منظومة الرشد في العمل السياسي – الحلقة 39

قوانين الرشد السياسي في القيادة (06): قانون الأرض الصلبة … سحر الثقة

بقلم أ.فاروق أبو سراج الذهب

الثقة حالة قلبية داخلية تتحقق عن رغبة وطواعية ، لا تفرض قسرا أو جبرا بين القائد ومرؤوسيه ، وبالتالي وجب علينا ، أن نحسن غرسها في النفوس ، لتنمو وتثمر ، وقد تحدث الامام البنا رحمه الله عن آخر التعاليم العشر عن الثقة فقال(الثقة هي إطمئنان الجندي إلى قائدة) ، والاطمئنان من أعمال القلوب . فالثقة ليست قناعة فكرية أو حالة مهارية .

والاطمئنان الذى يريده الإمام البنا بين القائد وجنده على ليس إطمئنانا وقتيا أو سطحيا ، ولكنه (إطمئنانا عميقا) ، هذا الإطمئنان العميق المستمر المتنامي له أربع ثمار ، أو إن شئت كل أربع دلائل ومؤشرات هي (الحب والتقدير والاحترام والطاعة)، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .

والثقة  بمفهومها العام لها ميادين شتى ومجالات متعددة ، منها : الثقة في المسار والمقاربة والرؤية ، والثقة في المنهج والمنهجية ، والثقة في القيادة ، والثقة في رفقاء المسيرة  ، والثقة في وعد الله بنصرة وتأييده ، وهي كلها ميادين مترابطة ومتقاطعة ، لكن الذي يؤكد عليه الإمام البنا في هذا الركن : هي الثقة فى قيادة الدعوة على اختلاف مستوياتها ، ولأن القيادة جزء من الفكرة والمؤسسة ، فلا عمل جماعي بغير قيادة  .

كما يؤكد الإمام البنا على قضية هامة في موضوع الثقة وهي أن تكون متبادلة بين القائد والأتباع فيقول : (وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام المجموعة ، وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات) ، فالثقة شعور متبادل يحرص القائد أن يحققه فى نفسه ويدرب عليه العاملين .

فمامدى أهمية الثقة بالنسبة للقائد ؟ إنها الشيء الأكثر أهمية ،فالثقة هي أساس القيادة ،إنها الصمغ الذي يحافظ على تماسك المؤسسة ،وليس في وسع القادة انتهاك ثقة الآخرين فيهم بشكل متكرر والحفاظ في نفس الوقت على تأثيرهم عليهم ،هذا لا يمكن أن يحدث ،فالثقة أساس القيادة وهذا هو قانون الأرض الصلبة .

الثقة هي أساس القيادة كلمة نعيدها في هذه الحلقة مرات عديدة لأهميتها ،فكيف يبني القائد الثقة إذن ؟ لا طريق إليها إلا عن طريق تجسيد الكفاءة والمقدرة والارتباط والشخصية بصورة دائمة ،فالناس يصفحون عن الأخطاء العابرة بسبب القدرة ،خاصة إذا كانوا يرون انك مازلت تنمو كقائد ،وسيعطونك بعض الوقت للارتباط بهم وكسب ثقتهم ولكنهم لن يثقوا أبدا بشخص لديه عيوب في الشخصية في تلك المنطقة ،حتى الزلات الصغيرة العابرة تكون قاتلة ،فجميع القادة الناجحين يدركون هذه الحقيقة .

يقول كريج وير راب الذي تقاعد من عمله كرئيس مؤسس تنفيذي لشركة بيبسي مؤكدا “الناس يتحملون الأخطاء البريئة ولكن إذا انتهكت ثقتهم فستجد صعوبة كبيرة في استعادتها مرة أخرى هذا احد الأسباب التي تجعلك بحاجة إلى التعامل مع الثقة باعتبارها الأصل الأكثر قيمة لديك ويمكنك أن تخدع رئيسك ولكن لا تستطيع أبدا أن تخدع زملاءك او مرؤوسيك “.

فالقيادة كما يشير الجنرال اتش نورمان شوارزيغوف “عبارة عن مزيج فعال بين الإستراتيجية والشخصية وإذا كان من المحتم أن تكون بدون إحداهما فكن بدون إستراتيجية “.ان الشخصية ومصداقية القيادة دائما يكونان متلاومتين .

فعندما تقود الناس يكون الأمر وكأنهم يقبلون القيام بالرحلة معك ويمكن التنبؤ بما ستؤول إليه هذه الرحلة من خلال شخصيتك ،فمع الشخصية القوية السليمة كلما طالت الرحلة كانت أفضل ،ولكن مع الشخصية الضعيفة او التي بها عيوب كلما طالت الرحلة كانت الأمور أسوأ ،لماذا ؟ لأنه لا احد يستمتع بقضاء الوقت مع شخص لا يثق به .

فالثقة تشبه الفكة (الصرف) في جيب القائد في كل مرة تتخذ فيها قرارات قيادية جيدة تحصل على مزيد من الفكة ،وفي كل مرة تتخذ فيها قرارات سيئة فانك تدفع بعضا من الفكة ،وجميع القادة يكون لديهم قدر معين من الفكة في جيوبهم عندما يبدؤون في موقع قيادي جديد وكل شيئ يفعلونه إما يزيد ما يمتلكونه من الفكة او يبددها وفي يوم من الأيام وبعد اتخاذ قرار سيئ أخر ينفذ ما لديهم من الفكة فجأة وبشكل يتعذر إصلاحه ولا يهم حتى ما إذا كان الخطأ كبيرا أو صغيرا فعند هذه النقطة يكون الأوان قد فات ،وعندما تنفذ منك الفكة ينتهي دورك كقائد .

وعلى النقيض فالقادة الذين يتخذون قرارات صائبة ويحققون الانتصارات لمؤسساتهم باستمرار يزيدون ما لديهم من الفكة وبعدها حتى اذا اخطئؤا خطا فادحا يظل متبقيا لديهم وافر الفكة ،وعندما يتعلق الأمر بالقيادة لا يمكنك أن تسلك طرقا مختصرة أيا كان طول الفترة التي ظللت تقود الناس فيها .

والقادة الذين لا يتمتعون بالقوة الداخلية لا يمكن الاعتماد عليهم يوما وراء يوم لان قدرتهم على الأداء تتغير باستمرار ،فإذا كان تابعوك لا يعرفون مالذي يمكنهم توقعه منك كقائد فإنهم سيتوقفون عند مرحلة معينة عن النظر اليك كقائد .

يقول السياسي والكاتب البريطاني جون مورلي “ليس هناك إنسان يستطيع الارتقاء لما هو ابعد من حدود شخصيته “فالشخصية الضعيفة مقيدة ،والموهبة وحدها لاتكفي ينبغي أن تكون الموهبة مدعومة بالشخصية القوية اذا كان المرء يرغب في تحقيق الكثير من الانجازات .

فالشخصية الضعيفة تشبه قنبلة موقوتة توشك على الانفجار ،لن يمر وقت طويل قبل ان تنفجر وتنسف قدرة الشخص على الأداء والقيادة ،لماذا ؟ لان أصحاب الشخصيات الضعيفة ليسوا جديرين بالثقة والثقة هي أساس القيادة ولا يمكننا بناء الثقة بالحديث عنها فحسب بل الثقة تبنى عن طريق تحقيق النتائج باستقامة دائما وبأسلوب يوضح الاهتمام الشخصي الحقيقي بالأشخاص الذين تعمل معهم .فالشخصية تجعل الثقة ممكنة والثقة تجعل القيادة ممكنة هذا هو قانون الأرض الصلبة .

وعندما لا تمتلك الشخصية داخليا لا يمكنك نيل الاحترام خارجيا والاحترام شيء ضروري بالتأكيد من اجل القيادة الدائمة ويمكنك كسب الاحترام أولا باتخاذ القرارات السليمة وثانيا بالاعتراف بالأخطاء وثالثا بتقديم المصلحة العامة للمؤسسة على المصالح الشخصية المتمحورة حول الذات .

ولكن الثقة بالنفس بالنسبة للقيادة ليست هي السر، وإنما ثقة القيادة بالآخرين هي السر الحقيقي للقيادة كمايقول احد الخبراء *. “فالقيادة الناجحة هي التي تعمل ليل نهار في سبيل خلق مناخ تمنح وتخلق من خلاله الثقة بالموظفين وتخلق ثقة عالية بأنفسهم وبمصادر قوتهم”. فالقيادة هي التي تحفز العاملين لبذل أفضل ما لديهم من جهد وتوجيه ذلك الجهد في اتجاه صحيح ومنتج. والقادة عليهم أن يدركوا ويعتقدوا بأنهم قادرون على الاعتماد على غيرهم في القيام بواجباتهم بالشكل الصحيح. فإذا كان فعلا قد قام العاملون بتولي مهام عملهم وتحمل مسؤولياتهم بجدارة كأبطال؛ فلا حاجة عندها لمن يأتي ليتولى تلك المهام ويقول بأن العاملين لم يقوموا بها. فالتركيز على نقاط ضعف العاملين يقوض ثقتهم بأنفسهم، ويحطم معنوياتهم، ويؤدي إلى تلاشي بريق الثقة في نفوسهم. بالمقابل فإن الإيمان بهم يؤدي إلى ازدهار الثقة وبنائها، والفوز عندها يصبح أقرب من أي وقت من الأوقات.

ويواصل ذلك الخبير* في المزيد عن الثقة فيقول :”إن ثقة القيادة بنفسها هي من ثقة القيادة بتابعيها، وتتمثل بكيفية بناء القائد للثقة في كل فرد من أفراد المنظمة. فالقادة يعززون الثقة في نفوس العاملين باعتناقهم لمعايير عالية تتبلور في الرسائل والمعلومات التي يتبادلونها مع الآخرين ويتمثلون تلك المعايير في تصرفاتهم وفي أفعالهم لكي يكونوا قدوة للآخرين ومثلاً يحتذى في المنظمة”.

إن بناء الثقة يحتاج إلى معايير وقيم ورؤى يتمثلها وينشرها القادة ويرى القائد صداها في سلوك المرؤوسين. وهنا يحتاج القائد إلى بذل جهد خاص في تعزيز تلك القيم وترسيخها، من خلال الاتصال والاحتكاك المستمر مع الآخرين وتشجيع كل صاحب قرار في المنظمة أن يقوم بنفس الدور في بناء الثقة في مرؤوسيه؛ لكي تساهم تلك الثقة في تعزيز المسؤولية والمشاركة والولاء للعمل والشعور بملكية العمل والمهام التي يقوم بها كل واحد في مكانه.

كما يحتاج بناء الثقة إلى نماذج قيادية تتمثل ما تقول وتضرب مثلا يقتدي به الآخرون، فعلى القيادة الناجحة أن تضع أسساً وقواعد رسمية لبناء تلك الثقة، من خلال قوانين وإجراءات إدارية تعزز الثقة بالنفس والثقة بالآخر والثقة بالنظام. وليس ممارسات تدمر وتقوض الثقة بالنفس. والخوف يعتبر من أهم هذه الممارسات التي تدمر ثقة الفرد بنفسه.

وعندما ينتهك القائد قانون الأرض الصلبة يدفع الثمن من قيادته ،فقد فقد ماكنامارا والرئيس الامريكي جونسون وبيل كلينتن ثقة الشعب الأمريكي ونتيجة لذلك قان قدرتهم علة القيادة تأثرت سلبا بشدة وفي النهاية استقال ماكنامرا من منصبه كوزير للدفاع وأدرك جونسون السياسي البارع ضعف موقفه ولم يخض الانتخابات وكذلك الأمر بالنسبة لبيل كلينتون ،واستمر الأمر الى اليوم .

فلا يسع القائد انتهاك ثقة الآخرين فيه بشكل متكرر والحفاظ في نفس الوقت على تأثيره عليهم فالثقة هي أساس القيادة وإذا انتهكت قانون الأرض الصلبة فانك تضعف تأثيرك كقائد ،والشيء الوحيد الذي يعود من القبر رافضا ان يتم دفنه مع الإنسان هو الشخصية هذا صحيح ،فشخصية الإنسان تستمر في الحياة ولا يمكن دفنها أبدا .

تطبيق قانون الأرض الصلبة في حياتك

  1. إلى أي مدى يراك تابعوك جدير بالثقة ؟كيف يمكنك قياس ثقتهم ؟ من خلال مدى انفتاحهم معك هل يعرضون عليك آراءهم بصراحة ووضوح حتى الآراء السلبية منها ؟ هل ينقلون إليك الأخبار السيئة بنفس البساطة التي ينقلون بها الأخبار الطيبة ؟ هل يطلعونك دائما على ما يحدث في مناطق مسؤوليتهم ؟ إذا لم يكونوا يفعلون ذلك فربما هم لا يثقون بشخصيتك كثيرا .
  2. ماذا عن زملائك وقائدك ؟هل يثقون بك دائما ؟كيف تقيس ثقتهم ؟ من خلال مقدار المسؤولية التي يأتمنونك عليها .إذا كنت تحمل مسؤوليات جساما بشكل منتظم فتلك علامة جيدة على انك تحظى بثقة من حولك ،وإذا لم يكن هذا فانك بحاجة لان تعرف ما إذا كانوا يشكون في قدرتك وكفاءتك .
  3. معظم أصحاب الانجازات الكبيرة يقضون الوقت الطويل في تطوير مهارتهم المهنية إنهم يسعون لان يكونوا أصحاب كفاءة عالية وقليلون هو الذين يركزون على الشخصية مالذي تفعله حاليا لتطوير شخصيتك .
  4. اقترح أن تركز على ثلاث قيم أساسية رئيسية هي الاستقامة والموثوقية والانضباط ولكي تنمي الاستقامة اقطع على نفسك عهدا بان تكون صادقا تماما ،لا تجمل الحقيقة ولا ترو أكاذيب بيضاء ولا تغش في الأرقام كن صادقا حتى عندما يؤلمك هذه ولكي تنمي الموثوقية كن ذاتك الحقيقية مع جميع الناس لا تكذب او تمثل او تتظاهر لتكون أي شيئ أنت لست هو حقا ولكي تعزز انضباطك قم بالأشياء الصحيحة في كل وقت بغض النظر عما تشعر به .
  5. إذا كنت قد خنت ثقة الآخرين في الماضي فان قيادتك ستعاني دائما إلى أن تحاول تصحيح الأمور أولا:اعتذر لأي فرد حرجت هاو آذيته أو خنته .إذا كنت تستطيع إجراء إصلاحات او تقديم تعويضات فافعل هذا إذن والتزم بالعمل على استعادة الثقة المفقودة وكلما كان الانتهاك الذي قمت به اكبر كان الوقت الذي ستحتاجه أطول .ليس مسؤولية التابعين أن يثقوا بك إنما مسؤوليتك أن تكسب ثقة تابعيك.

في الحلقة القادمة : قانون الاحترام …الناس عادة يتبعون القادة الذين هو أقوى منهم .

تعليق