خلّف النّقاش الحادّ حول مشروع قانون المالية لسنة 2016م والتدافع الشرس حوله، والطريقة المأساوية التي مُرّر بها: ردودَ أفعال قويةٍ وساخطة، ومنها: مطالبة نواب المعارضة بالانسحاب من البرلمان كموقفٍ قويٍّ على تطليق هذا البرلمان المطعون في شرعيته، وكردّة فعلٍ عنيفةٍ على المهازل التي تقع فيه..

1_ نشكر كلَّ المتفاعلين مع هذه المعركة الحقيقية التي تدور رحاها حول هذا القانون، وهو إنجازٌ يدلّ على الحيوية السياسية والإعلامية، ويؤكّد على الوعي المتنامي حول قضايا الشأن العام، وقد يكون من الموضوعية: التذكير بأنّ الفضل في فضح هذا المشروع القنبلة والأخطر في تاريخ الجزائر يعود للدور البرلماني والسياسي والإعلامي والتحسيسي لنواب المعارضة، ومنهم نواب تكتل الجزائر الخضراء..

2_ لم نكن لنصلَ إلى هذه النتيجة لولا وجودنا في البرلمان – كأفضلِ منبرٍ سياسي للمعارضة في العالم – وإلاّ فقد كان تمريرُ هذا القانون في صمتٍ وفي جنح الظلام: لا يسمع به أحد، وبالتالي فإن “سياسة الكرسي الشاغر” قد لا تكون مفيدةً في كلّ الأحوال، وخاصةً في الأدوار غير التنفيذية..

3_ إنّ المطالبة باستقالة النواب من البرلمان هو رأيٌّ اجتهادي وتقديري محترم، ويُقبل في إطار حرية الرأي والتعبير، ولكنّه لا يملك الصوابية المطلقة، ولابد من احترام الرأي الآخر الذي يدعو إلى المرابطة فيه ومواصلة تمثيل الشعب والقيام بالواجب ولو كتبرئةٍ للذّمة وإقامةٍ للحجة وأداءٍ للواجب وإعذارٍ إلى الله والشعب والتاريخ، ولو بدون نتائج ملموسة، كما قال تعالى: “وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ”(الأعراف:164)..

4_ قد يكون من المستغرَب أن نطالب نواب المعارضة بالاستقالة وهم المدافعون عن الشعب والكلُّ يشهد بأنّ مقاعدهم غير مزوّرة، في حين لا نطالب نواب الموالاة بذلك، بالرّغم من اللغط الذي وقع في أدائهم وفي التزوير الذي أوصلهم (ابتداءً من الهيئة الناخبة، والتسجيل والتصويت غير القانوني للأسلاك النظامية، وتوجيه وعائهم الانتخابي لصالح أحزاب السلطة، إلى تركيز النتائج في الولاية بدون حضور المترشحين والأحزاب، إلى الإعلان عن النتائج من وزارة الداخلية قبل وصول النتائج من الولايات، إلى ما قام به المجلس الدستوري…)، وعندما يتحدّث “رئيس الجمهورية” في رسالته الأخيرة عن استحداث آليةٍ لمراقبة الانتخابات فهذا اعترافٌ واضحٌ وصريحٌ بالتزوير في كلّ الانتخابات السابقة.

5_ إنّ قرار المشاركة في الانتخابات التشريعية والترشّح فيها والبقاء في البرلمان بالرّغم من التزوير الفاضح كان بقرارٍ جماعي ومؤسساتي من الأحزاب، بعد المدارسة والمناقشة والاجتهاد المقاصدي في إيجابيات وسلبيات ذلك، وكذلك يجب أن يكون قرار الاستقالة منه، فالنّواب لا يمثّلون أنفسهم، فهم نتيجةُ إرادةٍ شعبيةٍ وقرارٍ سياسي وحزبي، وللاستقالة تداعياتها الشعبية والحزبية والسياسية والشخصية، ولابد من مراعاتها بعيدا عن المواقف العاطفية أو الارتجالية..

6_ إنّ الاستقالة بسبب التزوير أو عدم الجدوى من التغيير معناه: غلقُ بابِ المشاركة في الاستحقاقات القادمة إذا بقيت بنفسِ الآليات والظروف، وهو ما سيرفضه البعض، فالحياة السياسية معركةٌ وصراع، وهي أخذٌ وعطاء، وهي تدافعٌ وتنافس، وهي ربحٌ وخسارة، ولا يمكن انتظار الصورة المثالية لها حتى نشارك فيها، وإلا فهو قرارُ إعدامٍ لبعض وجودك السياسي..

7_ إنّ وجود الكتلة البرلمانية للحزب يُعتبر إضافةً نوعية له: سياسيا وإعلاميا وماليا، فهي الذّراع السياسي القوي له، وهي القوّة الضّاربة لمواجهة السّلطة، وهي المنبر الطبيعي لأداء المعارضة، بما يملكه النواب من الحصانة والإمكانات والتّفرّغ الذي لا يتوفر لغيرهم، وإنّ استقالة النّواب هي بمثابةِ مَن يتخلّى عن سلاحه في المعركة..

8_ مع احترامنا لأصحاب هذا الرّأي، وهو رأيٌ قد يرْشحُ عن حُسن نيّةٍ، وقد ينبع عن قناعةٍ واجتهادٍ مجرّد، وبدون تعميم هذا الحكم على الكلّ، فالبعض لديه خلفيات سلبية اتجاه البرلمان والنواب لعدّة أسباب: فهناك مَن لديه أزمةُ أملٍ مفقودٍ في الوصول إلى (برّ الأمان)، وهناك مَن كان ضحية فشلٍ في الترشّح أو الفوز، وهناك مَن يطالب بذلك كموقفٍ انطباعي أو شخصي، وهناك مَن يشوّش على المعارضة بذلك للإرباك والإلهاء، وهناك مَن لديه روابطٌ سلبية يريد تعميمها على الجميع، وهناك مَن هو ضحية توجيهٍ يطعن في المنتخبين ولا يتّجه إلى السّلطة التنفيذية، مما يُفقد الديمقراطية والانتخابات معناها، وهناك مَن لديه تصوّرات خاطئة عن صلاحيات النواب، وكأنّ بيدهم السلطة والنفوذ ولابد أن يكون لهم “خاتم سليمان” لحلّ مشكلات العالم الخاصّة والعامّة، وإلا فإنهم فاشلون ويجب عليهم الاستقالة، وهناك مَن يتمنّى اللحظة التي يُحلّ فيه البرلمان ليقتنص الفرصة ويسترجع الحُلْم الضائع، وهناك مَن يعمّم صورة الفشل أو الفساد الفردي على جميع النواب انطلاقا من تجربةٍ مريرة رآها أو عايشها، وهناك مَن ينظر إلى البرلمان كامتيازاتٍ مادية ودنيوية فقط … وغيرها.

9_ لو كانت الاستقالة – فعلا – ستؤدّي إلى حلّ البرلمان وإعادة الانتخابات وفق آلياتٍ جديدةٍ شفّافةٍ وديمقراطية، فإننا سنكون أوّل المستقِيلين وفق الإرادة الجماعية لمؤسسات الحزب، وإلا فإننا سندور في حلقةٍ مفرغةٍ من عمليةٍ انتخابيةٍ عبثية، كما أنّ الجميع يعلم بأن القانون سيسمح باستخلاف المستقِيلين من نفس القائمة، فمَن سيضمن عدم قبولهم بهذه اللّعبة العدمية، ومَن سيضمن أنّ استقالة الأقلية ستُطِيح بالأغلبية أو ستعطّل عملها، وهي غيرُ المعنية بالشرعية والمصداقية، في ظلّ نظامٍ عالمي منافق يقبل حتى بالانقلابات العسكرية، وفي ظلّ واقعٍ شعبي يتّسم بالاستقالة من الحياة السياسية..

10_ إنّ المُطالَبَ بالنتائجِ وتقديمَ البدائل هو السلطة وليست المعارضة، وهي الأغلبية وليست الأقلية، فهي التي تتحمّل المسؤولية، وهي التي تملك من الصلاحيات والإمكانات والمؤسسات ما يؤهّلها لذلك، وإذا عجزت أو فشِلت فهي المُطالبة بتقديم الاستقالة، لا أنْ تُطالَب المعارضة بالانتحار؟؟؟.

11_ قد يطالبك بالاستقالة مَن لم يصوّت عليك، ومَن لا علاقة له بك: حزبيا ولا مؤسّساتيا، وهو لا يراعي مشاعر المسؤولية التي ألقاها على كاهلك مَن رشّحك وانتخب عليك وهو المسؤول الحقيقي عنك، وهو بذلك يمارس نوعا من الوصايا الأبوية وادّعاء الحقيقة الكاملة، وهو بذلك يلغي الرأي الآخر.

12_ قد تكون “قرّةَ عين” السّلطة والأغلبية المزوّرة هو: استقالة نواب المعارضة، حتى تخلو لهم الساحة للاستفراد بالقرار والتشريع بعيدا عن هذه المنغّصات وفضائح كشف المستور، فهم الآن يدفعون باتجاه العودة إلى العقلية الآحادية، وممارسة الوصاية الأبوية على الجميع، باستغلال شرعية الثورة والثروة..

13_ لا يمكن إنكارَ البُعد الشّخصي والمصلحي في تمسّك كلّ نائبٍ بمنصبه، وهي فطرةٌ بشريةٌ في حبّ التملّك والبقاء والمصلحة، وهي مركوزةٌ في أعماق كلّ واحدٍ منّا مهما كان موقعه أو منصبه، ومن الموضوعية أن نعامل النّاس بمثل ما نحبُّ أنْ يعاملونا به، فلماذا لا يطالب كلُّ واحدٍ نفسَه بالاستقالة من منصبه في ظلّ هذه المنظومة الفاسدة، وهذا النّظام الفاشل؟؟..

14_ لماذا لا يُطالِب البعضُ باستقالة رئيس الجمهورية وهو الغائب وصاحب الحصيلة السلبية والكارثية؟ ولماذا لا يُطالِب البعضُ باستقالة الوزراء ومنهم مَن تلطّخت وزارته بملفات الفساد العابرة للقارات؟ ولماذا لا يطالب البعضُ باستقالة بعض القيادات العسكرية والأمنية وقد وقعت إخفاقات وكوارثٌ أمنية؟ ولماذا لا يطالب البعضُ باستقالة مدراء المؤسسات العمومية وقد فاحت من داخل أسوارها الروائح النتنة للإخفاقات؟ ولماذا لا يطالب البعضُ باستقالة الولاة وقد تسببوا في مآسي مدوّية في الولايات؟…

هل مشكلة الجزائر الأولى والأخيرة في البرلمان؟ وهل النّواب بصلاحياتهم – في ظلّ النظام الرئاسي المتغوّل – هم أسباب السياسات الفاشلة والعاجزة في البلاد؟

إذا كانت استقالةُ النّواب هي الحلُّ لكلِّ مشكلات البلاد…؟؟؟ فسأكون أوّل المستقِيلين، ومن الآن ..

تعليق