هو صراعُ المعنويات الشرسة، وحربُ النفسيات الطاحنة، يتداول فيها “أولياء الرّحمن” و “أولياء الشيطان” على مواقعهم بسُنّة التدافع، بين كثرةٍ من الباطل مستحكمة، وقلةٍ مؤمنة مبتلاة، تسيطر على البعض ثقافةُ التبرير فيقعوا ضحية التأصيل لفقه الاستضعاف، وكأنّ الدنيا خُلقت “جنةً للكافر” و”سجنًا للمؤمن” بهذا الإطلاق، مصادِمةً لعموم هدايات السماء: “..فلنحيينّه حياةً طيبة”، يحلو للبعض الاستسلام للأمر الواقع المرير، فيستأنس بهذه الغربة، وكأنّ سياقه التاريخي هو المعني بما نطق به الفم الشريف: “بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء..”..

أينما يمّمت وجهك صدمتك المنغّصات: “دماءٌ” “انقلابٌ” “تزويرٌ” “فسادٌ” “انحلالٌ” “مؤامراتٌ” “حربٌ شرسةٌ على الإسلام” و “عدوانٌ صارخٌ على القيم” و “معركةٌ لكسر عظام أصحاب الدعوات”، حتى يُخيّل إليك ألا مستقبل لنا “تحت الشمس”…

ولكنْ .. لا تحزن .. فلست وحدك..

لست وحدك … فأنت العبد الذي رافقتك العناية الإلهية بلمسةٍ ربّانية عندما بَاشَر خَلْقك بنفسه .. وبيده .. والقرآن الكريم يرفع معنوياتك بهذا التكريم لتعانق السّماء: “قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي..”.

لست وحدك … فأنت مَن نُفخت فيه لطيفةٌ هي من أسرار الله تعالى في الإنسان، تفجّر فيك “الطاقة الرّوحية اللاّ محدودة”، لتلامس بها العالم العلوي المقدّس، وترفع مقامك في الوجود إلى علّيّين، تستحقّ بها سجود الملائكة: “فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”…

لست وحدك … فهذه الرّوح التي بين جنبيْك قد نُسبت نسبةَ التشريف إلى الله، لتحِلَّ فيك هذه اللّمسة الخارقة لتصنع في حياتك المعجزات، وتقطر من بين يديك الكرامات، وتنسحب من بين جوانحك الآيات…

لست وحدك … فهذا الكون كلّه من عرشه إلى فرشه قد ضُبطت عقاربه على ساعتك، فأنت العبد الذي تدخّلت القدرة الإلهية لتليّن لك الحديد وتقرّب لك البعيد: ” وسخّر لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعا منه..”…

لست وحدك … فهناك قوةٌ غيبية تحبّك ابتداءً: بلا حدودٍ ولا شروط، بلا عوضٍ ولا غرض: “فسوف يأتي الله بقومٍ يحبُّهم ويحبّونه..”، تتقاذفك أمواج القَدَر لتأخذك من الله إلى الله، فلا ملجأ ولا منجى منه إلاّ إليه…

لست وحدك … فالصّالحون على امتداد الزّمان والمكان يستأنسون بالقلّة ولا تغريهم الكثرة: “وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرَهم لفاسقين”… وهم يستهزئون بالأهوال ويصاحبون المِحن ويداعبون الأزمات بعقيدة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا..”..

لست وحدك … فعذاب الابتلاء يستعذبه الحبّ الإلهي المقدّس: “إن الله إذا أحبّ عبدا ابتلاه..”.. وقد تتأخّر إجابة الدعاء، لأنه يحبّ أن يسمع صوتك بصدق الالتجاء ..

لست وحدك … فنوحٌ عليه السلام لَبِث في قومه: 1000 سنة من المِحن في تبليغ الدّعوة “ليلا ونهارا”، “إعلانا وإسرارا”، وبلغ الصدود مبلغه والجحود ذروته فـ: ” .. جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصرّوا واستكبروا استكبارا..”، “وما آمن معه إلا قليل”، ولكنَّ الشعور النّفسي اللّطيف بمعيّة الله تعالى كان يؤْنِسه بتدخّل الظواهر الطبيعية لنصرته…

لست وحدك … فنتائج عالم الشهادة الخادعة لا تهزم حقائق الغيب المطَمْئِنة، فإبراهيم عليه السلام تعرّض لإحْكام قبضة الأعداء، واليقين الظاهري في اغتيال قائد الدّعوة ومصادرة المشروع، فيُساق وحده أمام الملأ، لكنّ عقيدة “لست وحدك” كانت تُطمئِنُه ولا تشوّش عليه خلوته بربّه..

جاءه جبريل وهو يهوي في النّار، فقال: أوَلَك حاجةٌ عندي، قال: أما منك فلا، فما كان من دعائه إلا قوله في ثقةٍ مطلقة وتوكلٍّ تام:”حسبي الله ونِعم الوكيل”.. لتتدخل المشيئة المطلقة، فتغيّرُ “النّار” من وظيفتها الأزلية: “قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم؟”..

لست وحدك … فهناك يدٌ إلهيةٌ حانيةٌ ترافقك، تشعِرُك بالمعيّة العلويّة .. فعندما ينطبق الألم على الأمل ويُحاط بموسى عليه السلام ومَن معه، فيكون البحر من أمامه وفرعونُ وجنودُه من خلفه، ويقول أصحابُه: ” إنّا لمدركون”، يجد لنفسه جهةً علوية لا تُحاصَر، فيقول وهو يتمتّع بعقيدة “لست وحدك”: “كلّا إنّ معي ربّي سيهدين”، لتتدخل اليد الخفية، وتحسم المعركة خارج حدود العقل، في مواجهةٍ غير متكافئة: “فأوحينا إلى موسى أنْ اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كلُّ فِرْقٍ كالطّوْد العظيم.”…

لست وحدك … فأنت وإنْ كنت مطاردا، وإنْ كنت محاصرا، ورأسُك مطلوبا في المزاد، وإنْ وصلوا إلى غار ثور، وأبو بكر يقول: لو نظر أحدُهم إلى شِرَاك نعْلِه لرآنا..”، ولا يفصل بينهم وبين الموت إلا خيط العنكبوت: ” وإنّ أوهنَ البيوتِ لبيتُ العنكبوت..”،فإنّ ذلك الشّعور الجميل ينساب ليذكّرك أنّك “لست وحدك”، فيقول الحبيب للحبيب عن الحبيب: “لا تحزن إنّ الله معنا…”…

لست وحدك … فالكون كلّه يُمِدّك بالطّاقة، وأنت تنسجم مع هذا الوجود، وتشعر بأن الكائنات جميعا تغنّي معك سنفونية العبودية لله، فلا تحسّ بالغربة، ولا تحزن على قلّة السالكين .. وأنت المطمئنُ أنّ المخلوقات تطير معك إلى العالم العلوي المقدّس، فتستمتع بقوله: “وإنْ من شيءٍ إلا يسبّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم” .. تنظر في الكائنات فلا تشغلك عن المكوّن، تدرك باليقين المطلق أننا جميعا ننحني .. ونسجد .. وأنّ الكلّ يدخل في زمرة العاقلين، تداعبُه اللغة العربية بـ “مَن” في قوله: “ولله يسجد مَن في السماوات ومَن في الأرض..”…

لست وحدك … فمعك ربٌّ يدبّر الأمر، بيده سكنات الكون وحركات الوجود، لا يعْزُبُ عنه مثقالُ ذرّةٍ في الأرض ولا في السّماء، تَتَمَاهَى مع قول القائل: (مَن وَجد الله فماذا فَقَد، ومَن فقد الله فماذا وجد)، تطمح لتَمَثُّلِ المقولة الخالدة: (أصلح ما بينك وبين الله، يصلح الله ما بينك وبين الناس)…

لست وحدك … فعالم القيم النّظرية قد صُبّ في قوالب بشرية ونماذج عملية وفي صورٍ واقعية، هي أنموذج الاقتداء الممتدة عبر الزمان والمكان، فلا تنقطع إلى يوم القيامة … تستأنس بوجودها فلا تشعر أنك وحدك .. وتتنعّم بقول الحبيب الذي ترافقنا حضرتُه، وهو يؤكد هذه الحقيقة الخالدة: “لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحقّ ظاهرين، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم مَن خالفهم ولا مَن خذلهم…”..

لست وحدك … فالوحي لا يكْذِب، والتكليف الإلهي لا يُخطِئ، وهو يؤْنِسُك ويسلّيك ويأخذ بيدك، فيقول الوحي الذي يسكبُ في صدورنا: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”، فتُوقِن بأن الصالحين: حقيقةٌ على الأرض، فما عليك إلاّ أنْ تنخرط معهم…

لست وحدك … فكبرى اليقينيات الدعوية تؤكد أنه لا يقع فراغٌ في الرجال … ولا ينقطع الزمان بحملة الرسالة، والمستأمنين على الدعوة، والمعتزّين بشرف الانتماء، فسُنّة الاستبدال تتكفل بذلك: “وإن تتولّوا يستبدل قوما غيرَكم، ثم لا يكونوا أمثالَكم..”..

لست وحدك … فلن تبلُغ مَا بلغ مَن هو أحسن منك إلى ما هو أسوأ مما أنت فيه، فيخاطب القرآن زمرة الأخيار، ويحكي عنهم زمن الابتلاء: “.. وإذْ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنّون بالله الظّنونا، هنالك ابتُلِي المؤمنون وزُلزلوا زلزالا شديدا”.. وبلغ تأخّر النّصر والتمكين مبلغه ليطال استفهام الأصفياء:”.. حتى يقول الرّسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟؟”، بل ويصل اليأس ليلامس شغاف فؤاد الرّسل: “حتى إذا استيأس الرّسل وظنوا أنهم قد كُذّبوا…”، ومع ذلك لا يأتيهم ما يُحِبّون إلا منه سبحانه وحده: “.. جاءهم نصرُنا..”، لتعلم أنّ المفتاح في السّماء..

لست وحدك … فقوّة الاعتقاد في الله تؤكد أنّ: الإسلامَ حضارةُ الغد، وأنّ المستقبلَ لهذا الدّين، وهي العقيدة التي اخترقت أغوار التاريخ وامتدّت في آباد الزّمن: “ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذّكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون”…

لست وحدك … فأنت القدَرُ الذي ينتمي إلى السّلسلة الذّهبية من الأنبياء والعلماء والصّالحين والمجدّدين لتجسّد بنفسك تلك الحقيقة النبوية المطلقة: “سيبلغ هذا الدّين ما بلغ الليل والنّهار..”..

لست وحدك … فقد تُؤْنِسك الجمادات … وترفع من معنوياتك الكائنات … وتأخذ بيدك المعجزات … وترفع من مقامك الآيات … فمقام الحبّ الإلهي يصنع منك خلقا آخر: “… فإذا أحبَبْتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعان بي لأعيننّه..”…

فلا تحزن … فلست وحْدَك …

تعليق