الحدود التفكيرية القصوى، وتشير كذلك إلى الاختلاف في الرأي العام أو حتى داخل مجموعة معينة. وتقريبا كل النقاشات عن الاستقطاب في العلوم السياسية تعتبر الاستقطاب في سياق الأحزاب السياسية وأنظمة الحكم ديموقراطية،حينما يحدث الاستقطاب في نظام حكم حزبين، كما في الولايات المتحدة، فعادة ما تفقد الأصوات المعتدلة أو الوسطية نفوذها وتأثيرها”،وقد أدت عمليات الاستقطاب، والإقصاء المتبادل، والشحن فيما بين الفرقاء السياسيين، وانتقالها إلى شرائح أوسع من الجمهور على خطوط انقسام سياسية، وأيديولوجية، ودينية، وثقافية، إلى تراجع عمليات الحوار والتوافق، والحلول الوسط، مع تعميق الانقسامات الفكرية، وتزايد التماسك العضوى داخل كل فريق، بحيث يتوزع الولاء والانتماء على ما يشبه “الهوية الفكرية”،وصاحب ذلك توظيف متواتر للعنف الرمزى بأشكاله من وصم، واغتيال معنوى، وحرب للشائعات، بحيث ينقسم الرأى أو الانتماء فيما بين جماعتين أو فئتين أساسيتين، بينما تتحدد التوجهات والانحيازات نحو كمٍ لانهائي من القضايا الفرعية بناء على هذا الصدع الرئيسى. وطبعا ستكون النتيجة المباشرة تعثر الأداء الديمقراطى حتى في الدول ذات التقاليد الديمقراطية المتجذرة، ومن أمثلتها المتاهة السياسية التى علقت فيها بريطانيا فى سياق خروجها من الاتحاد الأوروبى «بريكسيت»، ومحاولات عزل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وما يصاحبها من استقطاب حزبي.أما التداعيات غير المباشرة للاستقطاب، فتمتد لتشمل تآكل رأس المال الاجتماعى فى المجتمعات المختلفة، وانتشار المعارك الوهمية والبديلة التى تستبطن الاستقطاب الرئيسى، وتعيد إنتاجه فى عدد لانهائي من القضايا الخلافية غير القابلة للتوافق أو الحلول الوسط، حتى بلغ من حدة الاستقطابات شيوع مصطلحات لوصفها، من قبيل القبلية السياسية، والحروب الثقافية، وثقافة “الدشرة ” والذى يتفاعل معه أو يكرسه الدور الذى تلعبه وسائل التواصل الاجتماعى،حيث أكد بعض المختصين “أن الإعلام أداة مهمة للاستقطاب حينما يصبح جزءاً من اللعبة السياسية، وبالتالي يصبح الإعلام حصانا شرساً يسابق احصنة اخرى حينما يركبه السياسيون ويقودونه الى حيث يريدون”وفي المقابل فان الإعلام القائم على الاستقلالية والتنظيم الذاتي، هو اكبر مقاوم للاستقطاب مهما كانت اغراءات السياسة ورداءة سلوك السياسيين ،ومع هذا النوع من الاعلام المقاوم لهذه الظاهرة يتحول الاستقطاب السياسي الى ظاهرة صحية ويصبح “أداة من ادوات العمل السياسي في المجتمعات الديمقراطية،لأن الاطراف والقوى الفاعلة تسعى كل منها لاستقطاب انصار ومؤيدين مقابل القوى المنافسة الاخرى؛ ومن هنا برز دور الدعاية السياسية والتسويق السياسي في المجتمعات الديمقراطية، التي تدير التنافس والاستقطاب دون ان يخرج عن حدود اللعبة السياسية الديمقراطية”.
وعلينا ان ننتبه إلى ان طبيعة الاخبار تبحث عن الصراع، أي عن الموضوعات الاكثر اثارة هي التي تحتل الاجندة الاخبارية، وتسبق لتحتل العناوين الرئيسية، بمعنى ان بنية الاستقطاب والتطرف تتفق مع بنية الاخبار في الاثارة والرمزية” ذلك ان الاستقطاب يعكس فكرة المجانبة او الطرفية والبعد عن الوسط، وبالتالي فالاستقطاب قد يكون في الاغلب في صلب عملية التطرف ووجه من اوجهها.
ومن أسباب ذلك والعوامل التي ترفع نسب الاستقطاب هو العصر الذي نعيش فيه (عصر المعلومات) حيث أننا اصبحنا نحيا في عالم مضطرب بشدة معلوماتياً،حيث يقول أحد المختصين : “إن متلازمة الاضطراب المعلوماتي لا تقل خطورة عن جميع المتلازمات الصحية التي تصيب الجسد بالإعياء ويمكن أن تقضي عليه وتؤدي إلى وفاته. إن جهازنا المعلوماتي يعيش حالة من التوتر الشديد والإعياء، وقد سمحت حرية سير المعلومات وانتشارها عبر الإنترنت للأخبار الزائفة بالانتشار واستهداف فئات وطبقات معينة تتسم بالضعف مثل طلاب المدارس والجامعات وكبار السن وغيرهم”.
إن الاستقطاب السياسي المدفوع بانتشار الدعاية الكاذبة وحملات التضليل من شأنه إضعاف الديمقراطية، وتمزيق المجتمعات وإشاعة حالة من ضعف الثقة التي من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من التوتر والصراعات وتزداد حدة الاستقطاب السياسي لتصل الى استخدام العنف السياسي .
ولمعالجة هذه الظاهرة وفق نظرية الهندسة السياسية طرح أحد المفكرين أسئلة مهمة تبدأ بسؤال هل الحديث عن الاستقطاب السياسي ولاسيما عرض الثنائيات يكرسه؟ومن الأفضل أن نشتغل بتنمية الإنسان؟أم أن فض الاشتباك بين الثنائيات والاضداد بات أحد مهام المشاريع الثقافيّة والفكرية والسياسية؟ و ماذا نقصد بتفكيك الثنائيات “الاستقطاب السياسي “هل نقصد به فك رموز النزاع أم أننا نجنح إلى ضرورة تفكيك هذه الثنائيات للبحث عن هويّة تدمج الثقافة بالكل الجمعي؟ وهل هذه الثنائيات مشكلة خاصة بمجتمعنا أم هي مشكلة عامة على صعيد الفكر الإنساني؟ وكيف تعمل المخابر على تغذيتها واطالة عمرها ؟ وهل يجب ان نؤسس لنحل الكتروني لمواجهة ذاك الذباب يحول بقايا الذباب النتنة الى عسل مصفى؟
يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري أن هذه الثنائيات “تقف ضد المشروع الحضاري العام، وان الانشغال بها قد أجهد الفكر العربي والاسلامي وقسّم وعي الأمة إلى أقسام متضادة بين ثنائيات لا تنتهي مثل العروبة أم الإسلام؟ الوطنيّة أم القوميّة؟ التراث أم المعاصرة؟ ورؤية الأنصاري لا يختلف عليها إثنان إنما الأزمة ما هي الخيارات للخروج من هذه الأزمة الفكريّة العالقة؟ لاسيما أن المشاريع البديلة باتت تعبر عن مشاريع شخصانيّة أقرب إلى المشاريع الأنانيّة، وهي صورة تعكس واقع المجتمع بكافة مؤسساته الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والدينيّة.
ولمعالجة هذه الظاهرة الاستقطابية الحادة في عالمنا المعاصر وجب أولا إعطاء مفردة الاستقطاب معنى إيجابي يقف على قاعدة “رأي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب “، والحرص على أن تكون لنا مقاربة سياسية شاملة لمعالجة اكراهات الواقع ورؤية سليمة لتغييره مع تحديد وبدقة القواسم المشتركة بيننا وبين الاخر مهما كان هذا الاخر ،حيث يصبح كل صاحب مقاربة أو مشروع سياسي يدع اليه بأساليب سلمية متنوعة تستخدم الاقناع السياسي والحجة والبرهان ويكون المتغير الحاسم على كل تلك البرامج والمقاربات هو الشعب”الامة” الذي ترصع بسيادته دساتير كل الأمم .
كما أن قرار الانخراط في احدى الثنائيتين التي تستقطب النخب والشعب كما يحدث اليوم لا يجب أن ننظر اليها بمسطرة حدية حيث يفرض عليك الواقع اختيار احداهما ،بل يجب تدريب العقل السياسي والنضالي على صياغة البدائل والحلول للمشكل الواحد ذلك أن الاستعجال في الحسم انطلاقا من رؤية خطية لا ترى الا من زاوية واحدة دون غيرها ،أي الثنائية الحدية (إما.. وإما)وهي من الشروط المعيقة لامتلاك منهج الابداع السياسي الذي حقق به بعض القادة السياسيين الإنجاز السياسي التاريخي في زمن من الاكراهات الثنائية القاتلة واستطاعوا تجاوز الوضع ببدائل الطريق الثالث والرابع وليس الانخراط في احد الخيارات المفروضة سلفا ،فالعمل السياسي فن لابتكار البدائل والخيارات المتعددة حتى امكن القول أن نجاح الفاعل السياسي مرهون بمدى تجاوز عقلية الخيارين الحديين الى افاق البدائل المتعددة والمتنوعة .
كما أن اختيار خيار من الخيارين لا يعني بالضرورة انك منخرط او تابع لاحد طرفي الاستقطاب السياسي حيث يمكن ان تختار اختيار يتناسب مع مقاربتك السياسية بعيدا كل البعد عن طرفي الاستقطاب لان التوافقات الموضوعية تحدث في العالم بعلم وبدون علم، وهو مايرتب عليك العمل على صناعة الاجماع حول اختيارك وليس اختيار الاخرين والا أصبت بداء الحمق السياسي ،فهامش المترددين عند الاستقطاب أوسع بكثير من هامش المستقطبين في احد الخيارين الحديين ولاسيما في الحالة الجزائرية اليوم .وبجملة واحدة فبدل الاقتصار على خيار التبعية يمكن التفكير في خيارات تترواح بين التعايش والممانعة مرورا بالتنازل الجزئي والمواجهة غير المباشرة كما يمكن التفكير في بدل لخيار الازاحة واستعراض القوة في التحالف والتعاون ،فبين التبعية والازاحة خيارات قائمة وموجودة تحتاج فقط الى عقلية سياسية مرنة تعرف هدفها وتبحث له في الواقع عن مساحة للاستنبات والبذر ثم السقي والنمو ،نقول ذلك لأن من غفل عن تجديد آليات المدافعة الفكرية والروحية والمادية تجاوزته الاحداث وتراجعت فاعليته عن مواكبة حركة التدافع وقذفت به القوى المتدافعة الى المؤخرة ليدفع ثمن استرخائه وفتوره .
ولذلك تقترح هندسة معالجة الاستقطاب السياسي معالجات عميقة كي لا يتحول الاستقطاب السياسي في الامة الى إعاقة مزمنة تطيل من عمر الازمات وتعمق من قاع الاختلاف،حيث يمكن استبدال الموضوعات الثنائية الاستقطابية التي تثير اطراف التدافع السياسي في البلاد الى مناقشة مواضيع ذات أهمية بالغة يمكن أن تشكل مساحة مشتركة للعمل فمشروع النهضة مثلا يمثل جسرا كبيرا وبديلا رئيسيا للاستقطابات المتعلقة بالهوية والفكرية بعيدا عن خلق ثنيائات جديدة تتعلق بــ : الاستبداد / الديمقراطيّة، الخراب / العمران، التأخر / التقدم.
كما تقترح هندسة معالجة الاستقطاب السياسي رافعا آخر للخروج من ازمة الثنائيات وهو رافع التنمية كبديل أيضا للاستقطاب السياسي ،والتي تعبر عنها مشاريع التنمية البشريّة والتنمية المستدامة وتنمية الموارد البشريّة،كتخفيض نسبة الأميّة ورفع المستوى الدراسي وإشاعة قدر أكبر من الديمقراطيّة النسبية ورفع مستوى المعيشة والصحة وتطوير مفهوم المواطنة وتحقيق الأمن للمواطنين. ويمكن أن تحقق هذه العوامل على نحو تدريجي وفي أوقات متزامنة ومتعاقبة.
كما يبرز هنا مشروع التوافق كرافع آخر لمعالجة ظاهرة الاستقطاب السياسي والتي تحتاج الى تدريب عدد من الكفاءات الشبابية على نمطية عقلية جديدة تفرض مسار التعددية كبديل يسند مبدأ التوافق بصناعة الكتلة التاريخية للامة التي تضطلع بهم التنمية والنهضة بعيدا عن الثنائيات والاستقطابات القاتلة ، التعدديّة كبديل عن الثنائيات الفكريّة من خلال مداخل متعددة، تقوم على تفكيك المقولات السائدة المنطوية على الفكر المطلق، وبدلا من ذلك التوجه إلى العقل وطريقة التفكير بوصفهما مكمن الداء والدواء في نفس الوقت،وفي مسيرة التعددية بهذا المنطق نحتاج الى نوعيات من العقليات النخبوية تقف على أسس العقل/الفكر التركيبي وهو المضاد للتفكير بصورة أحاديّة البعد والجانب، و العقل التواصلي لأن من أكثر العوائق التي عرقلت مشاريع الإصلاح والتغيير هو التفكير بمنطق الحتميات المقفلة والمطابقات المستحيلة والثنائيات الخانقة، التي تطبق على العقل وتضع الفكر بين فكيّ كماشة لكي تعيد إنتاج العوائق والمآزق.وكذلك التدريب على ذهنية العقل التداولي هذا العقل يُخضع للنقد أشكال المصداقيّة ومصادر المشروعيّة. هو تجاوز للنماذج الثقافيّة أو الأنماط البشريّة، سواء من جانب العقليات الأصوليّة بعقائدها المقفلة وتصنيفاتها العنصريّة ومشاريعها المستحيلة أو من جانب القوى الإمبرياليّة بمنطقها الأحادي والعسكري القائم على الانفراد والإقصاء والطغيان أو من جانب النخب الثقافيّة والفكريّة بعقلانيتها القاصرة ومشاريعها الفاشلة فالعقل التداولي هو تجاوز وخروج عن مضادة الثنائي المسيطر على الساحة الفكريّة في هذا الوقت مما يجعل رهانه أصعب وامتحانه أشد.
ويمكن هنا الإشارة والاشادة بجهود فكرية وسياسية سابقة لمعالجة تداعيات وانعكاسات ظاهرة الاستقطاب السياسي على سلوك و تطلعات الشعوب والحركات السياسية ،والتي أسست لفكرة المنزلة بين المنزلتين ،فقد حفل كتاب “احياء علوم الدين” للعلامة المفكر ابي حامد الغزالي وكتاب الشيخ الشرباصي “موسوعة اخلاق القرآن” الذان انتبها الى هذه الظاهرة منذ القدم و التي تحولت من مجرد خطابات الى سلوكات وهو الأخطر ، لنعرف أن بين الجبن والتهور منزلة تسمى الشجاعة وبين الرذيلة والعزلة منزلة تسمى العفة وبين البخل والتبذير منزلة تسمى الانفاق وبين الغفلة والتجسس منزلة تسمى الحيطة والحذر وبين الهوان والكبر منزلة تسمى العزة …..الى آخر مارتبه الشيخان من منازل ومقامات سلوكية واخلاقية تكون قاعدة لانطلاق أي معالجة لظاهرة الاستقطاب العامة .
كما أسس الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله لنموذج فريد في معالجة حالة الاستقطاب الخطيرة التي عاصرها وعايشها بحلوها ومرها ،فكان مقاله الأسبوعي في جريدة النبا الزاهرة “معا نحو الهدف” والذي صدر بعد ذلك في كتاب تحت عنوان “معا نحو الهداف” رسخ فيه الشيخ محفوظ نحناح لنظرية التوازن والوسطية السياسية في جو مكهرب وصل فيه الاستقطاب الى سقف الاحتراب بين الطرفين ،فوجدناه يصيغ عبارات وعناوين مفتاحية لمعالجة ظاهرة الاستقطاب السياسي باستقلالية ذكية عن طرفي الاستقطاب فهو الذي نحت فكرة الحركة الواعية بين حقدين وبين تصورين وبين الظل والشمس وأشار الى رؤية ومنهج الحركة بين الدعاة والبغاة وبين الموقد للفتنة والموقظ لها وبين المزيفين والمخرفين وبين الأصوليين والاستئصاليين وبين الأقليات الماكرة والأقليات الجاهلة وبين الحناجر الصادقة والخناجر الحالقة وبين المتغربين والغرباء والغربان وبين الفجر الصادق والفجر الكاذب وبين حضور مؤهل وغياب معطل وبين الظهور والضمور وبين القفز العالي والسقوط الحر … وغيرها من المعالجات العملية التي كان لها تاثير كبير على ساحة العمل السياسي المستقطب في الجزائر آنذاك واقترح بعد ذلك معالجة كلية من خلال برنامجه الانتخابي لرئاسيات 1999 التي اقصي منها بظلم وتحايل على القانون وحوله الى كتاب تحت عنوان الجزائر المنشودة المعادلة المفقودة بين الوطنية والإسلام والديمقراطي وهي مقاربة مازال تمثل رؤية لجسر الهوة الكبيرة التي زادها الاستقطاب السياسي توسعا بين التيارات الأساسية في الجزائر .
كما تقترح هندسة معالجة الاستقطاب السياسي العام ضرورة :
• فضح المنزع العنصري الذي يعمل أصحابه بعقليّة التمييز والفرز أو التطهير والتصفيّة من حيث العلاقة مع المختلف والآخر.
• الفكاك من المنزع النرجسي للنخب المثقفة بفكّ وصايتها على القيم والحقوق والحريات.
• تجاوز التقسيمات العرقيّة أو الدينيّة أو الجغرافيّة .
• الاحتكام الى الامة في الفرز بين الخيارات السياسية وليس التخندق في خنادق الانانيات السياسية التي قد تستخدم لتدمير ساحة التنافس السياسي وتفخيخيها حيث ستكون الخسارة مؤكدة لطرفي الاستقطاب وان طاولة الحوار والنقاش وفقه التنازل وتنسيب الطموحات هو جسر العبور نحن الاستقرار السياسي الذي لاتصلح الديمقراطية والتنمية الا به .
• استعداد الأطراف غير الشريكة في حالة الاستقطاب السياسي او الأطراف العاقلة والمستنيرة منتمية الى طرفي الاستقطاب السياسي للقيام بأدوار ومبادرات رأب الصدع قبل واثناء وبعد حدوث حالة الانكسار .
• كما اننا بحاجة إلى خطة او استراتيجية جديدة لإعادة بناء الإعلام واصلاحه، واذ ما تم هذا الاصلاح، وترك المجال له للقيام بعمله بمهنية تامة واستقلالية فهو سيقوم بدوره في معالجة حالة الاستقطاب التي يمتهنها اعلام التعمية والاشاعة اليوم الذي اصبح منبرا للتحريض وخلق الانقسام السياسي والمجتمعي ونشر الكراهية.
• كشف خيوط ومخططات المخابر والمغارات الالكترونية التي تختص فقط في تغذية الاستقطاب السياسي الداخلي والخارجي وهي مخابر ممولة ولها وظيفة واحدة هي تعميق حالة الاستقطاب السياسي والعمل على سياسة فرق تسد بما تملكه من قدرات مالية وإعلامية وبشرية (اعلاميين باعوا انفسهم للعمل مع الشيطان السياسي الذي يقف وراء الاشاعات والتضليل والتسميم و اغارة الصدور والقلوب وتزييف الحقائق لصناعة عقول مرهقة متعبة ثم مصابة إصابات بالغة ترهن تفكيرها وتشغلها بالردود والدخول في منطق رد الفعل ) وهذه المخابر او مايسمى اليوم “الذباب الالكتروني” وظيفتها لا تقتصر على تغذية الاستقطاب السياسي بين الأحزاب وداخل الأحزاب والجماعات بل بين الدول وداخل الدول .
• كما اقترحنا سابقا في كتابنا منظومة الرشد في العمل السياسي توليفة متكاملة لنموذج الرشد السياسي الذي يعالج بعمق ظاهرة الاستقطاب السياسي من خلال اقتراح خارطة ادراكية بديلة حدها الأول المادة وحدها الثاني الروح وبينهما الطريق المستقيم لتجاوز سؤال الازمة الراهنة ومحنة الشرخ الذي احدثه الاستقطاب . قد نعود الى شرح هذه المنظومة في حلقة قادمة.

تعليق