من أجَلّ العبادات وأعظمِها أجرا: عباداتُ القلوب، ومن أخطر المعاصي وأعظمِها وِزْرا: معاصي القلوب، ومن المعاني التربوية الرّاقية أن يتربّى المرءُ على: الصدق والإخلاص، ومن اللّمسات الرّوحية الجميلة أنْ يحذر من الرّياء وحبّ الظهور، وهي التي تعين السالِك إلى الله تعالى على القبول والثبات..

وقد فُهِم “الإخلاص” خطأً، بناءً على تعاريف تُوهِم بذلك، مثل قولهم هو:” تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين”، وقول بعضهم: “الإخلاص ألاّ تطلب على عملك شاهدا غير الله..”، ما يُفهم منها أنّ كلّ مَن أظهر أعماله – وبدون تمييز – فقد خدش الإخلاص لله، وطعن في الصفاء مع الخلق.

وترسّخت مفاهيمٌ مغلوطةٌ عن ذلك إلى درجة كتمان كلّ الأعمال، واعتبار تثمين النشاطات والإظهار الإعلامي لها نوعا من “الرّياء”، وضربا من “الغرور”، وبابا من أبواب “الإعجاب بالنّفس”، وهي من المهلكات، كما ورد في الحديث الشريف: ” ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ..”.

وكأنّنا توقفنا عند لحظةٍ تاريخيةٍ من هذا الفهم التقليدي، ولم ننتقل إلى تعاريف أخرى للإخلاص، تصحّح “فقه السلوك” مع الخلق، وتضبط “فقه السّير” إلى الخالق، ومنها ما قاله “الجنيد” – عليه رحمة الله:

“الإخلاص سِرٌّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه، ولا شيطانٌ فيفسده، ولا هوى فيميله.”، وقول الفضيل بن عياض – عليه رحمة الله: “ترْكُ العمل من أجل النّاس: رياء، والعمل من أجل النّاس: شرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.”، وهو ما يؤسّس لقاعدتين مهمتين وهما:

_ أنّ مسألة “الإخلاص” سِرٌّ بين العبد وربّه، ولا دخل للعباد فيها، بأن يشقّوا على قلوب النّاس، فيحكموا على أفعالهم، سواءٌ كانت في “السّرّ” أو في “العلن”.

_ أنّ الفقه الحقيقي للمسألة يدلّ أنه ليست كلُّ الأعمال يجب إخفاؤها، بل قد يجب إظهارُها وتثمينها.

فقال فقهاء “التزكية” وأرباب “التربية الرّوحية” أن الأصل في النوافل هو: السّر والكتمان، وأنّ الأصل في الفرائض هو: الإظهار والإعلان. وأنّ الاحتفاء بالطاعة والفرح بها – عند التوفيق الإلهي إليها – من علامات الإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلّم فيما رواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “مَن سَرّته حسنته، وساءته سيّئتُه فهو مؤمن.”، بل إنّه من علامات الذّوق الإيماني، والتي ترتقي بصاحبها إلى حيازة الأجر الأخروي: التفاعل الإيجابي مع ظهور الأعمال الصالحة، فقد روى الترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يا رسول الله بينما أنا في بيتي في مصلّاي، إذ دخل عليّ رجلٌ فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال صلى الله عليه وسلّم: “رحمك الله يا أبا هريرة، لك أجران: أجر السّر وأجر العلانية.”، ومقصودُ أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في حالة إيمانية مرهفة هو: الخوف من الرّياء والعُجب، فطمأنه “صلى الله عليه وسلّم” بأنّ له أجر السّر أي: أجرُ الإخلاص (وهو سِرٌّ بينه وبين ربّه)، وأجر العلانية أي: أجر الاقتداء به..

ولذلك أجاز العلماء إظهارَ الأعمال – سواء كانت من النوافل أو من الفرائض – مثلما أثنى عليها ربّنا سبحانه وتعالى في مثل قوله: “الذين ينفقون أموالهم بالليل والنّهار، سِرَّا وعلانية..”(البقرة:274)، فتجوز إذا كان القصد منها:

_ شكرَ الله تعالى على نعمة التوفيق للطاعات، والفرح بإظهار الصّالحات وستر السّيئات، كما قال تعالى:       ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون.”(يونس:58).

_ إظهارَ الأعمال من أجل التشجيع عليها والترغيب فيها والاقتداء بها ونيل أجرِ مَن اهتدى إليها، وهي دعوةٌ عملية لتكثير الطاعات وتوسيع الخيرات، كما قال صلى الله عليه وسلّم: ” مَن سَنّ سُنّةً حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة..”.

_ إظهارَ المطيعين وتكثيرَ سواد الصالحين، وهو ما يُغري بالاقتداء بهم: فيتعلّم الجاهل ويتذكّر الغافل ويتشّجع اليائس، ويزيد في الأخوة في الله والحبّ فيه على ذلك، وهو من أوثق عرى الإيمان، ولا يخفى ما فيها من الأجر.. قال صلى الله عليه وسلّم:” ثلاثٌ مَن كُنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: .. ومنها: أن يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله.”.

وإذا كان الجهرُ بالطاعة والاعتزاز بها لا يخلو من الفائدة والأجر، وأنّها صورةٌ من صور: تعظيم شعائر الله، كما قال تعالى: ” ذلك ومَن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب..”(الحج:32)، فإنّه يجب ستر المعاصي بعدم المجاهرة بها، كما قال صلى الله عليه وسلّم: “كلُّ أمّتي معافى إلا المجاهرين..”، ثمّ قال: “.. وقد بات يستُره ربُّه، ويُصبِح يكشف سِتر الله عنه.”.

إنّ المعركة الإعلامية لا تقلّ خطورة وأهميةً عن غيرها من المعارك، فصناعة الرأي العام وتغيير القناعات وتوجيه الميولات وبناء التوجّهات، والتأثير في صناعة القرارات، وترسيخ المفاهيم والمصطلحات، يكون بثقافة الصوت والصورة، وهو ما يتطلب “الحسّ الإعلامي والتثمين الاتصالي” لكلّ النشاطات والمواقف، ولا ينفع معها ذلك الفهم السلبي للإخلاص، أو الخوف غير المبرّر من الرّياء، أو الحذر غير المطلوب من الغرور..

وما “الدعوة” في حقيقتها إلا عمليةٌ إعلاميةٌ واتصالية في الترويج للفكرة والإقناع بها والتمكين لها، وهو ما يتطلب الحضور في الفضائيات والجرائد والمواقع والوسائط الإلكترونية بقوةٍ وبكثافة، لصناعة الرّموز وتبريز المرجعيات التي يُلجأُ إليها أيام المحن والأزمات، وعلى كافة المستويات..

وهو ما يعني كذلك توثيق النشاطات وتسجيل التحرّكات وإبراز المواقف والترويج للقرارات بالدّعاية لها والوقوف عليها..

إننا نستغرب أن يتبجّح أهل الباطل بمنكرهم، فيكشفوا عن وجوههم القبيحة بكلّ اعتزاز عبر مختلف وسائل الإعلام، وباستغلال كلّ التكنولوجيات الحديثة للتمكين لمشاريعهم ومخطّطاتهم، بينما يستحي أهل الحقّ من الترويج لأفكارهم والدعوة إلى مبادئهم والإشهار لنشاطاتهم والتأريخ لأعمالهم والنشر لمختلف إنجازاتهم، تحت ذريعة التربية التقليدية في الخوف من الرّياء والحذر من حبّ الظهور.

إنّ العبد قد يكون في قمّة “الإخلاص” ولو كان مجاهرا بطاعاته، وقد يكون في قمّة “الرّياء” ولو كان مختليا بربّه في جوف الليل، لأن المسألة متعلقةٌ بالأحوال القلبية والاستشرافات النّفسية، كما قال “ابن عطاء الله السّكندري” – عليه رحمة الله في إحدى حكمه العطائية: “ربّما دخل الرّياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك.”.

وهي لطيفةٌ تربوية تدلّ عليها الفطرةُ الإيمانية، وتدفع إليها الحوافزُ الرّوحية، وتكشف عنها الإشراقاتُ القلبية، بأن “الإخلاص” غير مرتبطٍ بالإعلان أو الكتمان للأعمال، بقدر ما هو مرتبطٌ باستشرافات النّفس  الداخلية والحالة القلبية مع الله تعالى، ” .. وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى..”..

تعليق