بعد الصّدمة البترولية، والتي تتجاوز أسبابُها “السذاجَة الحكومية” في ربطها بانهيار أسعار البترول، إذ تؤكد الحقيقة – التي تتهرّب منها الحكومة – بأنّ الأزمة الحقيقية هي: الارتهان المزْمِن للرّيع البترولي منذ الاستقلال، والفشلُ الذّريع في تنويع الاقتصاد بالاقتصاديات البديلة مثل: الصّناعة، الفلاحة، والسياحة والخدمات، والعجز عن الذّهاب إلى الطّاقات المتجدّدة مثل: طاقة الماء وطاقة الرّياح والطاقة النّووية السّلمية والطّاقة الشمسية..وغيرها.

إضافة إلى أزمة تراجع الإنتاج منذ: 2006م، وارتفاع الاستهلاك المحلّي إلى حدود: 40%، وتنامي تحدّي المنافسة الدولية، وتوجّه العالم نحو الطّاقات الصّديقة للبيئة والمناخ..

وحتى لا يسقط “وَهْمُ إنجازات فخامته” في الماء، فيما يتعلّق بالقضاء على المديونية الخارجية ما دام “يتنفّس”، تحاول الحكومة “الهروب الذّكي” نحو “المديونية الداخلية” عن طريق طرح “آلية القرض السندي” بنسبة الفائدة: 05% لتمويل المشاريع الاقتصادية العمومية.                                                وهو “القرض” الذي تمّ إطلاقه رسميا من طرف وزير المالية السّيد: عبد الرّحمان بن خالفة يوم: 12 أفريل 2016م، خاصّة وأن العجز المتوقّع في الميزانية لهذه السنة يُقدّر بـ: 35 مليار دولار، وأنّ “صندوق ضبط الإيرادات” المكلّف بتغطية ذلك العجز – كعادته – سيُفلِس في شهر ماي 2016م على غير المتوقّع..

ويتمثّل “القرض السندي” أو “توريق القرض” في إصدار مؤسسةٍ عمومية أو خاصة سنداتٍ بقيمةٍ معيّنة عن طريق الاكتتاب العام للتّداول من أجل الحصول على سيولةٍ نقدية (أموال) لضمان تمويلٍ متعدّدِ المصادر لتوسيع رأسمالها أو لمواجهة صعوبات مالية لديها، ويُعتبر هذا “القرض السّندي” ديْنٌ طويل الأجل على عاتق هذه المؤسسة.

وإذا كان البعضُ يعتبره “ضرورةً اقتصادية” كوسيلةٍ وحيدةٍ بقيت لتمويل المشاريع الاقتصادية العمومية كإلتزامات خاصّةٍ بالميزانية، يرى البعضُ الآخر أنّ هذا القرض يتضمّن “الفائدة الرّبوية”، وبالتالي فهو “كبيرةٌ من الكبائر”، وصدمةٌ أخرى للضّمير الجمعي للشّعب الجزائري الذي لا يراه إلا ربًا محرّمًا من النّاحية الشّرعية..

وبالرّغم من كون هذا الإجراء ليس جديدا، فقد سبق اللّجوء إليه سنوات: 1998م، 2007م، 2008م، إلا أنّ العودة إليه يدلّ على “صدمة الأزمة” التي طالما لم تعترف بها الحكومة ولم تستعدّ لها، وهو إجراءٌ ترقيعي لترحيلها وتأخير الاستعجال بالذهاب إلى المديونية الخارجية، والتي ستكون مؤلمةٌ وقاسية، بعد نفاذ الموارد وانعدام الضّمانات التي تحسِّن من شروط التفاوض عليها مستقبلا، بسبب الذهاب رأْسًا إلى مرحلة ما بعد البترول.

وطرْحُه الآن هو إعلانٌ صريحٌ للفشل في “مشروع الالتزام الجبائي الطّوعي”، الذي لهثت وراءه الحكومة، بناءً على إجراءات “قانون المالية التكميلي” لسنة: 2015م، لاستقطاب أموال “أصحاب الشكارة” من السّوق السّوداء، بشبه “إعفاءٍ جبائي” بنسبة الفائدة: 07%، ووصلت إلى نتيجةٍ متواضعة، فلم تُحصِّل إلاّ حوالي: 200 مليار سنتيم، في: 250 عملية، من أصل حوالي: مليون غني جزائري؟؟؟.

وإذا كانت الإحصاءات الرّسمية تقدّر حجم السّيولة النّقدية في السّوق الموازية بحوالي: 30 مليار دولار، فهذا يدلّ على حجم “خيبة الأمل” الحكومية في ذلك الإجراء، لاهتزاز ثقة المواطن في الحكومة، ولحجم الفساد الذي يحظى بالرّعاية السّامية، وللإصرار على التعاملات الرّبوية.

ولن تختلف “آمال القرض السّندي” عن ذلك، إذ يتوقّع بعضُ الخبراء “فشله”، وهو المشروع الذي “وُلد ميّتَا”، لعدّة أسبابٍ موضوعيةٍ وواقعية، منها:

1_ الحجمُ المرعب لاهتزاز الثّقة بين المواطن والحكومة، خاصّةً وأنّها تصرّح بأن هذا القرض سيوجّه إلى تمويل المشاريع الاقتصادية العمومية، ولكنْ بدون تحديدها بدقّة، ممّا يجعل المواطن يتمتّع بمخاوف مشروعة لعدم معرفته بوِجهة هذه القروض ومصيرها..

2_ فتحه بالصّيغتين: الإسمي وحامليه، يجعل الخوف يسكن “المدّخرين” الذين ليست لهم الثقة في التصريح بأنفسهم اتقاءً لـ: “التفتيش المالي” و”الضرائب المُجحِفة”..

3_ عدم إعفاء هذا القرض من الضريبة، إذ تصل إلى: 10 % للقرض الإسمي، و: 50% لحامليه، وإذا أضفنا نسبة التضخّم التي تصل إلى: 4.5% فلن تكون هناك جدوى منه..

4_ تحديد قيمة السّند بـ: 50 ألف دج (05 ملايين سنتيم) ستُقصي شريحةً واسعةً من الشعب الجزائري، العاجز أصلا عن توفير وادّخار هذا المبلغ، لانهيار القدرة الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار والسقوط الحر لقيمة الدينار، وهو ما يعني فقط “أصحابُ الشكارة”، وقد فشلت الحكومة معهم في اختباراتٍ سابقة..

5_ إقصاء “الصيرفة الإسلامية”، والإصرار على “القرض السندي” الرّبوي بالفائدة، مما يضيّع الفرص ويضيّق الختيارات وفق القناعات الشّرعية التي يتمتّع بها غالبية الشعب.

°) القرض السّندي .. رؤيةٌ شرعية:   

يمثّل السّند قرْضًا ودَيْناً على الشّركة، وصاحبُه لا يدخل بالمخاطرة معها (رِبْحا وخسارة)، ويتلقّى الفائدة الثابتة سواء ربحت الشركة أم خسِرت بـ: 05% لأنه ليس شريكًا فيها، وهو “عَيْنُ الرّبا”.

وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي (الذي يضمّ: 43 دولة، ومنها الجزائر) في دورته السّادسة المنعقدة بجدّة بالمملكة العربية السعودية في الفترة من: 14 إلى: 20 مارس 1990م: “إنّ السّندات التي تمثّل التزاماً بدفع مبلغِها، مع فائدةٍ منسوبةٍ إليه أو نفعٍ مشروط: محرّمةٌ شرعًا من حيث الإصدار أو الشّراء أو التّداول، لأنّها قروضٌ ربويّة، سواء أكانت الجهة المصدِّرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة، ولا أثر لتسميتها: شهاداتٍ أو صكوك استثمارية أو ادّخارية، أو تسمية الفائدة الرّبوية المُلتزَم بها رِبْحًا أو عمولةً أو عائدًا.”، وبهذه الفتوى الجماعية تتبدّد أوْهامُ بعض الفتاوى الفردية للمتمسّحين على “أبواب السّلطة”، من أشباه “علماء السّلطان”..

°) الحلّ: 

ويكمن الحلّ – إنْ بَقِيت لهذه الحكومة مَسْحةٌ من العقل أو جزءً من الرّشد – في: طرح هذه السّندات بالصيغتين (الرّبوية، ووفق الصّيرفة الإسلامية) وترك الحرّية للمواطن، وإعفاء هذه السّندات من الضريبة، وتنويع قيمة هذه السّندات بأقلّ من: 50 ألف دج، وفتحه بصيغة “لحامليه فقط” لطمأنة المساهمين، ومصارحة الرأي العام بحقيقة ودقّة هذه المشاريع الاقتصادية العمومية التي تدّعي تمويلها..

تعليق