في رحلةٍ زمنية تتجاوز حدود غيب الماضي، وفي نقلةٍ تاريخية تقفز فوق الزمان لتلامس الإنسان الأول، نكتشف الوجود المعرفي الأول والحضور الكوني الجميل لِطَيْف الحبيب، ذاك الطّيْف الذي يداعب المكانة الرمزية له في هذا الوجود، ليعلن عن العلاقة المقدّسة والمتعدّدة الأبعاد: مع الله والكون والإنسان والحياة..

إنّها المُحدّدات القَدَرية لوجوده وقدسية علاقته المركزية، فقد جاء في مسند الأمام أحمد وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: ” إِنِّي عِنْدَ اللهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ..“.

إنّه الطيف النبوي الشريف الذي يُعطّر الوجود فيعبُرَ به فوق الأثير، ويأتي ذِكْرُه على فَمِ الزمان فتعرفه الحياة، وتبارك وجودَه زوايا الكون فيأتي “العهد والميثاق” له على لسان كلّ نبيٍّ، وتتشرّف الدنيا بسماع اسمه لتتنفّس البشريةُ عِطْره الفوّاح..

يتطلّع “أحمد شوقي” ويطوي لنا الزّمان طيًّا فيقول:

 وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياء     ***     وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ
الرّوحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَه     ***     لِلدّينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

وتتعاهد السلسلة الذهبية للأنبياء على الإيمان به، فيُعلنوا عن العلاقة القدسية النادرة، فيقول سبحانه عنهم: “ وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي؟ قَالُواْ: أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ.“(آل عمران:81)، وينطق الفمُ الشريف بتلك الحقيقة فيقول: “.. وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، دَعْوَةِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةِ عِيسَى قَوْمَهُ..”.

ميلاده البشري يُؤْذِن بإرهاصات النّبوّة ويعلن عن هويّته الإنسانية، وهو الحدَثُ الكوني الذي اهتزّ له الوجود، فعبّر عن قوة الطّيْف النبوي الذي يجذب الكائنات وتتجاوب مع محوريته زوايا الحياة، فيقول عن ذلك:” .. ورَأَتْ أمي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ..، وقد نقل “ابن هشام” في “سيرته” ما رواه الإمام “البيهقي” فقال: ” وقد رُوي أن إرهاصاتٍ بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت.”.

ليستأذن “شوقي” من جديد، ويتفاعل مع تلك اللّحظة النّورانية، ويحضُر الفنُّ باللّمسة الشّعرية والنّغمة الأدبية ليقول:

ذُعِرَت عُروشُ الظالِمينَ فَزُلزِلَت  ***  وَعَلَت عَلى تيجانِهِم أَصداءُ
وَالنارُ خاوِيَةُ الجَوانِبِ حَــــولَهُمْ  ***  خَمَدَت ذَوائِبُها وَغاضَ الماءُ

وتأتي الأنوار النبوية بميلاده، وينبري لها الشاعر الفحل الذي تفطُرت قريحتُه بالحُسن، ليزيّنَ نفحات الذكرى الخالدة ويعتلي عرش الشّعر، وينال وسام الشرف وهو يسمع: ” .. وروح القُدُس معك“، ليؤصّل للدّعوة بالفنّ، فيقول:

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني  ***  وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُــلِّ عَيـــبٍ  ***   كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشــاءُ

إنها العلاقة المقدّسة، تتجلّى في علاقات “الطّيْف” غير المتناهية، فقد أفنى “الحبيب” ذرّاتِ حياته ولحظاتِ أنْفاسه في عالَم العبودية، في علاقةٍ نادرةٍ وراقية مع الله، في سموّ الرّوح ونباهة العقل وتوقّد البصيرة..

  يقظة النّهار تستجمع فكره المركّزِ على الله، ولحظاتُ النّوم تزيد في حساسية حالته النّفسية مع الله، فإذا آوى إلى فراشه أسلمت روحُه بما ينطق به لسانُه، فيقول في لحظات الصّفاء وهو يلهج بالمناجاة: “اللّهم أسلمت نفسي إليك، وفوّضت أمري إليك، وألجأْت ظهري إليك، رغبة ورهْبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيّك الذي أرسلت.”.

وفي زحمة الإيذاء والتكذيب، ممّن عاشوا عُمُرًا على “طَيْف: الصّادق الأمين” يأتيه المَدَد، ما يرفع من معنوياته ويطمئنه من ربِّه، ما يدلّ على المعجزة ويؤكّد على محوريته في الكون، فقد روى  الإمام “أحمد” عن أنس رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى رسول الله  ذات يوم وهو جالسٌ حزينٌ قد خُضّب بالدّماء من أهل مكة، فقال له: مالَك؟ فقال: ” فعل بي هؤلاء وفعلوا.”، فقال له جبريل: أتحبّ أن أريك آية؟ فقال: نعم، قال: فنظر إلى شجرةٍ من وراء الوادي فقال: أُدْع تلك الشجرة فدعاها، قال: فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مُرْها فلترجع، فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله  : “حسبي.”.

وفي لحظات الابتلاء في “الطائف” والدّم الشريف ينزف، ترى نفسَه تنساب مع “مقام الأُنْس” وهو يقول: “اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي وقلّة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين: أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى مَن تكلني: إلى بعيدٍ يتجهَّمني أم إلى عدوٍّ ملّكته أمري، إن لم يكن بك علىِّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافَيَتَك أوسعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك أو يَحِلَّ عليَّ سخطُك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك.”..  

 إنّها المعاناة من أجل “الدّعوة” ترفعه إلى المقام العلويِّ المقدّس، في معادلة “المحنة والمنحة”، إلى “سدرة المنتهى”، “عندها جنة المأوى”، إلى مكانٍ وقطعةٍ زمنيةٍ ينطق فيها “طَيْفُ الحبيب”، لا يكون فيها إلا “الله” مع “محمد”، بعد أنْ اعتذر جبريل عليه السّلام وقال: “تقدّم يا رسول الله: فإنّك إنْ تقدّمتَ اخترقتَ، وإن تقدّمتُ احترقتُ.”.

نعلم يا رسول الله أنّك لم تبلّغ رسالتك نظريا، وكان يكفيك:”ما على الرّسول إلا البلاغ..“(المائدة:99)، ولكنّك ارتقيت إلى ذروة القدوة العملية، فأسقطتَ عالم القيم على واقع الحياة البشرية، وعانيْت في مقام الارتقاء من “التديّن البشري” القاصر إلى ذروة “الدّين الإلهي” المعصوم لتصل إلى درجة “الإنسان الكامل”، لتكون على مسافة الصّفر بين القول والعمل، فكان ذلك أدعى للإعجاب ومبعثا على الاقتداء، وهو ما أكده الوحي الإلهي:” لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة..“(الأحزاب:21) ..

إنه التبليغ العملي القوي والهادر..

نعلم يا رسول الله أن دموعك قد أخجلتنا فتدفّقت عيناك شوقا إلينا، بعد أنْ اختنقت عواطفك لتفجّر بركان الحبّ المقدّس، ويفيض به “طيْفك” على أمّتك، وقد ورد في الأثر: “بَكَى رسول الله يوماً فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال : اشتقت لأحبابي. قالوا: أولسنا أحبابك يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم أصحابي، أما أحبابي فقومٌ يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجر الواحد منهم كأجر سبعين. قالوا: منّا أم منهم؟ قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير مِعْوانًا ولا يجدون.”.

 ليقابلك الصّادقون في احتضان طيْفِك، ويصدق فيهم قول الهائم بك:

كلُّ القلوبِ إلى الحبيبِ تميلُ  ***   ومعي بهـذا شـــاهدٌ ودليــــل

 أما الــدليلُ إذا ذكـــرتُ محمدا ً  ***  صارت دموعُ العارفين تسيـل
هذا رسول الله نبراس الهدى ***  هذا لكل العــــالمين رســـــول

تعليق