المتأمّل في السيرة النبوية الشريفة يجد ذلك الوعي الإيماني المتنامي لِما تحتاجه الدعوة من الإنفاق المالي عليها ورعاية المشروع الإصلاحي والتغييري لها، ومرافقة أفراده مرافقة مادّية كإعانةٍ عليها، وهو ما نلمسه من قوله صلى الله عليه وسلّم في ثنائه وتذكيره الدائم بفضل الأتقياء الأغنياء الذين لم يرضوا بمجرد الإيمان النّظري ولم يكتفوا بمجرد الانتماء السّلبي، بل صدّقوا ذلك بدعمهم المالي، فقال في حقّ زوجه خديجة رضي الله عنها المؤمنة الغنيّة والتاجرة، وحفِظ لها هذا الفضل حين قال لعائشة رضي الله عنها يوما:” لا، وَاللَّهِ مَا أَبْدلني اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهَا، فَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاس، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ..“، وقوله عن سيّدنا أبي بكرٍ رضي الله عنه كما في سنن الترمذي:” ما نفعني مالُ أَحَدٍ قطُّ ما نفعني مالُ أبي بكر“، قال أبو هريرة: فبكى أبو بكر، وقال: (وهل نفعني الله إلا بك..) (ثلاثا)، لأنّهم اعتقدوا اعتقادا راسخا بأن الإسلام هو مصدر عزّتهم وقوّتهم ومستقبلهم.

وعند الهجرة، وفي المنعطف التاريخي، واللّحظات الحرجة للدّعوة ادّخر مالَه كلّه لذلك، حتى سأله النبي صلى الله عليه وسلّم:“ما تركت لأهلك يا أبا بكر؟” قال بكلِّ يقينٍ وصدق: (تركـت لهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم)، وعند الشّعور بخطر الرّوم ونيّة غزوهم للمدينة المنورة وتحرّك القوى الدولية العظمى للتآمر على الدعوة ومحاولة استئصالها من جذورها ووأدها في مهدها، احتاج الصراع والتدافع إلى الإنفاق في سبيل الله في ساعة العُسرة وشدّة الحرّ وضيق الحال وجذب البلاد وطيب الثمار وحلو المقام، والقرآن الكريم يستنفرهم ويذكّرهم بالجهاد بالمال ويقول:” انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون.” (التوبة:41)، والمنافقون يُرجفون في المدينة ويخذّلون الناس والقرآن الكريم ينقل تحرّكاتهم التآمرية فيقول عنهم:”وقالوا لا تنفروا في الحرِّ، قل نار جهنم أشدّ حرًّا لو كانوا يفقهون.“(التوبة :81)، والنّبي صلى الله عليه وسلّم يستنهض الهمم، ويزمجر على المنبر ويحثّ على جيش العسرة، فقال عثمان: عليّ مائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها، فنزل صلى الله عليه وسلم درجةً من المنبر وحثّ مرة أخرى، فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى من البعير بأحلاسها وأقتابها، يقول الرّاوي: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلّم يقول بيده هكذا يحرّكها ويقول: “ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم، اللّهم ارضَ عن عثمان فإني عنه راضٍ.”؟

وعندما يشتدّ التنافس في الخير ويكون عنوانه الصّادق هو: مقدار البذل والعطاء بالمال في الدّعوة، يقول سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدّق فوافق ذلك مالا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكلِّ ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله (أي: رضاهما عنّي)، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا.

إنّ الدّارس لآيات الإنفاق في سبيل الله في القرآن الكريم وفي السُّنة النبوية الشريفة يجد مساحةً تعبيريةً واسعةً للاهتمام بهذا الأمر، ويجد هذا التوجيه الإلهي: كيف أنّ الحركة التعبّدية في بذل المال للدعوة ترتقي إلى درجة “الجهاد في سبيل الله”، وأنّ هذا البذل الذّاتي للدّين سيظلّ هو المورد الأساسي الذي تنتصر به الدعوات، وأنّ الغفلة عن هذا المصدر وتجفيف هذا المنبع سيلقي بالنّفس المؤمنة وبهذه الجماعة المسلمة إلى التهلكة، فقال تعالى:” وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.”(البقرة:195)، إنّه لا معنى للدّعوة إلى نصرة الأفكار والمشاريع دون الدّعوة إلى نصرتها بالمال؟؟ فكما تحتاج الحركة إلى الرّجال تحتاج كذلك إلى المال.

*) مرافقة الزّكاة للدّعوة منذ العهد المكي: من المشهور في تاريخ التشريع الإسلامي أنّ الزكاة لم تُشرّع إلاّ في المدينة المنوّرة اتساقا وتناغما مع قيام الدولة وبناء الحضارة، إلا أن المتدبّر للقرآن الكريم يجد أن “الزكاة” رافقت “الدعوة” منذ انطلاقتها في المرحلة المكية، وإن كانت آياتها لم تأت بصيغة “الأمر” التي تفيد الوجوب والإلزام إلا أنّ صيغتها “الإخبارية” تدلّ على أنها صفةً أساسية للمؤمنين يجب تمثّلها كما قال تعالى عنهم:”الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون.“(النّمل:03)، وأن ترك الزكاة من الصفات اللازمة للمشركين يجب التنزّه عنها فقال تعالى:” فويلٌ للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم كافرون.“(فصّلت:06،07)، وهي جزءٌ من البراءة من الشّرك والدخول في الإسلام واستحقاق الأخوّة في الدّين، قال تعالى:” فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدّين..“(التوبة:11)، وهي عنوان عُمّار المساجد ودليل الإيمان القوي بالله تعالى واليوم الآخر وعلامةُ الخشية منه سبحانه، فقال تعالى:” إنّما يعمر مساجد الله مَن آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله..“(التوبة:18)، وأنّ تعطيلها فيه وعيدٌ شديدٌ وعذابٌ أليم كما قال تعالى:”والذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذابٍ أليم، يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتُكوى بها جباهُهم وجُنُوبُهم وظهورُهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون.“(التوبة:34،35)، وبإخراجها يستحق العبد الرّحمة فقال تعالى: “ورحمتي وسِعت كلّ شيء، فسأكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزّكاة..”(الأعراف:156).

*) مصارف الزّكاة واستحقاق “الدعوة” منها: التمكين للفكرة ونصرة المشروع، عبر تجسيد الوظائف الأساسية بمشاريعها وأهدافها الإستراتيجية (الوظيفة الفكرية والسياسية والوظيفة الدعوية والتربوية والوظيفة الاجتماعية والمجتمعية)، يحتاج إلى الدّعم المالي والتمويل المادي:

وإن القيام بواجب الدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في إطار عملٍ تنظيمي جماعي، كما قال تعالى: “ولتكن منكم أمّة (أي جماعة) يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..“(آل عمران:104)، يعتبر مواجهة الظّلم (ومن أخطره: التزوير) ومحاربة الفساد (ومن أظهره: نهب المال العام) ومعارضة الاستبداد (ومن صوره: الاستفراد بالحكم وخنق الحرّيات) والصّدع بكلمة الحق في وجه كلِّ ذلك نوْعًا من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله (الجهاد السياسي المدني) كما قال صلى الله عليه وسلّم: “أعظمُ الجهاد: كلمةُ حقٍّ أمام سلطانٍ جائر“، وأنّ إصلاحَ الشأن العام بقدر المستطاع واجبٌ شرعا كما قال تعالى: “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..“(هود:88)، وأنّ السّكوت والانسحاب من ذلك مَنذِرٌ بالعقوبة العامة والفتنة التي لا تصيب الذين ظلموا خاصة، كما قال صلى الله عليه وسلم: “لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يعمّكم بعقابٍ من عنده ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم.”.

وإنّ من خصائص الزّكاة في الإسلام أنها ليست مجردَ وجهٍ من وجوه البرِّ والإحسان، بل هي ركنٌ أساسي من أركان الدّين، يتمتّع بأعلى درجات الإلزام والوجوب، وهي استحقاقٌ ثابتٌ لمستحقِّيها بعيدا عن معاني التّفضُّل والامتنان من الأغنياء على الآخرين، وهي حقٌّ معلومٌ مفصَّلٌ في شروطِها وأحكامِها ووقتِ وطريقةِ أدائها، وهي ليست متروكةً لضمائر الأغنياء ليخرجوها بأنفسهم، بل هناك “عاملون عليها”، وهي ليست تبرّعا بل تُؤخذ ولو بالقوة كما قال تعالى: “خُذ من أموالهم..“(التوبة:103)، وهي ليست خاضعةً للأهواء في كيفية توزيعها والتّصرّف فيها دون تحقيق أهدافها بالنّظر إلى أصنافها الثمانية المستحقّة لها في قوله تعالى:” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.“(التوبة:60)..

وإنّ المتأمّل في هذه الآية يقف على بعض الأحكام والمعاني منها:

1_ أنّ المستحقِّين للزّكاة:08: فليس للغنيِّ أن يعطّل ما يشاء منها، فهي ليست للفقراء والمساكين وللاستهلاك فقط، والدليل أنّ هناك سِرًّا في المغايرة بين الأصناف الأربعة الأولى (الفقراء، المساكين، العاملين عليها، المؤلفة قلوبهم) فاستُعمِل معها “لِـ “، فهي تُعطى “لهم” تمليكا كأشخاصٍ يفعلون بها ما يشاؤون، وأمّا الأصناف الأربعة الأخيرة (الرّقاب، الغارمين، في سبيل الله، ابن السبيل) فاستُعمِل معهم “في” كوِعاء، فهم أرسخ في الاستحقاق وهم أحقّ بأن تُصبّ فيهم الزكاة، فهي تُعطى “فيهم” أي في مصالحهم وليست لهم كأشخاصٍ يتملّكونها وينتفعون بها مباشرة، فالزّكاة كما توزّع للأشخاص وتوزّع في المؤسسات للمصالح العامة أيضا.

2_ معنى “في سبيل الله”، وهل تستحقّ “الدّعوة” منه؟:

السّبيل في “اللّغة” هو: الطريق، ومعنى “في سبيل الله” أي: في أيّ طريقٍ أو مشروعٍ أو عملٍ صالحٍ يُقصد به التعبّد والتقرّب إلى الله تعالى سواء كان فرديًّا أو جماعيا، ولكنّه اشتهر أنّ المقصود به هو: الجهاد في سبيل الله، وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا: هل هذا الصنف يُقصد به “الجهاد” فقط؟ أم كلَّ سُبُلِ الخير وما ينفع المسلمين من مصالح الدّين والدولة وما يصلح الشأن العام والمصلحة العامة، فإن البعض اتّجه بالفهم إلى توسيع معنى “الجهاد” والذي لا يُقتصر على وجهه العسكري “القتال” فقط، بل هناك أنواعٌ أخرى من الجهاد، فقد ورد في القرآن الكريم ما يفرّق بينهما مثل قوله تعالى: “الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله..“(النساء:76)، وقوله مثلا:“.. وجَاهِدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله..“(التوبة:41)، فالجهاد أوسع من مجرد القتال، فهناك الجهاد السياسي والإعلامي والفكري بالكلمة مثل قوله صلى الله عليه وسلم:”أعظم الجهاد كلمة حقٍّ أمام سلطان جائر.“، وهناك الجهاد بالمال في كلِّ وجوه الخير مثل قوله صلى الله عليه وسلّم:”جاهِدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم وأنفسكم.“..

فكلّ مَا يتعلّق ببذل الجُهد في نصرة الدّين والتمكين للشريعة وإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض فهو “جهادٌ في سبيل الله” بشرط أن يكون ابتغاء مرضاته عزّ وجل، يقول الإمام “الطبري” في تفسيره لقوله تعالى “وفي سبيل الله” يعني: وفي النّفقة لنصرة دين الله وشريعته وطريقته التي شرّعها لعباده …”.

3_ الزكاة بين النّفع الخاص والنّفع العام:

 من روائع التشريع الإسلامي في استحقاق الزكاة أنّ الفقهاء يدقّقون ويفرّقون في القادر على الكسب بين عدم استحقاق “المتفرّغ للعبادة” للزكاة، لأنّ مصلحة تعبّده قاصرةٌ عليه فقط، وبين استحقاق “المتفرّغ للعلم” للزكاة إذا تعذّر عليه الجمع بين العلم والعمل، لأنه نَذَر نفسه لفرض الكفاية الذي ينفعه وينفع غيره، فالزكاة شُرّعت لمن يحتاج من المسلمين ولمن يحتاج إليه المسلمون.

وهذه التفاتةٌ لطيفةٌ في جواز دفع الزّكاة في المشاريع الدّعوية والمؤسسات الخيرية والمشاريع الإصلاحية التي تُوقف نفسها نصرةً للدّين وخدمةً للمجتمع وإصلاحاً للشأن العام.

تعليق