للانخراط في الجهد العالمي التربوي، وللانغماس في الجوّ الإيماني الرّوحاني، وحتى لا يُحرم أيُّ مسلم من بركات ورحمات وأسرار هذه الأيام، فقد شرّع ربنا سبحانه وتعالى عباداتٍ تلامس هذا الفيض الإلهي وتتطلّع إلى هذا التجلّي الرّباني على عباد، فأودع في هذه الأيام من الحِكم من يثير الانتباه إليها ومن الأسرار ما يدفع إلى الإقبال عليها، والشقي مَن حُرم خيرها وفضلها، ومن علامات الإيمان ودلائل التقوى تعظيم هذه الشعائر كما قال تعالى: ” ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”(الحج:32)، ومن هذه الأيام وأحبّ الأعمال فيها:

1/ يوم عرفة: التأكيد على صيام يوم عرفة.

والذي سيكون غدا الأربعاء: 23 سبتمبر 2015م الموافق لـ: 09 ذي الحجة 1436هـ.

هو من أيام الله تعالى الخاصّة، وتتجلّى رمزيته كحدثٍ كوني عالمي ومهرجانٍ تعبّديٍّ سنويٍّ، يشهده أهل الأرض وأهل السماء، فيه يدنو ربّ العزة من الخلائق ويباهي بأهل عرفات أهل السماء، وقد خصّه صلى الله عليه وسلّم بالوقوف عنده حتى لغير الحجّاج، حتى يشارك “أهلَ اللهِ وخاصته” هذا المشهد الإيماني، وقد جاء في خصوصيته ما يرفع الهمم إلى التركيز التربوي فيه بما لا يخفى على مؤمن، فهو اليوم الذي خُلِّد بقوله تعالى عند إتمام نعمة القرآن والإسلام: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي..”(المائدة:03)، وهو الذي أقسم به ربّنا عزّ وجلّ في قوله: “وشاهدٍ ومشهود”(البروج:03)، وهو الوتر المقسم به أيضا في قوله: ” والشفع والوتر”(الفجر:03)، ولا يُقسم العظيم إلا بعظيمٍ أو على عظيم، والغرض هو تحقيق المقسم به، والانتباه إلى رمزيته وخصوصيته، وهو من أيام العيد لقوله صلى الله عليه وسلّم: “يوم عرفة ويوم النّحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب.”، وهو اليوم الذي يدنو فيه ربّنا عزّ وجل من الخلائق في مشهدٍ فريدٍ في هذا الكون كما قال صلى الله عليه وسلّم: ” وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ..”، وهو الذي لا يكون فيه الشيطان أحقر ولا أصغر منه فقال صلى الله عليه وسلّم: ” مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ..”، لكلّ ذلك حاز على شرف التعبّد فيه لجميع المسلمين، ولغير الحاجّ، وحتى يحجّ بقلبه وهو في بيته، شُرّع له صيامه، وله من القوة التأثيرية ما يمحو به سيئات سنتين، فقال صلى الله عليه وسلّم: ” صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ.”.

2/ يوم النّحر: التأكيد على إدخال الفرح والسرور على قلوب المؤمنين.

والذي سيكون يوم الخميس: 24 سبتمبر 2015م الموافق لـ: 10 ذي الحجة 1436 هـ.

وهو أعظم الأيام على الإطلاق، كما قال صلى الله عليه وسلّم: “إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَوْمُ النَّحْرِ.”، وهو يوم الجمال والفرح واجتماع المسلمين على قلبٍ واحدٍ في ساحة عبوديته، يشهده الصغار والكبار، الرّجال والنّساء حتى الحُيّض والعواتق (الشّابّة غير المتزوّجة)، كما قالت أُمِّ عَطِيَّةَ الأنصارية رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا.”.

ومن أعظم الأعمال فيه ما قاله صلى الله عليه وسلّم: “ما عمل ابنُ آدم يوم النّحر أحبّ إلى الله من إهراق الدّم، وإنّه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإنّ الدّم ليقع من الله بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا.”، ومن أحكامها لتعميم الفرح على المسلمين جميعا، وجمع قلوبهم على الحبّ والأخوة، فلا مظهر فيه لحزنٍ أو حاجة، فإنه يستحبّ في الأضحية تقسيمها إلى: 03 أجزاء، جزءً للأهل أكلا، وجزءً للفقراء صدقةً، وجزءً للأصدقاء هديّة، وقد قال تعالى:” فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ.” (الحج:36)، وقد قال صلى الله عليه وسلّم أيضا، وأن أعظم الأعمال وأحبّها إلى الله: إهداء الفرح إلى القلوب، فقال صلى الله عليه وسلّم: ” أحبّ الناس إلى الله أنفعهم، وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحبّ إليّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرًا.”، إنه النّفع العام والمتعدّي للغير.

ومن الأعمال الجليلة في هذه الأيام أيضا، الإكثار من ذكر الله تعالى أيام التشريق، وتبدأ من فجر يوم العيد إلى غروب اليوم الـ: 14 من ذي الحجّة، فقد قال تعالى: “واذكروا الله في أيامٍ معدودات..”(البقرة:203).

3/ صلةٌ وتغافر: التأكيد على لقاء التغافر ..

وهي زيارة الأقارب والتواصل معهم، وهي من الأسرار العجيبة في بركة العمر والمال، فقد قال صلى الله عليه وسلّم: ” من سرّه أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه.”، وحذّرنا ربّنا عزّ وجل من خطرة قطعها فقال في الحديث القدسي الجليل: “أنا الله وأنا الرّحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته..”، والصلة ليست مكافأةً أو ردّا للجميل، بل هي تحمّل لمرارة القطيعة وألم الفراق وغُصّة العداوة من أصحاب النّفوس الكبيرة الذين لا تستوي عندهم الحسنة ولا السيّئة ولكن يدفعون بالتي هي أحسن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسـول الله إنّ لي قرابة أصلهـم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ، فقال صلى الله عليه وسلم : “إن كنت كما قلت فكأنما تُسِفهّم المَلّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك .”.

كما أن أعظم الأيام هذه تتجلّى فيها روائع الأخلاق، وجمال السلوك، وزينة المعاملة بالتسامح والتغافر، وقد أغرانا ربّنا عزّ وجل بنوعٍ من المقارنة والمقابلة، فمن أراد العفو من الله تعالى فليعامل النّاس بمثل ما يحبّ أن يعامله سبحانه، فقال: ” وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ..”(النّور:22).

إنّه لا تُرفع الأعمال على جلالة قدرها، ولا تقبل العبادات على عِظم قدْرها ما دامت العداوات المستحكمة تقتل القبول وتغتال الرّضا، فلا تُفتّح لها أبواب السّماء، قال صلى الله عليه وسلّم:” تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيُغفر لكلِّ عبدٍ لا يُشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظِروا هذين حتى يصطلحا، انظِروا هذين حتى يصطلحا، انظِروا هذين حتى يصطلحا.”.

كيف يرفض المؤمن هذا العرض الإلهي وهذه الهديّة الرّبانية بتساقط الذنوب ومحو الخطايا بمجرد قدسية اللقاء الأخوي، والمصافحة بالقلوب قبل الأيادي، والرّسول صلى الله عليه وسلّم يقول: “إنّ المسلمين إذا التقيا وتصافحا وضحك كل منهما بوجه صاحبه لا يفعلان ذلك إلا لله لم يفترقا حتى يغفر لهما.”.

تعليق