هناك هزّة عنيفة مسّت “العقل الاستراتيجي” للحركة الإسلامية، وخاصة بعد ثورات الربيع العربي، عندما وجدت نفسها أمام استحقاقات المرحلة المتسارعة نحو “ضرورات التجديد” و”إكراهات الانتقال من النخبوية إلى الجماهيرية”، وحتمية “الفصل أو التمييز بين السياسي والدعوي”، والصعود من “دال” الدعوة إلى “دال” الدولة، ومن “فقه الجماعة” إلى “فقه المجتمع”.

ومن هذه الضرورات: الفصل في الهوية التنظيمية والفكرية للحركة، هل هي: جماعة دعوية دينية أم حزب سياسي مدني؟ خاصة بعد الصعود القوي للشباب على واجهة الأحداث، وهو المتحرّر من “الماكنة التنظيمية التقليدية” والمتدفّق نحو الثورات الشعبية التوّاقة إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتمرّد على الأمر الواقع الذي فرضته الأنظمة، وحاجز الخوف الذي زرعته في نفوس الأجيال السابقة، وهي ترى فشل القيادات التقليدية في التغيير والإصلاح لعقودٍ من الزّمن..

إن الأشكال التنظيمية ما هي إلا وسائل، ولابد ألاّ تتحوّل إلى آلهةٍ تُعبد من دون الله، وإن المناهج التربوية والمنظومات الفكرية ليست قرآنا منزّلا، فهي تجربة بشرية واجتهادات تقديرية يعتريها ما يعتري الإنسان  من النّقص والتقصير، وهي ليست أقدس من الدّين في حدّ ذاته، والذي يتجدّد كل مائة سنة، كما ورد في الحديث الشريف: ” إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة مَن يجدّد لها أمر دينها.”.

والمشكلة ليست في المراجعة والتجديد، فهي حتمية اجتماعية ربانية، بل المشكلة تنطوي على خطر “التجديد العنيف” بدون وعي أو “المراجعات القسرية” كردّة فعل غير منضبطة، والتي تفتقد للإرادة الحرّة في الرؤية والتخطيط الاستراتيجي عبر الدراسات العلمية والنقاشات المعمّقة، بما يُطمئِن على وجود “العقل الاستراتيجي المدبّر”.

والملاحظ أن الذي يضع مناهج هذه الحركات هم: “شيوخ دين” يعتمدون “التلقين والحفظ والوعظ” أكثر من الاعتماد على “التفكير والتخطيط والنقد”، وأن الذي ينظّر للجماعات: رجال التنظيم وليس رجال الاستراتيجيا، مع العجز عن تحرّر رجل الفكر من قبضة رجل التنظيم، فغلب “العقل السّكوني الإجرائي التشغيلي” على “العقل التأمّلي التّجديدي النّقدي”..

ومن أظهر وجوه هذا التحوّل وإعادة التّشكّل للحركة الإسلامية، وحتمية التحرّر من “التناقضات المرعبة” والتّخلّص من “الأزمة البنوية الهيكلية”: المقاربة بين “المرجعية الإسلامية وعدم احتكار واستغلال الدّين لأغراض سياسية”، وبين “عالمية الفكرة وقُطْرية التنظيم”، وبين ” الجماعة الدعوية والحزب السياسي”، وبين “الإصلاح المتدرّج والتغيير الجذري”، وبين “الانغلاق التنظيمي والانتشار الشعبي”، وبين “شمولية المشروع  ولا مركزية التنظيم؟..

هناك خطرٌ في تمدّد الوظيفة السياسية على حساب تآكل مساحات الوظيفة الدعوة ورمزية الصّبغة الرّسالية، مما أخّر الحركة الإسلامية عن الضمير الديني للأمة، فعجزت عن استيعاب التدين العام وتأطير الحراك الشعبي وتبنّي قضايا الهوية والثوابت باقتدار، ولكن في نفس الوقت: هي تتوجّس من خطورة الوقوع في مصيدة “الاصطفاف الإيديولوجي” و”الشّحن الطائفي” و”المعارك الدينية”..

وجزءٌ من هذه المعضلة “البنيوية، الهيكلية والتنظيمية” هي: الجمع بين الوظيفة السياسية” و”الوظيفة الدعوية” في تنظيمٍ واحد، والعجز عن إيجاد علاقة التمايز والتوازن والتكامل بينهما..

وقد ذكر المفكر السياسي الإسلامي “محمد بن المختار الشنقيطي” في كتابه ” الحركة الإسلامية في السّودان: مدخلٌ إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي”، وقد رصد هذه التجربة في ثنائياتٍ كبرى تشكّل معضلات فكرية وعملية، والتي تتوجّب على كلّ حركة إسلامية حُسن التعامل معها لتحديد مسارها ومآلاتها، وهي ثنائية: الشّكل والمقصد، الإسرار والإعلان، الالتزام والمبادرة، الوحدة والتباين، العمق والامتداد، الفصل والوصل..

إضافة إلى الحديث عن البناء والقصور القيادي، والعمل المجتمعي مع كلّ فئات الشعب ومؤسساته، والعلاقة مع السلطة وضوابط التحالف معها والمعارضة لها، وحدود العلاقة مع الحركات الإسلامية الأخرى وخاصة “جماعة الإخوان المسلمين” والتنظيم الدولي لها..

إلى الحديث عن معايير التقييم الموضوعي لأي تجربة تنظيمية حركية، ومنها:

_ معيار المرونة: وهي المرونة الوظيفية في أهداف التنظيم المرحلية والوظائف العملية، والمرونة الإجرائية في بنية التنظيم واتخاذ القرارات والمواقف، والمرونة العملية في التعاطي مع المتغيّرات والمستجدات..

_ معيار التماسك: وهو الإجماع الداخلي على قضايا جوهرية ثلاثة وهي: طبيعة التنظيم ورسالته، الشرعية الداخلية لقيادة التنظيم، الوسائل المرنة لحل الخلافات والتباينات الداخلية بآلياتٍ متفق عليها..

_ معيار الاستقلالية: وهو سيادة التنظيم وتحرّره من ذوي النفوذ، سواء كانوا: أفرادا أو جماعاتٍ أو تحالفاتٍ أو جهات مالية أو رسمية..

_ معيار التركيب: وهو مضاعفة الهياكل وتنوّعها، والفصل بينها هرميا ووظيفها وجغرافيا، مع التكامل والتوازن بينها..

_ معيار الاستيعاب: لكلّ الأفراد والإبداع في توظيفهم والاستفادة من طاقاتهم، دون اهتزاز ثقتهم في التنظيم والمشروع، ودون خدش ثقتهم في القيادة، ودون شعور البعض بالبطالة الحركية..

_ معيار الإيجابية: وهو محافظة التنظيم على الفاعلية والمبادرة والحضور..

وفي كتاب “النّقد الذاتي للحركة الإسلامية” للدكتور: عبد الله النّفيسي والدكتور: حامد قويسي، يُعتبر النقد الذاتي من الشروط الموضوعية الأساسية لإمكانية التّجدّد الفكري والتنظيمي والسلوكي الذي يضمن فاعلية الممارسة للحركة الإسلامية، ومنها: تأسيس العقل الاستراتيجي المفكِّر لها، والذي لا يغرق في الإجراءات والإداريات الوقتية والروتينية، بل يتطلّع إلى نقلاتها النوعية واستشراف سيناريوهاتها المستقبلية، والتخطيط العلمي لإدارة صراعاتها المصيرية وتدافعاتها الوجودية ..

إنّنا في “حركة مجتمع السلم في الجزائر” نساير هذا التطوّر في فكر الحركة الإسلامية المعاصرة، والتجاوب مع حتمية إعادة تشكّلها، وضرورات التجديد والإبداع في عملها عبر الخطة الخماسية ومشاريعها الاستراتيجية وبرامجها السنوية وتطوير وظيفة التخطيط والتدريب والمتابعة والاستشراف فيها، والاعتماد على الإنجاز عبر العمل بالأهداف والمشاريع، والانتقال السّلس نحو التجديد في مسارات ومجالات العمل الأساسية، والانتباه – طوْعا واختيارا- إلى وجوب الذهاب إلى التمييز والتخصّص الوظيفي الهادئ والآمن، وتحديدا: بين الوظيفة السياسية للحزب عبر قانون الأحزاب، والوظيفة الدعوية كمرجعيةٍ وسطية معتدلة عبر قانون الجمعيات، والوصول إلى: التلاقي في المرجعية والتكامل في المشروع والتمايز في الوظائف والمرونة في العلاقة التنظيمية..

تعليق