| مقال المقام
نظام الحكم وتطور سمات الشخصية الجزائرية.
في استبيان علمي جرى في الجزائر ضمن برنامج البارومتر العربي تحت إشراف الدكتور في علم الاجتماع جابي ناصر الجزائري ظهرت نتائج غير متوقعة، لدى الكثيرين، بخصوص الملامح الجديدة للشخصية الجزائرية التي رسمتها أجوبة المواطنين. ليس موضوع هذا المقال الغوص في فقرات هذا الاستبيان والإبحار في مختلف الأجوبة عن الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، وإنما الذي استوقفني هو فكرة أساسية استنتجها الدكتور ناصر جابي أثناء النقاش الذي تلا عرضه للاستبيان في ندوة “بيئة الحكم” التي نظمتها حركة مجتمع السلم. خلُص الأستاذ في علم الاجتماع بأن أجوبة الجزائريين تبين بأن تغيرات كبيرة وقعت في طبيعة الجزائري العادي. لم يصبح كثير من الجزائريين حسب استنتاجات الاستبيان كما كانوا أصحاب مواقف مبدئية يمضون فيها دون أن يبالوا كثيرا بنتائج وتبعات مواقفهم، بل أصبحت لهم قابلية للتفاوض مع النظام السياسي، وبشكل مباشر دون المرور بأحزاب أو جمعيات، وهم رغم تشاؤمهم الذي يدفع نسبة كبيرة منهم إلى التفكير في الهجرة حسب الاستطلاع، يعتقدون بأن النظام السياسي قادر على حل مشاكلهم وهم على استعداد للاتفاق معه على مصالحهم، وهم في ذلك أقل تشددا من المعارضة السياسية في موقفهم من النظام السياسي، رغم إقرارهم في الاستطلاع بنسبة عالية جدا بأنه نظام فاسد.
الكلمة القوية المحيرة التي وصف بها جابي هذا السلوك المنتشر في أوساط المجتمع الجزائري هو ” الشخصية الانتهازية”. إن هذا الوصف المشين لا يُطلق في هذا المقام على الشخصيات السياسية، الحكومية أو المعارضة، التي درج الناس على وصفهم بهذا الوصف، هذه الصفة تطلق هنا على الشخص الجزائري العادي!
رغم اندهاش الكثيرين بهذه النتيجة أستطيع أن أقول دون حذر بأن كل مُطّلع على منظومة السنن الاجتماعية وقواعد بناء وتطور الشخصية الإنسانية لا تفاجئه هذه الحالة المؤسفة. إنه لا توجد حصانة خِلقية لأي شعب تحفظه من التحول إلى الأسوأ، كما أنه لا يوجد شعب من ولد آدم خُلق على صفة إبليس لا يمكنه أن يتطور نحو الأفضل، وإنما المعتقدات والثقافة والتقاليد والعادات التي تنشئها التربية وتأثيرات البيئة هي التي تجعل الإنسان يكون هكذا أو هكذا.
إن التأثر بمثل هذه الاستطلاعات يختلف من شخص إلى آخر، فثمة من يصيبه الانهيار واليأس بخصوص مستقبل الجزائر والجزائريين، وهناك من يحب أن يستغل هذه الحالة الطارئة فينسج على منوال الانتهازية والانتهازيين بدافع الذهنية “الإمّعية” أو علة ” النفعية” أو بحافز النفس الشيطانية التي لا تريد خيرا للبلد وأهله. غير أن ثمة نوعا آخر من الناس، هم المصلحون في مختلف المجالات الدينية والاجتماعية والسياسية وغيرها، يؤسفهم أن تنتشر الآفات الفكرية والسلوكية في شعوبهم ولكنهم لا يقبلون البكاء على الأطلال بل تدفعهم نواياهم الطيبة وهممهم العالية إلى إصلاح هذه الأطلال، فما كان منها لا يتحمّل الترميم هدموه وما كان قابلا للإصلاح حافظوا على رونق ماضيه ورفعوه على أسس جديدة يكون بها شامة بين الأمم بقيَمه وفاعليته وإنتاجه.
إن إفساد الشخصية الجزائرية ـ مهما كان القدر الحقيقي والواقعي لهذا الإفساد ـ هو إنجاز من إنجازات النظام السياسي القائم. ذلك أن التغيرات السلبية الكبرى التي تحدث في الشعوب مردها في الغالب إلى فعل سياسات الحكام والملوك والأمراء، ويكون ذلك من طريقين: أما الطريق الأولى فهو من حيث عجز الحكام على المحافظة على الإرث القيمي للشعوب وتجديده بما يرفعهم ولا يضعهم، ويعلي من شأنهم ولا يحطهم، وبما يحصنهم من التأثيرات السلبية الواردة من الأمم الأخرى، تلك التأثيرات التي لم يتوقف مدها وجزرها بين الأمم منذ القدم. ولا يجب أن يفهم بأن المحافظة على الشخصية الوطنية وترقيتها يكون بالإغلاق كما تفعل الأنظمة الشمولية، فإن ذلك غير مجد وهو اليوم، في زمن العولمة، غير ممكن وإنما يكون التحصين بالتربية التي تضمنها وتشجعها وتدرب عليها السياسات الحكومية في المدرسة وفي الأسرة وفي المسجد والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. وأما الطريق الثاني فهو ” التشيطين” البشري الذي ينتهجه الحكام لإفساد شعوبهم عمدا، بإضعافهم فكريا ونفسيا وحضاريا بغرض استخفافهم واستعبادهم والسيطرة عليهم والتحكم فيهم وفق المنهج الفرعوني ” فاستخف قومه فأطاعوه”.
إن الحديث عن هذه الظاهرة يجرنا للتفكير في علاقة الحاكم بالمحكوم ومن منهما يُنتج الآخر. عكس ما يدعيه طوماس هوبس، صاحب كتاب التنين، الذي يقول بأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وهو عدائي بطبعه، يبين لنا هدي القرآن والسنة بأن الإنسان بريء ابتداء ثم تفسده البيئة، وما دور الأنبياء ثم الدعاة والمصلحين من بعدهم إلا التذكير بالفطرة الطبيعية التي يولد عليها الإنسان وإصلاح ما يفسد منها. إننا حينما نريد أن ننزل هذه القاعدة في مجال الاجتماع الإنساني وعلاقة الحاكم بالمحكوم وأيهما يؤثر أولا في الآخر سنجد بإن الإفساد يبدأ في الغالب من الحكام إذ على أساس استخفاف الحاكم للمحكومين تنشأ القاعدة الاجتماعية المشهورة ” الناس على دين ملوكهم” وعلى أساس هذه القاعدة تنشأ القاعدة الاجتماعية الثانية ” كما تكونوا يولى عليكم”، أي أن الشعوب بعد أن يفسدها الحكام تصبح هي من يحافظ على فساد الحكم، بل يتطور بها الحال فتصبح هي من ينتج الحكام الفاسدين. وحينما تصل الأمم إلى هذه المرحلة تصبح عملية الإصلاح صعبة ومعقدة.
لا أظن أن الشعب الجزائري وصل إلى هذا الحد من الانهيار، ولكنه على الطريق بفعل سياسات نظام الحكم المانعة لأي جهد إصلاحي في المجتمع خوفا من أن يؤدي التغيير الذي يحققه الإصلاح إلى التأثير في موازين القوة لغير صالحه ولغير مصالحه الشخصية والفئوية. ووسائل النظام السياسي على هذا الدرب كثيرة، منها إفساد العملية السياسية ومَنعها من أن تنتج التنافس الحقيقي على البرامج والتطوير الذي يخلق الإيجابية والفاعلية والاعتماد على الذات والإبداع الفردي والجماعي واستبدالها بالتزوير والغش حتى يصبح الشعب شعبا يائسا لا يرى في الانتخابات والأحزاب وسيلة لتحسين أحواله ومن ثمة يسهل تعميم الفساد وصناعة ثقافة الزبونية والانتهازية. ومن وسائله كذلك إفساد المنظومة التربوية لأغراض أيديولوجية يعتقد النظام السياسي بأنها من أكبر المؤثرات في التوازنات السياسية، ومن تلك الوسائل كذلك إبعاد المسجد عن المساهمة في المحافظة على الشخصية الجزائرية الإسلامية الموروثة بتمكين ضعاف العلم والفهم ودعاة وعلماء السلطان من المنابر، ومنها استخدام الإعلام الحكومي والمرتبط بدوائر الحكم في القطاع الخاص بغرض تعليب العقول وتسفيهها وتغليب نفسية اليأس والقنوط وتشويه كل مبادرات الإصلاح والتغيير. ومن آخر ما استهدفه النظام لتغيير الشخصية الجزائرية حصن الأسرة الجزائرية من خلال سلسة القوانين التي تتهاطل على المجلس التشريعي والتي تُمرَّر بأشكال جديدة من التزوير تدل فضاعتها على حرص شديد ومستعجل على إحداث تغيرات عميقة في تكوين الفرد والأسرة والمجتمع.
لا يجب على المصلحين في هذا الوطن أن يستهينوا بهذه المخططات التي تسيرها أطراف نافذة تعي ما تفعل داخل مؤسسات الدولة الجزائرية، فالتاريخ الجزائري الطويل يبين بوضوح كيف استطاعت الأنظمة السياسية والقوى المتحكمة تغيير ملامح الشخصية الجزائرية من طور إلى طور نحو الإيجاب أو السلب، وسنرى في الجزء الثاني لهذا المقال بعض النماذج التاريخية التي تؤكد هذا وتثبته… يتبع.

تعليق