في دراسة تقدم بها الباحث في الشؤون الاستراتيجية السورية: عبد الناصر العايد إلى مركز الجزيرة للدراسات والبحوث تحت عنوان: التدخل العسكري الروسي في سوريا.. الدواعي، التداعيات والآفاق.
_ يؤكد في البداية أن الروس يريدون ملء الفراغ الجيو سياسي، حيث أدخل بوتين -والذي يسعى إلى أن تكون روسيا لاعبا دوليا أساسيا- تغييرا في العقيدة العسكرية التي تتيح له التدخل العسكري في بؤر التوتر في العالم حتى خارج إطار مجلس الأمن مثلما فعل في أوكرانيا، وها هو الآن يأخذ زمام المبادرة في “الشرق الأوسط” بعد التراجع الأمريكي والأوروبي عسكريا وسياسيا، وخاصة بعد التمدد الإيراني في المنطقة، ورغبة بعض الدول العربية في تحجيمه، وحالة نظام الأسد الذي سيقبل بأي تدخل روسي بلا قيد ولا شرط ..
هي -إذا- الفرصة المثلى للتواجد في هذه المنطقة الحيوية والإستراتيجية لضمان عدم تحول الدول التي تدور في فلكها ولمواجهة هذا التقارب (الأمريكي-الإيراني)…
ليس لروسيا مصالح اقتصادية تذكر مع سوريا، وليس الهدف مكافحة الإرهاب كما هو معلن، فهو بعيد عنها، بل إنها قد استفادت من امتصاص العناصر الروسية المتشددة المنخرطة مع الجماعات المسلحة والتي تقدر بحوالي: 2400 إلا في حالة عودتها، وتدخلها العسكري هو الذي سيقوي فرضية تحول بوصلة الإرهاب اتجاهها.
_ نظام الأسد وخطر الكيان الشيعي: مشكلة الأسد ونظامه متعددة ومتشعبة، فهو يعاني تراجعا رهيبا في قوته العسكرية كما ونوعا، وفقدانه لحوالي: 80% من الأراضي السورية، مع تضعضع معنويات حاضنته الشعبية من عائلة الأسد والطائفة العلوية والقطاع السني الذي لا يزال يسانده، ولديه خشية حقيقية من الهيمنة الإيرانية المطلقة وتشكيل مليشيات مسلحة لكيان مذهبي مرتبط بها تقايضه عليه كنفوذ حزب الله في لبنان، فتكون من مصلحة النظام وجود المظلة العسكرية الروسية في وجه المعارضة من جهة، وتحسبا للتغوّل والهيمنة البراغماتية الإيرانية من جهة أخرى..
وعلى المستوى الإقليمي فإن الارتباط الكلي بإيران هو العائق أمام أي اختراق للفاعلين العرب في الأزمة في حلول سياسية قد تبقي على حظوظ بقائه بما يملكه “الدب الروسي” من نفوذ عليهم وقوة أمامهم..
_ واشنطن واصطياد الدب في المستنقع السوري:
الظاهر أنه هناك تفاهما بين الكبار، يقضي بعدم دعم الروس للنظام السوري بالأسلحة النوعية والمتطورة، مقابل تعهد أمريكا بمنع تسليح المعارضة بالأسلحة الثقيلة مثل مضادات الطائرات، كما أنه هناك إشارات عربية قوية بأن العداء المستحكم ضد النظام والإصرار على سقوطه هو ارتماؤه المطلق في الحضن الإيراني، والذي سيتعذر التحرر من ذلك إلا بوجود بديل حقيقي وقوي يضمن حمايته، وهو الدور الذي تتطلع إليه روسيا.
والواضح أنه لا يوجد حرج لدى الأمريكان في تورط “الدب” في هذا المستنقع، والذي سيتحمل تبعاته العسكرية والسياسية والأخلاقية لهذه الحرب القذرة، وما ستستثمره أمريكا من انتهاكات لحقوق الإنسان في المعارك الديبلوماسية والهيئات الدولية، كما سيلتفت “الإسلاميون بمختلف فصائلهم المسلحة” إلى هذا الغزو الروسي ويوجهوا نيران غضبهم إليه بدلا من “أمريكا” و “أوروبا”..
وقد تكون الدول العربية الداعمة للثورة السورية مثل: السعودية وقطر أكثر الدول تضررا من هذا التدخل الروسي المباشر، لعلها تحسن علاقاتها وتقبل ببعض التفاهمات معه، ولكنه قد يدفعها إلى المزيد من دعم الثوار والتوغل في جراح الدب، والتماهي في إنعاش التحالف التاريخي مع أمريكا، الأكثر قوة وموثوقية..
زيارة “قاسم سيلماني” قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إلى موسكو توحي بالتفاهم على تقاسم الأدوار الوظيفية بينهما، يقضي بتراجع الدور الإيراني الذي سيكتفي بدعم الميليشيات وحماية العائلة العلوية والشيعة، بينما تقوم روسيا بترميم الجيش النظامي ومواجهة المعارضة حتى ينجلي غبار المعركة، فإن انتصر “الدب” تقوت به في المنطقة، وإن انهزم وسقط النظام كان البديل الميليشياتي جاهزا..
_ بين الرابح والمحرج:
لعل الرابح في كل هذا هو العدو الصهيوني الذي سيكون التدخل الروسي حاجزا بينه وبين خطر الفصائل الإسلامية المسلحة، إضافة إلى التفاهم مع إيران وحزب الله في المنطقة بما لا يضر بإسرائيل..
بينما ستكون تركيا المحرجة من تداعيات هذا التدخل غير المتفق عليه وتداعياته على حدودها، وقد تصطدم مع روسيا والحلف الأطلسي، إضافة إلى تصاعد التوتر مع الأكراد ونتائج الانتخابات السابقة، وقد تضطرها إلى تقديم تنازلات أخرى تحت ذريعة مكافحة الإرهاب..
_ الكماشة السورية:
سيتمتع “الكوبوي الأمريكي” بمشاهدة فصول الحرب الدينية بين خصومه الذين سينهك بعضهم بعضا كما وقع للاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وخاصة أن الروس سيخوضون حرب أشباح في بؤر متعددة وفي بيئة معادية وأرض معقدة تحتاج إلى أساليب الحروب الناعمة التي لا يتقنها “بوتين” وإمبراطورية الحمراء..
وقد يؤدي ذلك إلى توحد فصائل المعارضة المسلحة وقياداتها السياسية في واجب وطني واحد، وسيتدفق الدعم الكوني لها مادام العدو هو روسيا المتمردة بعنجهيتها على التفاهم الدولي، ولن تسمح لها أمريكا بتحقيق مكاسب سياسية مستقرة في المنطقة..
أما إذا كان هذا التدخل من طرف واحد فما على “بوتين” إلا المضي بغروره في مغامرته إلى مستنقع الفخ الاستراتيجي الأخطر له..
سينعم النظام السوري بالبقاء تحت المظلة العسكرية الروسية، والتي ستطبق عقيدتها العسكرية التدميرية وارتكاب المجازر المروعة وانتهاكات حقوق الإنسان وتدمير البنية التحتية، وستكبل نفسها لا محالة دون عتبة الإنجاز الملموس.
  فهل وقعت روسيا -فعلا- في الفخ الاستراتيجي؟؟؟.

النائب ناصر حمدادوش

تعليق