ترجع قصّة هذا الموضوع إلى سنة: 2012م، إذْ كُلّفت ذات يومٍ بإلقاء محاضرةٍ نموذجية في الندوة الشهرية للأئمة بولاية جيجل بمناسبة: 08 مارس، والتي تزامنت مع الإصلاحات السياسية والانتخابات التشريعية، وما تضمّنتها مِن توسيع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة.

وقد طغت الصورة النّمطية لمشاركة المرأة في المناصب السياسية التي تستند إلى أحكامٍ مسبقة، ويتحكّم فيها “موروثُ العادات والتقاليد” وفق اجتهادات “الفكر الإسلامي”، أكثر من استنادها إلى الأدلة الصحيحة والصريحة، وإلى تقعيدٍ علمي وتأصيلٍ شرعي..

ويتبادر إلى الأذهان مباشرةً حديثٌ مشهور، وبالرغم من “خطورة وحساسية” هذه القضية والمتعلّقة بـ: “السياسة” و”المرأة”، إلا أنّ الغريب فيها أنه لم يردْ إلا “حديثٌ واحدٌ” فيها، ولم يُرو إلا من مَخْرجٍ واحد، وهو: الصحابي “أبو بكرة” رضي الله عنه؟؟؟.

وهو الحديث الذي رواه الإمام البخارى والترمذى والنسائى والإمام أحمد عن أبي بكرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: “لن يفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة.”، وقد ورد هذا الحديث برواياتٍ متعدّدة، منها: “لن يفلح قومٌ تمْلِكُهم إمرأة”، و “لن يفلح قومٌ أسندوا أمرهم إلى إمرأة.”..

والواضح أنه لا إشكالَ في صحّة الحديث من ناحية الإسناد، وبالرّغم من تجريح البعض في الرّاوي الوحيد له، على اعتبار أنه قد أُقيم عليه حدُّ القذف في زمن “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه، ولكن الحديث يحتاج إلى توجيهٍ في المعنى وتدقيقٍ في الفهم.    لابد أوّلاً أن يُفهم الحديث في ظلّ سبب وروده، مثلما يُفهم القرآن الكريم في ظلّ سبب نزوله، حتى يتمّ فكّ الاشتباك بين “الفهم الذاتي” و”حقيقة مدلول النّص”، وتحميله فهْمًا قد يخالف مُراد الشارع الحكيم، وهو ما يفيد في الاجتهاد وتنزيل الأحكام على الوقائع ويعين على القياس، من أجل الفهم الصّحيح وحسن والاستنباط، وأنّ قاعدة: “العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب” تصلح في آياتِ وأحاديث الأحكام وليس في آياتِ وأحاديث الفتن والأخبار..

وللحديث سببٌ للوُرود، وسببٌ للذِّكر، وسبب الوُرود هو: ” أنّ نفرًا قد قدِموا من بلاد فارس إلى المدينة المنورة، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “مَن يلي أمر فارس؟ “، فقال أحدُهم: إمرأة، فقال صلى الله عليه وسلّم: “ما أفلح قومٌ ولّوا أمرَهم إمرأة.”.

وسببُ ذِكر الحديث هو قول الرّاوي أَبِي بَكْرة رضي الله عنه قال: “قد نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى، قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً.”.

وهذا الحديث لم يُرو إلا عن راوٍ واحد، وهو: أبو بكرة رضي الله عنه، ولم يروِهِ إلا بعد: 25 سنة من وروده، ولم يشتهر هذا الحديث بين الصحابة رضوان الله عليهم في تلك الفترة، إلى غاية “موقعة الجمل” بين “عائشة رضي الله عنها” والإمام “علي رضي الله عنه” بالبصرة سنة: 36 هـ، وهو من أحاديث الآحاد وليس من الأحاديث المتواترة والمشهورة..

وسياق الحديث يحكي عن “قصةٍ تاريخية” من باب الإخبار وليس من باب النّهي والتحريم فهو ليس من باب التشريع، ولذلك رواه البخاري والترمذي في: الفتن والمغازي، ولم يبوّبا له في الفقه، فهو نوعٌ من الغيب الذي أخبر به ووَقَع..

وإذا كان الحديث يحكي القصّةَ بصيغة النّكرة لـ “قوم” و “إمرأة” التي تفيد التعميم، إلا أنه لا يمكن تشبيه قوم فارس بالمسلمين، ولا يمكن قياس أيّ إمرأة على المرأة المسلمة، التي تتساوى مع الرجل في الاهتمام بالشأن العام وفق التكليف الإلهي، كقوله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض..”(التوبة:71)، والخطأ في اجتهادها ليس لأنوثتها تُعاب عليه، ولكنه موقفٌ تقديريٌّ واجتهادي، مثلُها مثل خطأ الرجل.

والظاهر من الحديث أنه نفيٌّ مطلق لأيّ نجاح تقوده أيُّ إمرأة، وهذا يتنافى مع الواقع، فقد نجحت نساءٌ في القيادة، مثل: “الملكة بلقيس” التي قادت قومها إلى الإيمان بسيّدنا سليمان عليه السلام، وذُكرت قصّتها بصيغة المدح وليس بصيغة الذّم، لأنها حكمت بالمؤسسة الشورية لا بالولاية الفردية، كما قال تعالى: “قالت يا أيها الملأ أفتُوني في أمري ما كنت قاطعةً أمرًا حتى تشهدون.” (النمل: 32)، وذمّ القرآن الكريم فرعون- وهو رجل – لأنه انفرد بسلطان الولاية العامة وسلطة القرار كما قال تعالى: “قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.” (غافر: 29)، والقضيّة ليست مرتبطةٌ بجنس الذّكر أو الأنثى، وإنما لاعتباراتٍ أخرى.

وظاهر هذا الحديث فيه نوعٌ من الانتقاص من مكانة المرأة، وهو ما يتنافى مع كرامتها الإنسانية في قوله تعالى – بدون تمييزٍ بين الجنسين – : “ولقد كرّمنا بني آدم..”(الإسراء:70).

وأنّ هذا الحديث ليس صريحا في تحديد النّهي عن منصبٍ بعينه، ومع ذلك يتعسّف البعضُ في التحكّم في معنى الحديث وتوجيهه، وفرض منطقٍ أو معنىً بعينه، فما هو الدليل الذي يحمل البعض على معنى الإمامة الكبرى؟ وهل ينسحب ذلك على رئاسة الدولة القُطرية؟؟ وهل: أيّ ولاية ومسؤولية تقودها المرأة ينطبق عليها هذا الحديث؟؟.

وإذا كان الحديث يتحدّث عن نظامٍ ملكيٍّ تتمركز فيه كلّ السلطات والصلاحيات بيد الحاكم، فهذا يختلف تماما عن الأنظمة الديمقراطية، في ظلِّ دولة القانون والمؤسسات والفصل بين السلطات والتوازن بينها، ما يجعل الأمر يختلف، قد يتغيّر مفهوم الولاية العامة فى عصرنا الحديث، وذلك بانتقاله من:”سلطة الفرد المطلق” إلى “سلطة المؤسسة”، وهو ما يسقط استدعاء الفهم القديم للحديث على كلّ العصور في الماء.

وفي نوعٍ من الإرهاب الفكري والتوجيه المسبق، هناك مَن يصادر الفهم بادّعاء الإجماع في المسألة، وهو تجنّي لا حدود له، ولا ندري كيف يتمّ قياس ومعرفة هذا الإجماع وخاصة في العصور القديمة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل (164هـ – 241 هـ)، الذي قال: “مَن ادّعى الإجماع فقد كذب”.، وأنّ الواقع التاريخي يثبت حجم الاختلاف في المسألة التي لم يرد فيها إلا هذا الحديث؟؟ إضافةً إلى أنّه ليس كلُّ إجماعٍ من السّلف حُجّة مُلْزِمة للخَلَف، فقد تتغيّر الفتوى باختلاف الزّمان والمكان والإنسان..

وهذه القضية من “مسائل المعاملات” وليست من “شعائر العبادات” التوقيفية، التي تستند وتتوقف على النّص، وهي تختلف جذريًّا عن “المعاملات” التي تحكمها المقاصد والمصالح الشرعية المعتبرة.

وأنّ جريان العادة بعدم تولّي المرأة للمناصب السياسية العليا عبر التاريخ الإسلامي ليس دليلا عن النّهي والتحريم..

في الأخير: ستبقى هذه القضيةُ خلافية ويتعذّر رفع الخِلاف فيها، مع احترام الرأي الآخر، ولا إنكار فيها على أحد، وكلٌّ يُؤخذ من كلامه ويُترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلّم..

وهذا الكلام موجّهٌ لمَن لا يزال أمامه غبشٌ فقهيٌّ مِن فَهْم قضية المشاركة السياسية للمرأة، والتسليم ببعض القضايا دون إعمال العقل والاجتهاد فيها، ولمَن لا يزال يتردّد أمام الأمر الواقع غير الديمقراطي، الذي فرضته “كوطة” تمثيل المرأة في قانون الانتخابات..

مع اعترافنا بالتحدّي والضريبة القاسية لإقحام المرأة في المناصب السياسية والمواقع الانتخابية ..

تعليق