في الذكرى الثانية عشر لوفاة المؤسس الشيخ محفوظ نحناح يرحمه الله تذكرت عبارة “تزاحموا تراحموا” فأردت أن أقف عندها وبالله التوفيق.

روى ابن ماجة عن جندب بن عبد الله قال: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا”. (صحيح ابن ماجه/ رقم: 52) وفي صحيح البخاري رضي الله عنه قال “بابٌ العلم قبلَ القولِ والعملِ”.

إن النية مقرونة بالإيمان، والإيمان متصل بالعلم، والنية والإيمان والعلم تمثل كلها في ترابطها الدرب السليم للتطبيق، والصراط المستقيم للممارسة، ويظل الدرب مشرقا بالنور على قدر صدق النية وسلامة الإيمان وصحة العلم، ويكون الإشراق نهجا واضحا وخطة جلية وخطىً تتسابق وأنفسا تتزاحم وقلوبا تتراحم على درب طويل لتحقيق الهدف المنشود.

إن واقعنا يدعو بإلحاح وقوة إلى دراسة أسباب الضعف وعوامل الانهيار بالبحث عن حلول ووسائل وأساليب وبدائل عسى الله أن يرفع بها البلاء ويقطع الفتنة ويدفع إلى مسالك العزة والانتصار.

*  إن أول درس يجب أن نتعلمه أن يبدأ الإنسان بنفسه وأن يرى أن المرض فيه كما هو بغيره فلا يكثرنّ اللوم والعتاب وليأخذنّ نفسه بالبناء والعلاج، حتى يكون مثلا وقدوة فبداية التغيير النفس.

يا أيها الرجل الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ                          هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى             كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا                         فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى                    بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ                        عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

*  الدرس الثاني لابد لكل فرد في الأمة مسؤولية وأمانة وأن عليه أن ينهض لمسؤوليته وأمانته بهمة وجد فإن إلقاء اللوم على الناس دون القيام بالواجب مرض خطير وقد انتشر هذا المرض كثيرا في أيامنا هذه وللأسف الشديد وعلى هذا النحو لا قدر الله تضيع الأمانة (وإذا ضيعت الأمانة فإنتظر الساعة) أي فإنتظر انهيار الأمم وتساقط الحضارات.

*   الدرس الثالث المؤمن عندما يمارس إيمانه وعلمه بين المؤمنين يجب عليه أن يعرف مكانته ومكانة غيره ومنزلته ومنزلة غيره وحقوقه وواجباته وحقوق وواجبات غيره، فليس هناك خطر يهدد سلامة المؤمنين أشد من تضييع المنازل واختلاط الحدود وتطاول الأعناق وتزاحم الأكتاف في أمواج حب المسؤولية بعنوان حفظ الأمانة وبشعار الطموح المشروع وبدافعية القدرات المكتسبة والإبداعات المحققة وبحجية عزوف الغير عن العمل وتحمل التبعات، تؤول كثير من المهام وتتراكم كثير من المسؤوليات على شخص بعينه أو فئة بعينها تطوعا منهم للعمل صحيح تطوع ولكنه مهلك قد يغيب عنه صدق النية أو سلامة الإيمان أو صحة العلم، فيطمع حينئذ الكثير فيما ليس لهم ويثب الطامعون إلى أبعد من حدودهم وأوسع من طاقاتهم وأعلى من قدراتهم، وهذا الخلق المرتبط بتعاطي المسؤولية على هذا النحو يجعل الأمة تتآكل من ذاتها، فتضيع بذلك قدراتها وتموت مواهب رجالها وتعيش طبقية ينفصل أعلاها عن أدناه بدعوى أنا خير منه فيضيع أعلاها بعنوان قوله تعالى (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ويموت أدناه بعنوان قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ).

*  الدرس الرابع صناعة النجاح لا تكون بتنوع وتعدد المسؤوليات والمهام ولكن بالاختصاص والتميز ولا تكون بالكلام والمقال وحسب ولكن بالعمل في الميدان.

فالذي يقرأ القرآن وهو يتتأتأ فيه أجره يبلغ أجر فصيح اللسان.

إن صناعة النجاح تقتضي ان يقول القائد الأول (تزاحموا تراحموا) ليتسع المكان لغيركم وليتحمل المسؤولية جميعكم فمن كان خارج المسجد تتاح له فرصة الصلاة داخله ليزداد أجرا وينال ثوابا وخيرا، لكي لا يغتر من جاء للمسجد باكرا ولا ييأس من وصل إليه متأخرا.

*  الدرس الخامس المسؤولية أيام معدودة وأشهر محدودة، ونحن نمارسها لا بد من أن تتاح الفرصة فيها لغيرنا وأن يظل مصطلح التداول والتوريث ممارسا على أرض الواقع في كل المجالات وفي شتى المهمات فليست الدنيا مربوطة بشخص وليس النجاح والتوفيق رهين فرد، ولو كان الأمر كذلك لما ارتحل سيد البشر عن الدنيا، كفانا من تلك الشفقة المهلكة ومن ذلك التمنع غير الصادق، فإذا كانت الجندية طريقا للقيادة فلا بد أن تكون القيادة رجوعا للجندية فلو دامت لغيرك لما وصلت إليك، ولو بقيت عندك لن تنتقل لغيرك.

هذه الدروس جالت في خاطري وأنا أقف عند قول الشيخ محفوظ نحناح يرحمه الله (تزاحموا تراحموا) فدوّنتها

ومـا مِن كاتبٍ إلا سيفنى                    ويَبقى الدهرَ ما كتبتْ يداه

فلا تكتبْ بخطّكَ غيرَ شيءٍ                 يَسُـــــــــرُّكَ في القيامةِ أنْ تراه

  يحي بنين / نائب بالمجلس الشعبي الوطني

تعليق