وقّعت الجمعية العامة للأمم المتحدّة على “اتفاقية سيداو” في: 18 ديسمبر 1979م، والتي تهدف إلى القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة، والتي تتضمّن: 30 مادة في قالبٍ قانوني مُلزِمٍ للدول المصادِقة عليها، وهي تدعو إلى سنّ تشريعاتٍ وطنية تُحرّم التمييز، وتدعو إلى تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية، والتشديد على المساواة بين الرّجل والمرأة في الحياة الأسرية..

وقد وافقت عليها حوالي: 20 دولة سنة:1981م، وفي ماي: 2009 انضمت إليها حوالي:186 دولة، مع عدم توقيع بعض الدول عليها، ومنها: أمريكا، كما تحفّظت الجزائر عليها لتعارض بعض موادها مع قانون الجنسية وقانون الأسرة، وخاصة المادة الثانية منها، والتي تطالب صراحةً بإلغاء كلّ أشكال التمييز بين الجنسين حتى ولو كانت على أساسٍ ديني، ومنها: المساواة المطلقة بين “الرّجل” و”المرأة” في كلّ قضايا الزّواج والأسرة، وهو ما يعني: إلغاء الولّي في الزّواج، ومنع تعدّد الزّوجات، ونِسبة الإبن إلى أمّه، والاعتداء على أحكام الميراث، وإلغاء “قوامة الرّجل”، ونفي العِدّة عن المرأة..

وبعد أكثر من: 20 سنة من تحفّظ الجزائر على هذه الاتفاقية، جاء خطابُ الرئيس “عبد العزيز بوتفليقة” بمناسبة: 08 مارس 2016م، والذي قال فيه صراحةً: “.. فإنّ كلمتي لن تكون إلا دعوةً قويةً وصريحةً للهيئات المؤهّلة من أجل إعادة النّظر في تحفّظات الجزائر على بعض مواد الاتفاقيات الدولية لمحاربة كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة..”، وبالرغم من تأكيده على أنّ ذلك لن يكون إلا وفق “مراجعنا الرّوحية”؟؟ إلا أنّه لا يوجد تفسيرٌ للدعوة إلى “رفع التحفّظات” إلا المساس بقانون الأسرة، والتراجع عن السيادة في التشريع الوطني، والانبطاح أمام الضغوط الأجنبية، والاستجابة للأيادي الخارجية بما يمسّ بالشعور الديني للشّعب الجزائري، ويفتح مجدّدا معارك الهوية وخطر الاصطفافات الإيديولوجية..

وسنبدأ الحديث عن “وليّ المرأة”، والذّي يطالب بعضُ المستلَبين حضاريا والممسوخين ثقافيا والمأجورين ماديا بإلغائه في عقد الزواج من باب المساواة المطلقة بين الجنسين، فكما لا يجب “الولي” على الرّجل فيه، فإنه لا يجب كذلك على “المرأة”.

ونؤكّد في البداية على بعض الملاحظات حول موضوع “الولي”، وهي:

1_ أنّ هذا الرّكن من الزّواج هو تشريعٌ إلهيٌّ وتراكمٌ تاريخي ومبداٌ اجتماعي تعارف عليه الشعب الجزائري منذ عقودٍ قبل أن يكون قانونا مجرّدا ومُلزما، والطعن فيه هو طعنٌ في الحياة الاجتماعية المقدّسة لآبائنا وأجدادنا، ولا يقول بذلك إلا لقيطٌ لا أصل له في الجذور التاريخية لهذه الأمّة.

وإذا كانت فرنسا الاستدمارية قد عجزت عن القضاء عن خصوصية الأسرة الجزائرية، وبقيت عصيّةٌ وصامدةٌ عليه طيلة: 132 سنة، فلن نسمح لأذنابها بالعبث بها في عِزّ الاستقلال، وقد حسم بيان أوّل نوفمبر في هوية الدولة المستقلة، وأنّها لن تكون إلا في إطار “المبادئ الإسلامية”.

2_ إنّ مفهوم “الولي” في عقد الزواج يختلف تماما عن المعنى السطحي والعام لمصطلح “الولي” في المجالات الأخرى، فهو لا يعني فرض الوصاية المطلقة على المرأة، ولا يعني إلغاء عقلها وإرادتها في زواجها، ولا يعني أنّها قاصرةٌ مثل الطفل الصّغير بالنّظر في مستقبلها..

3_ أنّ “الولي” ليس على إطلاقه، فهو مرتبطٌ بدرجة القرابة منها، وهو ما لا يضرّها في شيء، وهو محصورٌ في “عقد الزواج”، وليس عامًّا في كلّ النّساء بل متعلّقًا بالبنت في زواجها، وهو ليس منعزلا عن باقي الأركان بل مقترنا بغيره مثل: “الرّضا بين الزّوجين”..

ووفق مرجعيتنا الوطنية الفقهية، فقد ذهب “الإمام مالك” و”جمهور الفقهاء” و”المحدّثين” إلى اعتبار “الولي” شرطًا من شروط صحّة عقد الزّواج، وليس مجرد شرطٍ في تمامه، بل واعتبروه رُكنًا أصيلا من أركانه.

وقد جمع “الحبيب بن طاهر” في كتابه: “الفقه المالكي وأدلّته” الأدلة في ذلك، حيث قال: ودليل ركنيّة الوليّ وتوقّف العقد عليه:  _ قوله تعالى: “ولا تُنْكِحوا المشركين حتى يؤمنوا..”(البقرة:221)، ووجه الاستدلال أنّ الخطاب موجّهٌ للأولياء بعدم تزويج بناتِهم للمشركين، ولو لم يكن لهم ولايةٌ في الزّواج لما خاطبهم الله تعالى بذلك..

_ وقوله تعالى: “وإذا طلّقتم النّساء فبلغن أجلَهنّ فلا تعْضُلُوهنّ أنْ ينْكِحن أزواجهن.”(البقرة:232)، والعَضْل هو المنع، وهو لا يصحّ إنْ لم يكن للوليّ دخلٌ في زواج ولّيته، والآية واضحةٌ بأنّ الزواج متوقّفٌ على رضا الزّوجة، وأنّ مباشرة العقد متوقّفةٌ على وليّها..

_ وقوله تعالى عن شعيب في قصّته مع موسى عليهما السلام: “إنّي أريد أنْ أُنكِحك إحدى ابنتيّ هاتين..”(القصص:27)، وهو استدلالٌ بشرع مَن قبلَنا، وأنّ “الوليَّ” منهجُ الأنبياء الممتدّ في التاريخ.

_ وقوله تعالى: “وأَنْكِحُوا الأيَامَى منكم والصّالحين من عِبادكم وإمائِكم..”(النور:32)، والخطاب موجّه للأولياء بتزويج النّساء، والأمر في القرآن الكريم يفيد الوجوب في الغالب..

وأمّا من السُّنّة النبوية الشريفة:

_ فقوله صلى الله عليه وسلّم: “أيّما امرأةٍ نُكِحت بغير إِذْن وليّها فنِكاحُها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل..”، وكلمة البطلان تدلّ على الرّكنية والتشديدِ في أمْر الوليّ، وهو أشبه بقوله: “لا تزوّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوّج المرأة نفسَها، فإنّ الزّانية هي التي تزوّج نفسَها.”، وهو نصٌّ في بطلان الزواج بدون وليٍّ من غير تخصيصٍ ولا تمييز..

_ وقوله: “الأيَمُّ (التي سبق لها الزّواج) أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكْر تُستأذن في نفسِها، وإِذْنها صُماتُها.”، ولفظ “أحقّ” من أبنية المبالغة، وهي تعني أنّ للولي حقٌّ كذلك مع المرأة، فهي أحقّ بتعيين الزوج والرّضا به، والوليُّ له حقّ تولّي العقد.

إنّ دور الولي متعلّقٌ بمباشرة العقد نيابةً عن ولِيّته، وهو لا ينعقد إلا وِفق إرادتها وحرّية اختيارها، إذْ الزّواجُ مبنيٌّ على “المودّة والرّحمة”، وهو لا يتحقّق بالإكراه والإجبار، وقد ثبت أنّ امرأةً شَكَت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنّ أبي زوّجني ابن أخيه ليرفع خسيسته وأنا كارهة، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى أبيها، فجعل الأمرَ إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزْتُ ما صنع أبي، وإنّما أردت أنْ أُعلِم النّساء أنْ ليس للآباء من الأمر شيء.”، ودلالة الحديث تؤكد أنّ الزّواج لا يتمّ بدونها، كما لا يتمّ بدونه.
إنّ عقد الزواج يختلف تماما عن أيّ عقدٍ من العقود الأخرى، وهو ليس مجرد علاقةٍ خاصّةٍ بين “رجلٍ” و”امرأة” كما هو في الفلسفة الغربية التي تكفر بكيانٍ اسمه “الأسرة”.

إنّ فلسفة الزواج في الإسلام قائمةٌ على منظومةٍ اجتماعيةٍ وأخلاقية وإنسانية متكاملة، فالزّواج لا يعني “الفتاة” لوحدها، بل تتعدّى آثاره في العِرْض والشّرف والنّسب والأولاد والأحفاد إلى غيرها..

وشرطُ الوليّ جاء لحمايتها وصيانتها من أقرب الناس إليها، فهي ليست مقطوعةٌ من أصلها، وإنّ مباشرة عقدها بنفسها وبدون وليّها قد يضعها في موضع “الوقاحة” و”الرّعونة” بما يخدش “الحياء” و”المروءة”، لأنّها سريعةُ الاغترار، قويةُ الاندفاع بالعاطفة، وهي قليلةُ الخبرة بالرّجال، وقد يورّطها ذلك في الانخداع بهم والوقوع في حبائلهم.

وحتى الإمام أبي حنيفة – عليه رحمة الله، وهو الذي لا يشترط الولي ولا يراه رُكْنا في العقد اشترط أنْ يكون الزّوجُ لها كُفؤًا، ولوليّها فسخُ العقد إنْ كان خِلاف ذلك..

إنّ الغرب يبني فلسفته القانونية على “الصّراع” و”الندّية” بين الرّجل والمرأة، مع أنّ الأصل في العلاقة بينهما هي: “التكامل” و”المودّة”، فكيف إذا كانت العلاقة بين الرّجل كأبٍّ والمرأةِ كبِنْت، في أخطر قرارٍ لبقيّة العمر، ومن أجل أعظم بناءٍ مقدّسٍ وهو: الأسرة؟؟؟.

 إنّ اللّقطاءَ هم مَن يرضون أنّ يكون “الشيطانُ” وليًّا لمَنْ لا وليَّ لها..

 

تعليق