لا يختلف اثنان من ذوي الألباب على أن المرأة هي الحياة…أو لنقل هي سر استمرار الحياة وكيان الوجود،لأنها هي مناط ذلك كما أنها شعرة توازن الكون ولذلك خلقها الله تعالى وجعلها رفيقة آدم عليه السلام في الجنة وأنسه وزينة حياته،ولما أنزلهما إلى الأرض كانت حواء حرثا لآدم عليه السلام وأنبتا أولى الذرية التي بها أعمرت الأرض…ومن حينها لا يستطيع آدم أن يستغني عن حواء  .

إن الله تعالى  بارك هذه العلاقة وشرع لها من النصوص ما يجعلها محمية ودائمة الوجود والعطاء والاستمرارية،استمرارية النوع الانساني وإعمار الأرض التي سخرها الله للانسان ليكون خليفة الخالق عليها،وقد كرم الله بني آدم وفضلهم على كل خلقه تفضيلا ﴿ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ومن أجله أسجد له الملائكة وأخرج ابليس من رحمته وغضب عليه إلى يوم الدين…

إن هذا التكريم ينسحب على الجنسين من بني آدم،إذ لا يعقل أن يكرم الله الرجل دون المرأة ـ وحاشى لله العادل أن يقر ذلك ـ ،وقد خلقهما من نفس واحدة،وجعل كل واحد منهما يكمل الآخر،فالنَقص من صفة البشر ولا كمال إلا لله تعالى،وعد ذلك آية من آياته ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا …. وجاء الحديث النبوي ليثبت  هذا المفهوم  ” إن النساء شقائق الرجال” ومن سبقه من الأنبياء ،إذ التشريع الرباني واحد، لكن الإنسان طغى وتجبر بعد فترة من الرسل ،ونسي أو تناسى ما شرع له ربه مما ينظم حياته ويقوم اعوجاجها ويجعله منسجما مع ذاته ويعيش سعيدا بتطبيق تعاليم الدين الاسلامي السمحاء التي لم تأت بالعبادات لتحسن علاقة المسلم بربه وبالمعاملات  لتحسن علاقة المسلم بأخيه فحسب،بل جاء الاسلام ثورة حقيقية على المفاهيم  السالبة  والتركيبة الاجتماعية والاقتصادية في مجتمع الجزيرة العربية الذي سادت فيه عبادة  غير الله ،من عبادة الإنسان للإنسان وامتلاك المرأة كما يمتلك متاع البيت وقد يرمى في لحظة استغناء عنه أو يدس في التراب لأنه عار على صاحبه…إنه لمن المؤسف أن هذا الإنسان ذو العقلية الجاهلية لايزال يعيش بين ظهرانينا في عصرنا هذا وقد حمّل النصوص الشرعية ما لم يحمّله الله إياها وراح يزيد وينقص ،يرفع وينزل ،حسب هواه،ونصب نفسه مدافعا ومنافحا عن المرأة واعتبرها في مرتبة دونه حين فهم خطأ قول النبي صلى الله عليه وسلم”فيمارواه ىالشيخان:”.. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل ‏الحازم من إحداكن”) 1(.والناقص في شرع البشر لابد من وصي عليه يقوم بكل شؤونه ويسوقه كيف يشاء لكنه هنا كان كالوصي الخائن على أيتام ضعفاء ـ يقول الشيخ الغزالي رحمه الله في كتابه [قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة]:” قد رأيت في أواخر عصر الجاهلية وبدايات عهد الاسلام أن المرأة حضرت بيعة العقبة دون اعتراض،وبايعت على الموت تحت الشجرة،أو على عدم الفرار وكان مستحيلا أن يؤذن لها بذلك في أواخر التاريخ الاسلامي،فماذا يعني هذا الوضع؟ ولأترك أمر البيعة وشؤون المسلمين العليا،إنني عاصرت أوائل عمري معركة نشبت بعدما اكتشفت أن الدكتور طه حسين أذن لعديد من الطالبات بدخول كلية الآداب،عندما كان عميدا لها..كان موقف الايمان ـ أو بتعبير أدق ـ موقف المؤمنين أن ذلك لا يجوز،أما الطرف الآخر،والذي سمي بالملاحدة فهو الذي ناصر تعليم المرأة إلى أعلى المستويات !أي إنصاف للاسلام في هذه المعركة السخيفة؟الدين مع الجهل،والالحاد مع العلم؟إلى متى نسمح لأناس يكذبون على الأرض والسماء باسم الدين؟ ”

نعم إلى متى نسمح لأناس يكذبون على الأرض والسماء باسم الدين؟ إنه لا بد من أن نحاول مواصلة طريقا بدأها علماؤنا ولازالوا لنميط اللثام عما سكت عنه لقدح من الزمن حول التأويلات الخاطئة للنصوص الشرعية في كل ما يخص المرأة والذي أثر سلبا على مردودها في الحياة العامة وعلى تبوئها مسؤولية الخلافة التي أناطها الله  بها في أوسع مفهومها مما جعلها رهينة محبسين من الجهل والفقر،فتقدمت الى الخلف خطوات عملاقة تحتاج إلى جهود جبارة لإعادتها إلى حقيقة ما خلقت من أجله وهو المشاركة مع أخيها الرجل في إعمار الأرض وإقامة العدل وإحقاق الحق ولن يتأتى ذلك ما لم نحرر النصوص الشرعية من العقول الرجعية .

     الأستاذة ” رشيدة قادري “

تعليق