ما هو السّر في قوله صلى الله عليه وسلّم عن خصوصية الأيام العشر من ذي الحجة، والتي جعل العمل فيها أعظم من “الجهاد: ذروة سنام الإسلام” فقال: ” ما من أيامٍ: العملُ الصّالحُ فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام”، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء.“، وما هو الطَّرْف الخفي في سرّ الأفضلية المُودَعة فيها بقوله صلى الله عليه وسلّم: “ ما من أيامٍ أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة.“، وما هي الإشارة الرمزية التي تجعله صلى الله عليه وسلّم يؤكد مرة أخرى (فالزيادة في المبنى زيادةٌ في المعنى) فيقول أيضا: “ما من أيامٍ أعظم عند الله ولا أحبّ إليه من العمل فيهن من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد.”، وما هو الخيط الإلهي الرّفيع في اللطيفة الرّبانية الدقيقة عندما أقسم بها، وهو الذي لا يُقسم إلا بعظيمٍ أو على عظيم في قوله تعالى: ” والفجر، وليالٍ عشر” (الفجر: 02.01)، وزادها رمزيةً في التعظيم المفتوح عندما نكّرها بقوله: ” وليالٍ ..”، ولم يقل: ” والليالي..”؟؟.

والهدف من القسم هو: تحقيق المُقْسم عليه، حسب ما يتجلّى من عِظم الأجر الأخروي الآجل أو المصلحة الدنيوية العاجلة أو هما معا، فـ “الليالي العشر”: هي ليالٍ معروفة لا مجهولة، فاستغنى بالتوصيف عن التعريف، وهي مُعظّمة بعِظَم الأعمال الجليلة التي تقع فيها، فللعبادة تأثيرٌ ربّاني على حُرمة وقُدسية الزّمان الذي تُؤدّى فيه، وتزداد بركاتها وخيراتها ورحماتها بمقدار عدد المؤمنين المقبلين على الله فيها، فمثلا قوله صلى الله عليه وسلّم:” ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله..” فتكون من بركات هذا الاجتماع ما قاله: ” ..إلا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرّحمة، وتنزّلت عليهم السّكينة، وذكرهم الله فيمن عنده.”، فيكف بإقبال الملايين على الله تعالى ” ..من كلّ فجٍّ عميق.” في هذه الأيام في مؤتمرٍ عالمي، يباهي بهم ربُّنا    عزّ وجل أهل السّماء.

إنها الأيام التي حازت على الشّرف، وتزكّت بصيغة التفضيل التي نطق بها الفمُ الشريف، فلا “أحبّ” ولا ولا “أقرب” ولا “أفضل” ولا “أزكى” ولا “أعظم أجرا” منها، وهو يردّد:” مَا مِنْ أَيَّامٍ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا..”، ثم يؤكد:” مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ أَعْظَمَ أَجْراً..”، ثم يصرّ ويقول: ” مَا مِنْ أَيَّامٍ أحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَمَلُ فِيهِ..”.

لقد أسرّ لنا “رسول الله صلى الله عليه وسلّم” بسرّ التشويق وسبب الإثارة وعلّة اللّهفة إليها بأنّ: الزّمنَ من حيثُ الكمّ العددي المنفصل قد يكون متساويًّا، ولكنه قد يختلف من حيث الأسرار والنّفحات واللّطائف الإلهية المُودَعة فيه، وهي لحظاتُ التجلّي الإلهي التي يُقبل فيها ربّنا عز وجل على عباده بنفحاتٍ ربّانيةٍ خاصة، تهبّ فيها نسمات الرّحمة، وتتنزّل فيها خيوط المغفرة، فقال صلى الله عليه وسلّم:” إن لربّكم في أيام دهركم نفحات فتعرّضوا لها، لعلّه أن تصيبكم نفحةٌ منها فلا تشقون بعدها أبدا”.

وقد قال الشاعر:

 إِذا هَبَّـتْ رِياحُـكَ فَاغْتَنِمْهـا *** فَعُقْبَـى كُـلِّ خافِقَـة ٍ سُكُــــوْنُ.
ولا تغفل عن الإحسان فيـها *** فلا تدري السكونُ متى يكونُ.

 وهي من المواسم التي تختصّ بالمِنح الإلهية، والفرص التي تمتاز بالعطاء الاستثنائي، وهي موزّعة على مدار السّنة لتلامس أشواق الرّوح فلا تترك العبد شريدا، ولا تعطي له فرصةً ليكون عن الله تعالى تائها، وهي تشدّه في كلّ مرّة إليه – تحت ضغط احتياجات الجسد – ومنها: “العشر الأوائل من ذي الحجة”، وهي نهرٌ يتدفّق بالفيوضات الرّبانية، والأجر فيها يتجاوز حدود الحساب العقلي البسيط، خاصّة وهي لا تمتاز بنفس خصوصية شهر رمضان – مثلا – إذ تُغلّق فيه أبواب النّار، وتفتح فيه أبواب الجنة وتُصفّد فيه الشياطين، فتكون أيسر لتلبية نداء المنادي: ” يا باغي الخير أقبل…”، فهي أيامٌ تكثر فيها الغفلة وتحتاج إلى المجاهدة، فلا يُوفّق فيها إلا صاحبُ القلب الموصول.

وقصّة هذه الأيام ممتدّةٌ في عمق التاريخ ، في وحدةٍ عقائديةٍ متكاملة، تخترق حُجب الزمان والمكان، وقد أُشير إليها في قصّة سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى:” وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ.”(الأعراف: 142)، فأتمّ الله له النّعمة بعد معجزة الحسم السياسي مع فرعون، فصام هذه الأيام شُكرا، كلّمه فيها ربّه عزّ وجل وأنزل عليه هدايات السّماء.

وقصّة التّمام والبركة وعنوان الخير واتصال السماء بالأرض بالوحي المقدّس تتكرّر عندما ختم الله تعالى كذلك الرّسالة الخالدة، وكان آخر ما نزل من القرآن الكريم فيها: يوم عرفة في حجّة الوداع في السنة الـ: 10 هـجرية، قوله تعالى:” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا.”(المائدة: 3)، فأصبحت هذه الأيام معلومةً في تاريخ الإنسانية يجب أن تُذكر فتُشكر، وهي مناراتٌ للعابدين في لحظات التجلّي، فوصفها الله تعالى بذلك في معرض الحديث عن الحجّ فقال: ” لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ..”(الحج: 28)..

إنّها مهرجانٌ إيمانيٌّ عالمي، تتعالى فيها أصوات مَن فاضت قلُوبُهم بذكر الله تعالى جهرا فيها، ويصف لنا “الإمام البخاري” هذا المشهد الاحتفالي الخاصّ من خير القرون، وينقله لنا على الهواء مباشرة فيقول:  “وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السّوق في أيام العشر، فيكبّران ويكبّر الناّس بتكبيرهما.”.

وكان من حرصه صلى الله عليه وسلّم عليها: إفرادها بالخصوصية، فورد في “سنن أبي داوود” عن بعض زوجاته صلى الله عليه وسلّم أنها قالت:” كان النّبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيامٍ من كلّ شهر: أول إثنين من الشّهر وخميسيْن.”، وفي “شعب البيهقي” عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال فيها أيضا:”.. وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ.”، وقال الإمام “النّووي” عن صوم أيام العشر: “إنه مستحبٌّ استحبابًا شديدًا”.

وهي الأيام التي تحتاج إلى “تركيزٍ تربوي”، فيتركّز فيها من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيرها من أيام الدّهر من “صلاةٍ وصّيامٍ وذّكرٍ وحجّ وعمرةٍ..” وما فيها من “طوافٍ وسعي ووقوفٍ بعرفة ورميٍّ للجمرات وصلاةِ عيدٍ ونحر..

وحتى لا يُحرم “غير الحجّاج” من بركاتها وأفضالها، فقد فتح الله تعالى باب التفضيل والتعظيم للأجر فيها إلى كلّ عملٍ صالح، وهي ليست محصورةً في عباداتٍ بعينها، ويكفي فيها حضور القلب بنيّة التقرّب إلى الله تعالى بشرف هذه الأيام المعلومات، وهو الرّجاء المبثوث في الحديث المشهور:” ما من أيامٍ: العملُ الصّالحُ فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام”.

تعليق