1ـ الظروف السياسية المحلية والدولية التي يصدر فيها قانون المالية.
يعتبر قانون المالية المعروض على المجلس الشعبي الوطني أخطر قانون مالية عرفته الجزائر منذ سنوات، فهو يعبر بشكل واضح عن إرادة سياسية لتحول الدولة الجزائرية بطريقة غير ديمقراطية، ليجسد توجها ليبيراليا ورأسمالية متوحشة تكون لصالح أقلية مسيطرة ولخدمة مصالح أجنبية ضد مصلحة البلد ومستقبل الجزائريين.
قبل التطرق لتفاصيل قانون المالية لا بد أن نذكر بالظروف السياسية المحيطة. لا بد أن نشير بأن هذا القانون هو نتيجة حتمية لمسار سياسي طويل للنظام السياسي. لقد حبى الله الجزائر بإمكانيات عظيمة وظروف متميزة تؤهلها لتكون بلدا مزدهرا ومتطورا وقويا ومستقرا، لقد استطاعت الثورة التحريرية المباركة أن تصنع شعبا يتحلى بكثير من مواصفات النجاح، من عزة وطنية ووحدة شعبية وبناء عقائدي ورؤية بيّنة لما تكون عليه الدولة عند الاستقلال انخرط فيها المجتمع بكليته ” دولة جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، وإلى جانب ذلك نخبة سياسية ذات كفاءة عالية صنعها النضال الطويل في مسار الحركة الوطنية ثم الكفاح المسلح والمقارعة السياسية للحلف الأطلسي بكامله، كما أنعم الله على البلد بإمكانيات مادية لا محدودة، من موقع جغرافي  وأراض فلاحية وطبيعة خلابة وموارد طبيعية وبشرية. غير أن النظام السياسي الذي تشكل غداة الاستقلال على اثر الانقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة ضيّع كل هذه الفرصة وفرض على الشعب الجزائري نظرة أحادية في كل شيء، فرض على الجزائريين نمطا اشتراكيا في التسيير السياسي والاقتصادي أدى إلى إفلاس البلد في منتصف الثمانينيات، وحين ثار الشعب على فساده ورداءته، تحايل عليه بالدفع نحو انتقال ديمقراطي مغشوش أدخل البلد في مأساة عظيمة دفعت بكثير من الوطنيين النزهاء، على رأسهم حركة مجتمع السلم، أن يتخلوا عن طموحاتهم وأفكارهم بغرض المساعدة على الخروج من الأزمة، وفي الوقت الذي كان الرجال والنساء يضحون في سبيل استقرار البلد من مدنيين وعسكريين، كانت فئة من داخل الدولة تعد لما بعد الإرهاب حتى تسيطر مرة أخرى على البلد ومقدراته.
لم ينتبه كثير من الجزائريين بأن فترة ما بعد الإرهاب التي أُطلق عليها إسم “المصالحة الوطنية” ستكون نهايتها أزمة اقتصادية واهتزازا للسيادة وتهديدا للاستقرار الاجتماعي قد يعرض الوحدة الوطنية للخطر لا قدر الله إن لم يستدرك الوطنيون النزهاء الأمر قبل فوات الأوان. لقد كانت بداية فترة ما بعد الإرهاب مشرقة حقا، توقفٌ للاحتراب الدموي ومصالحة دخل فيها كثير من الجزائريين، وبحبوحة مالية غير مسبوقة، وعودة الجزائر للساحة الدولية، بل و”سقوط الأمطار وتراجع القحط”، وانطلاق مشاريع تنموية ضخمة، ورمزُ ذلك كله رئيس للدولة له تاريخ عريق في السياسة، وخطيب مفوه وشجاع، وعد بإنهاء الفساد وتطوير البلد. إنه لم يكن يحلم الجزائريون بأكثر من هذا!
كان من المفروض أن تصبح الجزائر في هذا السياق مثل كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو تركيا أو الفيتنام أو بولونيا أو أندنوسيا أو تركيا كدول مرت على ظروف مشابهة لظروفنا ثم أقلعت ونهضت… ولكن ذلك لم يتحقق للأسف الشديد، فها هو حكم الرئيس بوتفليقة يوشك أن ينتهي والوضع حزين كئيب، لم يصبح يتذكر الجزائريون سوى عناوين الفساد كقضية الخليفة وغيرها من فضائح البنوك، إلى شكيب خليل إلى سونطراك واحد وإثنان، إلى فضيحة الطريق السيار، ولا تتحدث الجرائد إلا عن أخبار صراعات أجنحة النظام الحاكم، داخل الدولة كلها، ثم بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، ثم داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، ثم بين شخصيات وأحزاب الموالاة. ثم أصبح حديث مرض الرئيس هو الموضوع الأكثر إثارة في الصحافة وفي الصالونات والمقاهي والشوارع، ثم جاء انهيار أسعار البترول فسقط الوهم وانكشفت الحقيقة. لم تتوقف المعارضة، وفي قلبها حركة مجتمع السلم، عن التنبيه لقدوم الأزمة قبل حلولها بثلاث سنوات على الأقل ولكن لم يُسمع لها. لم يسمع لها لأن الساكنين في قصور الحكم لم يكونوا على قدر من الكفاءة والنزاهة يسمح لهم بالإبصار والنظر وحسن التدبير والعمل. بل أصبح من يقول لهم الحقيقة هو العدو وهو الخصم، لم يحسنوا سوى الهروب إلى الأمام ومحاولة ربح الوقت وضرب المنافسين تحت الحزام، في ما بينهم وفي مواجهة المخالفين لهم خارج الحكم. سمتهم الأبرز هي الظلام والغموض والتدليس والإشاعة والمراوغة، حتى أصبحت صحة رئيس الجمهورية لغزا عظيما، يموت عدة مرات ويحي، تتحدث عنه وسائل إعلام أجنبية بأنه عندهم في مستشفياتهم ولا خبر عندنا في الجزائر، لا يستطيع حزب أو باحث أن يستشرف المستقبل ويعد العدة للآتي، كما هو حال الراشدين، لكثرة الإشاعة والغموض. لقد شاء الله أن يطول حكم رئيس الجمهورية الذي هلل له كثير من الجزائريين وأن يعيش إلى أن تقع في حكمه وحياته أزمة اقتصادية وتفكك سياسي أبطل كل تلك الهالة التي رسمها أنصاره بأنه “الرجل المخَلّص” بل حتى أنه ابتلي، نسأل الله له ولجميع المسلمين العافية، في أعز ما يملك وهو لسانه، الذي يجادل به عادة فيُسكت غيره.
عندما وصل النظام السياسي إلى هذا الحال، أصبح لا يهمه إلا أمران، هما اللذان يهددانه في وجوده، القوى الدولية الغربية وغضب الشارع الجزائري. أما التهديد الثاني فقد حاول علاجه بشراء السلم الاجتماعي وتوزيع فتات الريع بلا رشد ولا بصيرة، وبكسر الأحزاب السياسية وإضعاف المجتمع المدني حتى لا يكون ثمة بديل له يؤطر الناس، ضمن سياسة حكام العرب ” أنا أم الدمار”، وأما التهديد الأول فقد عالجه بشراء الموقف الخارجي بالامتيازات اللامحدودة الضاربة للسيادة والمصلحة الوطنية.
لقد أدت هذه السياسات الرعناء إلى صناعة مشهد مخيف غير متحكم فيه، أما الشارع الجزائري فقد زُرعت فيه فخاخ السخط من الآن وأصبح هو العائق الأكبر لأي إصلاح اقتصادي بسبب تعويده على العطاء بلا عمل لشراء سكوته، فمن يمسكه إذا غضب في ظل غياب من يستطيع تأطيره من أحزاب ومنظمات مجتمعية؟ وأما القوى الخارجية الغربية فقد اغتنمت الفرصة فابتزت النظام السياسي فأكلت منه اللحم وامتصت العظم، وأصبحت الجزائر ساحة مفتوحة لهم، ثم ها هي الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا، تحت غطاء أمريكي، تنتقل لرجال الأعمال أصحاب الحظوة وشركائهم النافذين في الدولة ليصبحوا هم شركاء المستقبل لتحويل الجزائر من منطقة نفوذ كما كانت عليه منذ الاستقلال إلى منطقة تبعية تكون لهم حصريا في مواجهة التمدد الصيني في أفريقيا، ولا يكون ذلك إلا بتحويل الجزائر إلى المذهب الليبيرالي  الغربي ونظامه الرأسمالي المتوحش الذي يتيح لهم استغلال الإنسان والسيطرة على خيرات الدول.
إننا نعيش وضعا سياسيا خطيرا تحالفت فيه القوى الغربية مع الرجال النافذين في الدولة ومع رجال الأعمال المحظوظين لتحويل الجزائر من احتكار الدولة للثروة والسلطة إلى احتكارها من قبل رجال الأعمال من الداخل والخارج، فتصبح المؤسسات الخاصة المالية والاقتصادية الكبرى هي التي تتحكم في القرار وأصحاب القرار وفي الإعلام وفي القضاء وفي المؤسسات التشريعية والقضائية، كما هو الحال في العديد من الدول الغربية (دون أن يكون لنا كما لمجتمعاتهم قدرا من الحرية واحترام القانون يخفف غلواء أصحاب المصالح)، فتذهب السيادة وتضيع المصلحة الوطنية وتُقمع الحريات والديموقراطية بأشكال شيطانية تستعمل فيها كل الوسائل الخسيسة. ومن هذه الوسائل الإرهاب الذي أصبح أداة دولية تستعملها كل الأجهزة الاستخبارية في العالم في الحرب بينها على المصالح والنفوذ، وما نراه هذه الأيام تحت عنوان ” داعش” هي حرب عالمية بكل المقاييس بين الأمم يُستعمل فيها المجرمون والحشاشون والأغبياء من المتدينين ويضيع فيها الأبرياء الذين أكثرهم من بني جلدتنا، وتضيع فيها السكينة وتُذبح فيها الحرية لكي يستطيع كُبّار العالم تمرير مخططاتهم وفرض إرادتهم في جو الهلع والحزن.
هذه هي الأجواء التي يصدر فيها قانون المالية كوسيلة قانونية لتحويل الدولة، فهل سيكون في الجزائر من ينتبه لهذه المخططات الجهنمية بعزيمة وإصرار وذكاء وحكمة؟    

تعليق