إنّك الكائن المتميّز وِفْق سُلّم القيم الوجودية، ولا تزال منازلك القرآنية تشهد على ذلك التمايز القيمي، حتى أصبحت محورا أساسيا في الكون، ومحلاًّ للخطاب الإلهي بما يرفع مقاماتك بين ثنائية الخلق المباشر، طرفاها “إلهٌ خالقٌ” والطّرف الآخر: أنت “الإنسان المخلوق”، باشَرَ خلْقَك بيده فقال: .. يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي..(الحجر:29)، وربط طرفامنه إليك بنفحةٍ ربّانيةٍ لطيفةٍ نسبها إليه نِسبة التشريف فقال: “..ونفختُفيه من روحي..”(ص:72)، فكان استحقاق التكريم المطلق لكبمقتضى الإنسانية فقال: ولقد كرّمنا بني آدم..(الإسراء:70). وعندما تحظى بنعمة “تسخير” الكونكلّه إلى درجة “الاستعلاء” على سائر المخلوقات بقوله تعالى: وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ..(الجاثية:13)، صِرت أفضل الموجودات في عالم الشهادة وفق “التصوّر الإسلامي”..إنّ لهذا التصوّر الواعي لـ:”عقيدة التكريم” في هذا الوجود أثرٌ تربويٌّ يمدّك بالطاقة الخارقة، وهذه “العناية الإلهية” الخاصّة بكتؤكد أنك رقما صعبا في هذه الحياة، وأنك لا يساوي “واحد” بمنْطقِ الكمّ العدديّ المنفصل، وإنّ هذا “الاستشعار” بالرّفعة الذاتية يُفضي إلى استعظام “الدور الحضاري” في المسيرة الإنسانية لك، يقضي على “اليأس والإحباط” وينتشلك من “العبثية واللاّمبالاة”.لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم(التّين:04)، وهذا يعني أنك خُلقت على درجةٍ عالية من الإتقان والانسجام في البنية المادية والمعنوية العقلية والروحية، ما يؤهّلك لأداء مهمة “الخلافة” و”العمارة” و”العبادة” باقتدار.

لا تساوي واحد..

في ساحات التدافع والتنافس، وفي منعرجات سُنّة التداول بين القوّة والضّعف أو بين الهزيمة والنّصر، وفي محراب الصراع الحضاري المحتدم والمطّرِد، تنكسر المعادلة المادية الظاهرة، والتي لا ترى إلا النتائج الخادعة في عالم الشهادة، وتنسى مآلات ذلك على البُعد الاستراتيجي المتناغم مع العاقبة في النهاية، والتي تمتد إلى عالم الغيب، عندها لا يكون المنطق الرّياضي العددي هو المهيمن.  ففي غزوة “أُحد” تلوح تفاصيل معركةٍ خاسرة، ويصل الأذى إلى “قائد الدّعوة” بسبب مخالفة “فقه السّنن” من بعض الأتباع، فتنهار المعنويات ويخيّم اليأس وينفرط العِقْد ويفرِض الإحباط منطقه، فتأبى “العناية الإلهية” إلا “الاستدراك” على هذا الواقع الخادع، وتأتي اللّمسات القرآنية لمعالجة حرب المعنويات، وتبسط منطِقا جديدا وهو أنك: لا تساوي واحد، وأن الرّفعة لا تخضع للبُعد المادي في المعارك، فقال تعالى عن القلّة المنهزمة (نظريا) أمام الكثرة المنتصرة (ظاهريا): ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.(آل عمران:139)، وهو الاستعلاء الإيماني المتسامي فوق الجراح.

لا تساوي واحد..

فقوّتك الإيمانية وطاقتك الروحية ومعيّتك الإلهية ومعنوياتك التي تلامس عنان السماء…

يقينك في الحق الذي تدّعيه، وصفاء فكرتك التي تعتنقها، وصحة منهجك الذي تسير عليه، وصدق الوعد الإلهي الذي ينتظرك، والموازين الإيمانية التي تهيمن عليك، هي التي تجعل المنطق القرآني يعدّل من المفهوم العددي بينك وبين الآخر..فلأنّك لا تساوي واحد، فإنّ الخطاب القرآني يقول للمؤمنين: إنْ يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإنْ يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قومٌ لا يفقهون.(الأنفال:65).

وهذه الآية تفيد “الأمر” وليس “الخبر”، وهذا يعني أنّها تكليفٌ بالاجتهاد والثبات، لأنّ”الواحد” من أهل الإيمان يقابل “العشرة” من الذين لا يفقهون حقيقة الوجود والمنهج والغاية، وهي عِلّة الغَلَبة، والفرق بين مَن يريد الدنيا ومَن يريد الآخرة..

وفي حالة “الضَّعف” و”النّسخ”، فإنك – وفي كلِّ الحالات – لا تساوي واحد، فلا يجوز أن يضعف “الواحد” أمام “الاثنين”، فقال تعالى تشريعا وتوجيها: الآن خفّف الله عنكم، وعلم أنّ فيكم ضَعفا، فإن يكن منكممائةٌ صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألفا يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين..(الأنفال:66).

إنها الموازين التي تجعل المؤمن القوي، المرتبط بعالم السماء، والمصطبغ بالربانية كما قال تعالى: ولكن كونوا ربّانيين..(آل عمران:79) تنقله من رتبة الفرد في أمّة عند ولادته إلى رتبة الأمّة في فرد عند وفاته، وقد قال الله تعالى: إنّ إبراهيم كان أمّة.(النّحل: 120)، أي اجتمع فيه ما تفرّق في غيره من كمال الصفات والخِلال، وقد قيل: “ليس على الله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحد.”..

وقد قيل في معنى ذلك: أن يكون سببا في إيمان وهداية أمّةٍ بأكملها، فيُطلق المسبّب على السبب، فهو في الميزان يعدل “أمة” في خيرها وطاعتها وبركتها، فينال من الأجر والفخر بما يعدل تأثيره وهدايته لها، فهو لا يساوي واحد منها، بل هو كلُّها..إنّه المنطق الإيماني الذي يجعل من وزن الفرد في الأمة يكسر المنطق العددي، ويجعله رقما صعبا، بالقوة الروحية التي تتناهى أمامها القوة المادية، وإن الطّاقة الإشعاعية الداخلية للمؤمن، والتي يستمدها من تلك التجليات الإلهية، والتي تتفجّر ينابيعها من فيْض هذا الإقبال الرّباني عليه بمثل قوله عزّ وجل في الحديث القدسي: ..كنتُسمعه الذي يسمع به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها..، هي التي تجعلك: لا تساوي واحد..تأمل تلك الطّاقة النّورانية اللاّ محدودة التي تمتّع بها سيدنا أبوبكر رضي الله عنه بقوة الصّدق والإيمان، والتي أشعّت منه فتحوّلت إلى إنجازاتٍ تاريخية تتجاوز حدود طاقته الجسدية المحدودة، قد رُجِّحبها على الأمّة بأكملها، فقد جاء فيما رواه الإمام أحمد في “فضائل الصحابة”، والإمام البيهقي في “شُعَب الإيمان” قول سيّدنا عمر رضي الله عنه: لو وُزِن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم.”، وفي رواية: “.. وَوُضِعت أمّتي في كفّة، ثم جِيء بأبي بكر فوُضِع في كفّة فرجح بهم...

لا تساوي واحد..

حتى ولو كنت مغمورا بين النّاس، لا يُؤبَه لك، إذا حضرت لم تُعرف وإذا غِبت لم تُتفقّد، بما تحمِله من الأسرار مع الله، ترفعك إلى خوارق العادات، وتحقيق الأحلام والطموحات، وتُبسط لك الأرض ويُطوى لك الزمن طيًّا في الإنجازات، فلا تساوي واحد، لأنّ الله تعالى لا يتخلّف عنك أبدا، لئن سألته ليُعطينّك، ولئن استعذت به ليُعِيدنّك، قال صلّى الله عليه وسلّم – كما في صحيح الإمام مسلم – : ” “رُبَّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه.”.

بكلِّ بساطة: أنت لا تساوي واحد.

تعليق