نتيجة للسياق التاريخي الذي تأسست فيه “الحركة الإسلامية”، كان واجب الوقت يفرض عليها “إعادة الخلافة الإسلامية” بعد سقوطها الرّسمي سنة: 1924م، فأصبح من أدبياتها ومراحلها الدعوية إقامة “الدولة الإسلامية”، وتحوّل هذا الهدف من بُعده الدعوي في بدايات التأسيس من أجل التمكين على مستوى خطّ المجتمع إلى بُعده السياسي من أجل الوصول إلى الحكم على مستوى خط السّلطة تحت ذريعة ” إن الله يَزَع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن”، ولم ننتبه إلى هذا الانعطاف إذ أصبح مقياس النجاح هو “الوعاء الانتخابي” وليس “الوعاء الدعوي”، إلى غاية الاصطدام بحقيقة أن “المسار السياسي” ونتيجة “العملية الديمقراطية” لوحدها لا تكفي للتمكين، وتجربة “الإخوان المسلمين” في مصر شاهدةٌ على ذلك. وعند التأمل في “عطاءات السيرة النبوية الشريفة” نجد بأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم حسم “مسار حركة الإصلاح والتغيير” عندما خُيّر أن يكون “نبيًّا ملِكا”، وعُر ض عليه في مكة: “إن كنت تريد مُلكا ملّكناك..” فأبى إلا “التحالف” مع “العباءة الدعوية المدنية” على مستوى خط المجتمع، على حساب “المعطف السياسي” على مستوى خط السّلطة إلى حين.

هناك تباينٌ مفضوح وعدمُ انسجامٍ واضح في إيقاعات الحركة بين مجالات عملها وتوازن مشروعها الاستراتيجي، ونقصد بذلك تحديدا: اختلال التوازن بين “الوظيفة الدعوية” والوظائف “السياسية والاجتماعية والمجتمعية” الأخرى، وهذا التراجع الرهيب في “العطاء الدعوي” و”الفاعلية الدعوية” و”الإنتاج الدعوي” و”التأثير الدعوي” و”التجديد الدعوي”، قد يرجع ذلك إلى بعض نتائج الالتباس في العلاقة بين “السياسي” و”الدعوي” وطبيعة العلاقة التنظيمية بينهما، إذ لا يُعقل أن تُسجن “الوظيفة الدعوية” في سجن “المؤسسة الدينية الرسمية” ولا في قفص “التنظيم الحزبي”، ولا يُقبل “شعبيا” ولا “رسميا” ممارسة “الدعوة” باسم “الحزب السياسي”، فلا القانون يسمح بذلك ولا الشعب يستسيغ ذلك لاختلاف الغاية بينهما، فالحزب السياسي غايته الوصول إلى إقامة الدولة عن طريق المنافسة السياسية والتدافع الانتخابي لتحقيق الإصلاح السياسي وإبعاد شبح الفساد العام كما قال تعالى: ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض..” (البقرة: 251)، والوظيفة الدعوية غايتها إقامة الدّين بإلحاق الرحمة بالآخرين عن طريق الإصلاح التربوي بترشيد التديّن في المجتمع، وشعارها: ” يا قوم لكم المُلك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا …”(غافر: 29)، والعلاقة بينهما هي علاقة “التكامل” وليست علاقة  “الاندماج” و”التآكل”..

وبالرّغم من التطوّر التقني والتراكم المعرفي والثورة المعلوماتية والوفرة العلمية إلا أننا نسجل هذه الفجوة الكبيرة والرتابة التقليدية والتأخر الدعوي في مواكبة عطاءات الحضارة المعاصرة وإفرازاتها المتسارعة، فلا يتناسب “الامتداد التاريخي للدعوة” مع “آثارها”، ولا “الجهود الدعوية السابقة” مع “سلطان تأثيرها”. وبالرغم من “الصبغة الدّعوية والتربوية” للحركة إلا أن حصيلتها في ذلك تثير “الدّهشة” وتبعث على “القلق” وتدعّم نسبيا مقولة” “تضخم العمل السياسي” على حساب “العمل الدّعوي والتربوي”، وما يزيد “المسألة” سوءً هو عدم الانتباه إلى ضرورة التجديد وحتمية المراجعة في “أدائنا الدعوي” و”فاعليتنا التربوي” في “معادلة التميّز القيمي”، “صبغة الله، ومَن أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون” (البقرة: 138)، مما يدعونا – وبقوةٍ – إلى إعادة النظر في “الوظيفة الدّعوية” التي أصبحت لا تتناغم مع البُعد المكاني والزماني للدعوة والدّعاة، مع ضمور “فقه الواقع” في “بقايا الممارسة الدعوية”، وهو ما يفرض علينا: التفكير بصوتٍ مرتفعٍ وباجتهادٍ جماعي ومؤسسي في الابداع التربوي والتجديد الدعوي.

فالممارسة الدّعوية ليست مجردُ بلاغٍ نظري، بل هي تجسيدٌ فعلي وتبليغٌ عملي لعالم القيم التي نبشّر بها الآخر، ولذلك وجدنا النبيّ صلى الله عليه وسلّم جمع بين وظيفة “التبليغ” وفق التكليف الرّباني: “يا أيها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك..”(المائدة: 67)،  فلم يترك مناسبةً ولا ظرفا ولا موقعا ولا فرصة إلا وقام بذلك، وبين صفة المسؤولية التي تقتضي المراجعة والمعاتبة والمحاسبة والتقييم: ” .. وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته..”(المائدة: 67)، وبين الشخصية التنظيرية ” قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ..”(الأعراف: 158) وبين الشخصية التنفيذية للتبليغ بالقدوة العملية: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. “(الأحزاب: 21).

وبالتالي: لابد من ثورة دعوية على أساليبها التقليدية وعدم الجمود والاقتصار على مجرد “الخطبة والدرس والموعظة والكتابة والحصة الدينية والمسجد”، فهي وسائلٌ اجتهادية وليست مسائلٌ توقيفية، وهي الآن لا تلامس الاحتياجات الدّينية ولا تستطيع تقويم الحياة الدنيوية لكل فئات المجتمع..

ومن مظاهر التجديد الدعوي: العمل الدعوي المؤسسي أو “الدعوة بالمشاريع”، فإن الواقع المعاصر للدعوة الإسلامية يتطلب “الإبداع الدعوي”، ومنه الانتقال من الفعل الدعوي الفردي المعزول إلى العمل الدعوي الجماعي والاستراتيجي المؤثر، لتحقيق هدف الإصلاح وغرس القيم وترشيد التدين واستقامة الأخلاق، وهو ما يستدعي كذلك الذهاب إلى “التعاون مع الغير على الخير” في شَرَاكاتٍ دعوية مع شركائنا في “الإصلاح الحضاري” على مستوى “الجبهة الدينية” والخروج من حالة “الصراع والمنافسة والمناكفة” مع المؤسسات الدينية الرسمية والشعبية والتيارات الإسلامية الأخرى، لأننا في “الوظيفة الدعوية” لسنا في ساحة “صراع سياسي أو منافسة انتخابية” مثل “الحزب السياسي”، وهو ما يتطلب:

1/  الموارد البشرية الكفأة والمتخصصة والمتفرّغة للوظيفة الدّعوية: وهو ما يعني الذهاب بجديّة نحو التمييز والتخصّص الوظيفي، وما يستدعيه ذلك من التدريب والتأهيل والتكوين على فنون ومهارات الدعوة الفردية والجماعية وفنون الاتصال الجماهيري ومهارات التأثير والإقناع وصناعة الرأي العام وإدارة التغيير..

2/ التجديد الهيكلي والإبداع التنظيمي: فإن التنظيم والهيكلة تنسجم وجوبا مع طبيعة المشروع ونوعية الأفكار وخصوصية المشاريع، فالهيكل التنظيمي لمشاريع الحزب السياسي وشروط الانتماء إليها تختلف جذريا عن الهيكل التنظيمي لمشاريع المؤسسة الدعوية وشروط الانتماء إليها، وهو ما يعني إعادة النظر في العلاقة بين “السياسي” و “الدعوي”، وأن العلاقة بينهما لا تعني بالضرورة التبعية أو الوصاية لأحدهما على الآخر عن طريق “التحكم التنظيمي”، فنخرج من جدلية أيّهما الأصل وأيّهما الفرع وأيّهما الذراع للآخر، بل لابد من الإبداع في العلاقة عن طريق “الشراكة والتنسيق والتعاون والموالاة المتبادلة” كما قال تعالى: “.. بعضكم من بعض.. “(آل عمران: 195)، “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض” (التوبة: 71).

3/ العمل بالمشاريع: وما يسبقه من تحديد احتياجات المستهدفين في الدعوة، ودراسة جدوى “الانتاج الدعوي” لهم، فالمجتمع يحتاج إلى مشاريع جدّية وبرامج عملية وأساليب عصرية مؤثرة، وخاصة في ظلّ المنافسة الشرسة للأفكار والمشاريع الأخرى بالامكانات التأثيرية الهائلة، وهو ما يدعونا للحديث عن التجديد الدعوي في المشاريع والبرامج الموجهة مثل:

مشاريع الإعلام الدعوي: من أنترنت ووسائط إعلامية وقنوات فضائية ووسائل تكنولوجية والفضاءات المفتوحة..

مشاريع الاستثمار الدعوي: لتنويع مصادر تمويل المشاريع الدعوية من الزكاة والهبات والوقف والتحرّر من عبودية الوظائف الحكومية وهيمنة السّلطة على الدّين.

مشاريع فنية وثقافية: وإعادة النظر في الأحكام الجامدة والتقليدية عنها، وإدخال البُعد الرسالي عليها مثل: الغناء والمسرح والشعر والتمثيل..

مشاريع متخصصة: مثل أكاديميات صناعة العلماء والدعاة، ومشاريع مبتكرة لتحفيظ القرآن الكريم بالطرق العصرية والحديثة، والمدارس الشرعية الخاصة ومراكز التدريب والتأهيل الربحية والمشاريع الدعوية النسائية المتخصصة، والحملات الدعوية الموضوعاتية التي تراعي فقه الزمان والمكان، والمشاريع الدعوية الطلابية والشبابية التي تراعي الخصوصية العمرية ..

مشاريع دعوية عبر المجتمع المدني: بتأسيس الجمعيات المحلية العلمية والتربوية والرياضية والترفيهية لتأطير أكبر عدد ممكن من فئات المجتمع في مشاريع هادفة تخدم “المشروع الدعوي الكبير”، بعد أن عجز “الحزب السياسي” عن الانفتاح والانتشار والاستيعاب والتأطير لاعتبارات عديدة (ذاتية وموضوعية)…

إنها دعوةٌ واضحة وصريحة إلى حتمية ووجوب تحرير “الفعل الدعوي” من هيمنة “السياسي” سواء كانت سلطةً حاكمة أو أحزابا سياسية.

تعليق